"طشاري" رواية الاحتفاء بالمرأة ووجع الإنسان العراقي

الخميس 2014/05/15
إنعام كجه جي تنقل مأساة العراق عن طريق حكايات مؤلمة

عن منشورات دار “الجديد”، صدرت رواية “طشّاري”، للكاتبة العراقية إنعام كجه جي. في هذه الرواية تستبعد كجه جي التسلسل الزمني التقليدي والترتيب المنطقي لسرد الأحداث، فتعاملت مع مفردة الزمن باللجوء إلى وجهة نظر استرجاعية افتتحت بها منجزها “طشّاري”، انطلاقا من نهاية حكاية لم تبدأ بعد فجاء هذا الإجراء التقني ملائما لتشكيل حبكتها.

الكاتبة العراقية إنعام كجه جي في روايتها “طشّاري”، مالت إلى ترجيح خيارٍ فنيٍ شكَّلته مجموعة شبكات متراكبة ومفتوحة على بعضها البعض، بالشكل الذي يضع القارئ في طقس من التلقي/المتأمل، يأخذ شرعيته من خلخلة صورة التلقي بسياقها التقليدي، لصالح شكل آخر، ليس فيه إشارةٌ واضحة تحددُ بدايةَ ونهاية العمل الروائي، وهذا ما أعطى القارئ حرية واسعة لأنْ يختار حسب رؤيتهِ نقطة بدايتهِ ونقطة نهايتهِ.


آليات ميلودرامية


رغم ما حفلت به بعض أحداث رواية “طشاري” مِن آلياتٍ ميلودرامية بعيدة بشكل ما عن اجتراحات الأعمال الروائية التي يتوغل بناؤها السردي عميقا في أركيولوجيا البنية السردية إلاّ أن ذلك لم يضعف بنيتها أو يثقل عملية التواصل والتفاعل مع القارئ أياً كانت تركيبة ذائقته السردية. ضمن هذا الفهم، الذي نجد انفسنا مرتحلين به يبدو لنا أنَّ سياق المعالجة الفنية -وفق هذه الرؤية- بات يشكل مفردة واضحة في تركيبة عالمها الروائي، إذْ لم تحاول كجه جي أن تبتعد عنه وعن محدداته الواقعية، ولم تخرج به عن حدوده ومحدوديته، ولا أنْ تجرِّب التحليق بعيداً في عالم تصنعه افتراضات واحتمالات المخيلة، وذلك عبر استثمار طاقة التخييل لصنع واقعية أخرى مقابل واقعية الواقع، بل اكتفت وعبر الارتكان إلى تقانة السرد الموضوعي أن تنهل من واقعية الواقع.

تأتي رواية طشاري لتبديد بقعة شديدة الظلمة في مساحة العتمة التي تمتد على طول البلاد وعرضها نتيجة ما أصابها من تدمير بفعل الاحتلال الأميركي عام 2003.

خطاب الرواية يفصح عن نبرة احتفاء واضحة بنماذج متنوعة للمرأة العراقية


النص الحكائي


“ورديّة إسكندر”، طبيبة شابة نحيلة خجولة، لم تكن تعرف مدينة أخرى غير مدينة بغداد قبل العام 1954، تذهب بها قرعة التعيين بعد تخرجها من كلية الطب ذاك العام إلى مستشفى مدينة الديوانية في جنوب العراق. ودون أن يكون ذلك وارداً في حساباتها تقضي ربع قرن من عمرها في الديوانية، قبل أن تعود إلى بغداد، وهناك في الديوانية، ستلتقي بمن سيكون شريك حياتها، الطبيب جرجس، ولتنجب منه أبناءها، برّاق وهندة وياسمين.

خلال رحلتها الطويلة التي قضتها داخل مجتمع غريب عليها -ديانةً وثقافةً وطقوساً- بحميمية وتفاعل كبيرين، ستشهد تحولات جذرية في وعيها الذي شكلته مفاهيم الطبقة الوسطى بثقافتها المدنية المنحازة للتحرر والتحضر والانفتاح على العالم، وبقدر ما تتسم البيئة الجديدة من بساطة ودفء وعفوية، بقدر ما تختزن فيها عادات وتقاليد وأعراف دينية واجتماعية ثقيلة تقمع بقوة وعنف عواطف ومشاعر الإنسان، وما من سبيل للخلاص من سلطتها: “مدينة هادئة ومتقشفة ومحافظة وتشبه شخصيتها. مضت إليها، أول ما مضت، بكثير من التهيّب، وكأنها تنهض من مهد ميلادها وتسير إلى نعشها. كل ما عاشته قبل الديوانية قشرة بصل، وكل ما ستعيشه فيها سيمدُّ جذوراً ويرسخ وينمو ويتفرع ويخضوضر ويبرعم ويطرح الثمار”.

“ورديّة”، التي فضلت البقاء وحيدة في العراق، بعد مغادرة ابنها المهندس برّاق إلى إحدى مدن البحر الكاريبي بسبب عمله، وابنتها هندة إلى كندا، وابنتها الصغرى ياسمين إلى دبي، مُرغمة تترك بلدها العراق، بعد أن تخطت أعتاب العقد الثامن من عمرها، لتحطَّ بها رحلة اللجوء بكل مشقاتها في مدينة باريس، مُقيمة ولفترة مؤقتة -قبل أن يتم نقلها إلى سكن خاص بها- في شقة ابنة شقيقها التي تعيش مع زوجها وابنها الشاب اسكندر.


