"طشاري" رواية المنفى واجترار الذكريات

الأحد 2014/04/20
إنعام كجه جي: رواية المنفى بلغة سلسلة وحوارات قصيرة

بعد روايتين سابقتين «سواقي القلوب» 2005 و«الحفيدة الأمريكية» 2008، تأتي هذه الرواية «طشّاري» 2013 ضمن القائمة القصيرة للبوكر 2014، للكاتبة العراقية إنعام كججي المقيمة في المهجر وتحديدا بباريس لتكتمل ثلاثيتها عن الشَّتات العراقي وهزائم نسائه ـ هذه المرة ـ وتشظيهم في المنافي، دون أن يفارقهم الوطن الأوّل، فتخايلهم العودة إليه حتى ولو في صورة جثامين «لأنَّهم لا يريدون أن يدفنوا في غير بلدانهم». يستعيدونه بالحكايات، وما تضمنته من مواقف إنسانية عكست أن ثمة وطنًا كان غير ما هو الآن، قائمًا على روح التسامح والحبِّ بين أفراده، غُيّبت فيه المذهبيّة فتشارك الدكتورة ورديّة الطبيبة المسيحيّة المنتقلة من الموصل إلى الديوانيّة، في القرّايات على الحسين في عاشوراء وفي بغداد ظلّت تتردّد على الموالد التي تقيمها أمّ محمد جارتها في شارع 52، كما أن ابنها برّاق صار في موكب عاشوراء عندما كان طفلاً في الديوانية وحمل سلسالاً أيضًا، وهو نفسه الذي كانت تقرأ عليه العلوية آيات القرآن الكريم، حدث هذا لأنهم «كانوا جميعًا أخوة وأحبابًا، وأبناء وطن واحد» (ص170)، ثمّ حدثت التحوّلات فسيطرت عليه الطائفية والتناحر، بعد أن اختطف من قبل المرتمين في أحضان المحتل ممن «لا يشبهون العراقيين، نهابون وقطّاعو رؤوس وعملاء … طائفيون يسألونك عن مذهبك قبل السَّلام عليكم» (ص، 68)، أدق وصف لهم أنَّهم كما ذكرت السّاردة «خطفوا الوطن وتركونا نُعلِّق مفاتيح بيوت أهالينا على جدران هجرتنا نحلم بجسر العودة» (ص 68).


رواية المنفى


لا تختلف هذه الرواية عن روايات المنفى في كونها مرثية لوطن تشظىّ أبناؤه داخليًا وخارجيًا، وأيضًا في استدعاء الأماكن الأولى والحنين إلى التآلف الذي كان عليه أبناء الوطن، وقبلها ألم الشَّتات والضياع في المنافي التي منحتهم المأوى ولم تمنحهم الاستقرار والسكينة، فظل الوطن هو الحُلم حتى ولو كان عبر الموت فيه. الشيء الوحيد الفارق هو أن المروية تأتي من منظور المرأة التي فقدت الزوج وتسّرب الأبناء إلى المنافي المختلفة، ولم يبقَ منهم إلا مجرد ذكرى، فرّقتهم الحرب، وصاروا غرباء في الحياة وكذلك في الموت، ومن ثم تأتي استعادتهم عبر الفضاء الإلكتروني كما فعل إسكندر في مقبرته الإلكترونية التي صارت أكثر تعبيرًا عن عراق اليوم الذي هو أشبه بالمقبرة، الفرق أن في هذه المقبرة يجتمع الأحباء معًا، أما في الواقع فالشتات هو قرينهم.

تبدو الرِّواية في صورتها البَسيطة رواية حدث وهذا الحدث موزّع على شخصيّات عِدّة، ليست عراقيّة وإن كانت هي الغالبة فهناك شخصية الدكتور شكري فرنجيّة اللبناني وزوجته المعلمة، وكذلك شخصية أم كُلثوم التونسية في باريس، وغسَّان الفلسطيني والتغيُّرات التي لحقته وهو يلاحظ فتح والانتفاضة ورغبته في أن يذهب للاشتراك في المقاومة حتى أنه هَجر السينما وأفلام الكاوبوي التي يعشقها، ثم ما إن سمع باعتقال فاطمة برناوي المُنَاضلة الأفريقيّة هاجَ وماجَ وسافرَ إلى بغداد ليلتحقَ بمعسكرات الفدائيين.