مقبرة إلكترونية


“إسكندر”، يدرس في المرحلة الثانوية ولا يعرف شيئا عن وطن آبائه وأجداده، يبتكر مقبرة إلكترونية في حاسوبه الشخصي، يُلملم فيها عظام العراقيين: “من مقابر الخليج والشام وديترويت ونيوزيلندا وضواحي لندن وينفخ فيها من موهبته لتستريح في أرض محايدة. يجمع شمل الرجال والنساء الذين وضعوا الرؤوس على مخدة واحدة لعقود من الزمان ثم تفرقوا وهم أموات في الترب الغريبة، طواهم طير اليبابيد الذي حلّق فوق العراق ورماهم في بلاد الله الواسعة”. يكبر إسكندر بأسرع مما تتوقع والدته وهو يصغي إلى أحاديث “ورديّ” عمّة والدته، بعدما يجمعُ عظام الموتى الذين فرقتهم الحروب والمنافي والعنف الطائفي، يرسم لهم أضرحة، وينحت لها الشواهد، ويزرع حولها أزهاراً تختارها كل عائلة لميّتها. كما يرفق معها صور الموتى مع موسيقى وأغنياتٍ كان الموتى يحبونها.

شخصيات مختلفة تنبض بالحياة

تبدو فكرة المقبرة الإلكترونية إشارةً تحملُ في مدلولها معنىً تشاؤميا، وكأنّ المؤلفة أرادت من خلالها أن توصل فكرة مفادها: استحالة العودة إلى الوطن في الواقع، حتى لو كان العائد جثةً، إلاّ إذا كانت العودة افتراضية في مقبرةٍ افتراضية. في نفس الوقت هي تحمل إشارة أخرى مضادة في المدلول توحي بتفاؤلٍ يتم تمريره برشاقة ونعومة، شيئا فشيئا.


احتفاء بالمرأة


خطاب الرواية يفصح عن نبرة احتفاء واضحة بنماذج متنوعة للمرأة العراقية، بمستويات طبقية وبيئية متباعدة تتوزع ما بين شخصية الطبيبة “ورديّة إسكندر” وشخصية المرأة الأميّة المعطاء “بستانة” القادمة من جنوب العراق والتي تتولى إرضاع بنات الطبيبة ورديّة والاهتمام بهن وكأنهن بناتها، كذلك شخصية “شذرة العلوية” التي لها حظوة وسطوة في مجتمعها القبلي بما تملكه من قدرة على كشف المخبوء، هذا إضافة إلى نماذج أخرى ثانوية تمرُّ مروراً عابراً بعد أن تترك تفردها الإنساني في بيئة قاسية، كما هي شخصية تلك الفتاة العذراء التي لم تبلغ العشرين من عمرها وهي حامل في شهرها الثامن بشكل غير شرعي من حبيبها، وهنا عبر هذه الشخصية نجد المؤلفة قد نجحت في أن تقدم لنا نموذجاً جسوراً لفتاة في أوضح صورة للتمرد على التقاليد والأعراف عندما ترفضُ أنْ تَقمَعَ شبابها وأنْ تَعتَرِفَ بخطيئتها، وهنالك أيضا شخصية الفتاة المذعورة التي ترتدي حزاما مفخخاً وتدخل به عيادة الطبيبة وردية وهي ترتعش، فتقبضُ على ذراعي الطبيبة بأصابع متخشِّبة متشبثة بحلاوة الروح، متمردة على موت مُبرمج، وهي توشكُ أن تتهاوى على الأرض وترددُ مستنجدة بها: “ما أريد أموت.. ما أريد أموّتكم وأموت”.


الابتعاد عن الأنماط


الرواية قدمت لنا شخصيات مختلفة تنبض بالحياة من غير الشخصيات الرئيسة، ابتعدت كجه جي في بنائها عن الصورة النمطية، فجاءت مبنيّة بشكل مؤثر، متجاوزة في تقديمها وصف الوضعية الخارجية، بل انساقت في رسم ملامحها الداخلية، كما هو الحال في شخصية “بستانة” المربية القروية التي تتولى مسؤولية الاهتمام بأبناء الطبيبة “وردية” كذلك شخصية الطفل الفلسطيني “غسان” ذي الأصول الأفريقية، وشخصية “فرنجية” اللبناني رئيس صحة الديوانية، وشخصية “أبو يعقوب اليهودي” صاحب معمل الطابوق في الديوانية.

ولعل الشخصية الأبرز من بين النماذج النسائية التي حفلت بها الرواية الطبيبة “هندة” ابنة الطبيبة ورديّة إسكندر، من خلالها كشفت المؤلفة جوانب عميقة في تركيبة المرأة العراقية وهي تتابع رحلة كفاحها لإثبات كيانها الإنساني وتفوقها المهني في قرية نائية تابعةٍ لمدينة مانيتوبا الكندية وسط محميّات السكان الأصليين من الهنود الحمر، الذين جاء حضورهم في الرواية ليشكل معادلا رمزيا لسكان العراق الأصليين من المسيحيين بعد أن تعرضوا لعمليات قتل وتهجير منظم.

الرواية حاولت من خلالها كجه جي أن تَكتشِفَ وتكشِفَ طبقات عميقة لانطباعاتها الذاتية إزاء لحظاتٍ مهمةٍ من تاريخ العراق المعاصر، تبدأ منذ مطلع ثلاثينات القرن العشرين وحتى العام 2013. بما حفلت به من تقلبات سياسية وتحولات اجتماعية.

15