الحدث المهيمن هو الشتات في المنفي وأثره على الشخصيات، وحضور الشتات باد من العنوان الذي تفسِّره العمّة لإسكندر ابن ابنة أخيها بأنه «تفرقوا أيدي سبأ» أو «تطشّروا مثل طلقة البندقية التي تتوزَّع في الاتجاهات» (90). وهو العنوان الذي يكون الرديف الحقيقي لوطن اسمه العراق أنهك أبناءه فصاروا مثل طشّاري البندقيّة في جميع البلدان، مطاردين بهاجس الهُوية والباسبورتات والهجرات الدائمة إلى بلاد لا يعرفون لغاتها، تعاملهم بقسوة على نحو ما رأت هندة في تورنتو بكندا أو ياسمين في دبي تلك المدينة الزجاجية، أو حتى الأم الطبيبة وردية وهي في باريس كلاجئة تنتظر تأشيرة الهجرة إلى كندا، وإقامتها في شقة بائسة لا تتناسب مع استقبال ساركوزي للاجئين في قصر الإليزيه فكما تقول الساردة في نهاية الرواية «ذهب ساركوزي وجاء غيره، مثلما ذهب البابا وجاء غيره. لم تتبدل شروط الضيافة المتبعة مع كل اللاجئين. سكن رخيص وتأمين صحيّ ومنحة تغطي معيشة متقشفة» (251).

ينفتح النص على صوت الساردة الغائبة عن العمة وردية وهي في قصر الإليزيه بعد أن قررت الهجرة بعد وصول الأحزمة المفخخة إلى عيادتها في الديوانية


الساردة الغائبة

ينفتح النّص على صوت السَّاردة الغائبة عن العمّة ورديّة وهي في قصر الإليزيه بعد أن قرّرت الهجرة بعد وصول الأحزمة المفخَّخة إلى عيادتها في الديوانيَّة، وتكرّر عوامل الاحتقان بوصول رسائل التهديد من الجماعات لابنتها ياسمين وهو ما عجّل بزواجها بسرعة وشحنها كأنها طرد بريد لزوجها في دبي. مازجًا التاريخ الشخصي للعمة وردية الطبيبة التي عملت في الديوانيّة كطبيبة توليد في جو يتسم بالتسامح والمحبة، وزواجها من جرجس المُنَاضِل الناصري، العائد من حربه في فلسطين، وولادتها لأولادها الثلاثة، بتاريخ العراق العام والتحولات الأيديولوجية والمذهبية التي انتشرت في صورة البعثيين والشيوعيين ثم امتدت لتشمل الإثنية العراقية، وهو ما استدعى تاريخًا مِن التهميش للأقليات العراقية، والذي تبلور في صورة ذات دلالة عندما ألغى البابا زيارته لمدينة أُور مسقط النبي إبراهيم، وهو ما استدعى حادثة عدم مرور المسيح بها أيضا، وكذلك ماعاناه اليهود من إجبار على التهجير وصولاً إلى إسقاط الجنسية عنهم، ثم ما شهده العراق مِن تغيّرات لحقت بالهوية العراقية في فترات من حكم النظام العراقي السّابق ثم في مرحلة الاحتلال وما بعدها، وهو ما انعكس على علاقات النسيج الواحد الذي كان يعيشه العراق من قبل، فصار الفراق والقتل والإخراج من الملة وهو ما بدأ أيضًا في صورة التجريف التي عملتها السلطة في حق مدينة إبراهيم متتبعة تاريخها منذ أن عرفت بأُور الكلدانيين المدينة المقدسة لنانا آلهة القمر 36 حتى تغيير اسمها إلى ذي قار.

عندما يتحول الوطن إلى صندوق ذكريات


مقاومة التغريب


ثمة مبدأ تقرّه النظرية السُّوسيولوجيَّة في الأدب بأن المضمون الجيد يحتويه شكل جيد، وهذا الفهم للعلاقة بين الشَّكل والمضمون مُتحقِّق بشكل كبير في هذه الرواية، حيث ثمَّة اتساقٌ بين القول وكيفية القول، فالنص الذي تيمته الأساسيّة التّشظي والشتات، يتكوَّن من 41 وحدة سردية قصيرة، تميل في كثير منها إلى الاسترجاع حيث أحداث من الذاكرة تبعد عن بداية الحدث ومكانه، وموزّعة بنظام التقطيع السينمائي المشهدي / المونتاج، ومن ثمّ بدا النّص كلوحة الفسيفساء وبتجميع أجزائه تكتمل اللوحة، فتحضر عراق الخمسينات والستينات وعراق الحروب المُتعاقِبة وعراق الاحتلال. وفي ذات الوقت منوِّعًا بين فضاءات داخليّة (الموصل / الديوانيَّة / بغداد) وخارجيّة (عمّان / دبي / باريس / تورنتو / ومانيتوبا)، معتمدًا على تقنيات أسلوبيّة هي مزيج بين السَّرد الحرّ غير المباشر والمونولوجات والتداعيات، والرسائل التي تأتي مِن هندة إلى أمها تطالعها بأحوالها في مدينة مانيتوبا.

كما أن الحوارات تتميز بالقصر الشّديد، وإن كانت لغتها مطعمّة، حيث جاءت مزيجًا من اللغة الفصيحة السلسلة المعبرة دون إسهاب أو وصف، واللهجة المحليّة العراقيّة كنوعٍ من مقاومة التغريب الذي تفرضه المنافي، وهو ما تكرّر باعتماد السّرد على الذاكّرة كعنصر مهم في بناء النص، كما فعلت العمة وابنة الأخ بالتجوُّل في صندوق الذاكرة كبديل عن واقع مفتقد، ثم بالمقبرة الإلكترونيّة التي فعلها إسكندر وكانت هي الأخرى وسيلة مقاومة لحالة المحو والتشتت، وقد وجد جيله في المقبرة حلاً سحريًا «لمواجهة الشّتات» في حين رآها جيل الآباء «مخالفة للإيمان»، ومع هذا فكانت نقطة الوصل بين جيل إسكندر والجيل القديم في العراق، عرفهم ووصلتهم به. الغريب أن المقبرة الافتراضية نجحت في تجميع الأحبَّة الذين فرَّقهم الوطن كنموذج السيدة سُهيلة يونان التي كانت أوّل من اتصلت به تريد قبرًا لابنها رعد بجوار قبر أبيه الذي استشهد في حرب الكويت.

سرد الشتات


كما مَالَ السَّرد كنوعٍ من مقاومة أوجاع المنفى إلى سرد التفاصيل، فيتوقف عند حكايات إنسانيّة عن الدكتورة ورديّة في بداية عملها، وهو ما كرّرته ابنتها هنده في كندا. وقد كشف عن رحابة تقبُّل الآخر غير المسلم في ذات الوقت في مقابل حالات الافتقاد التي يعاني منها المهاجرون أو المنفيون عندما يلتقون بذويهم في المحطات، أو حالات القهر المعنوي التي تعرَّضوا لها بسبب الباسبورتات وهم يقفون في الطوابير منتظرين مِنَّةَ البلد التي تطلبهم وهو ما شكّل فوبيا للجميع بإلاضافة إلى عرض تنامي التيارات السّياسيّة إلى ما وصلت إليه مِن إقصاء الطرف المقابل. لا تقصرُ السَّاردة الشَّتات على أسرتها وأسرة عمتها وردية وتوزعهم في أصفاع الأرض، بل توزِّع المأساة على كثيرين كالتونسية أم كلثوم صديقة ابنها إسكندر وعندما مات زوجها باعت كل أشيائها ثمّ أصرَّت على دفنه في تونس، وكأنها تهرب من قسوة المَنافِي، لتجعل مِن الشَّتات قضية عامة لا تحتكرها على وطنها العراق وإن كان العراقيون عانوا منها على وجه الخصوص.

12