طعنة في قلب المصالحة السياسية

الاثنين 2013/10/07

الأصوات التي ارتفعت خلال الأسابيع الماضية مطالبة بمصالحة وطنية مع جماعة الإخوان المسلمين، أصيبت بصدمة بسبب الطعنات التي تعرض لها خالد داوود المتحدث باسم حزب الدستور، على أيدي أفراد ينتمون للإخوان، أثناء مظاهرة لهم جابت بعض شوارع القاهرة يوم الجمعة 4 أكتوبر- تشرين الأول الجاري.

فالاعتداء الذي تعرض له هذا الناشط، المعروف بتعاطفه مع الإخوان ومن الداعين للمصالحة السياسية، جعل داوود نفسه وهو طريح الفراش في مستشفى القصر العيني ينكر دعوته السابقة، ويدين المظاهرات المتقطعة لأنصار الإخوان. الأمر الذي اتخذه الرافضون للمصالحة والمظاهرات ذريعة للتدليل على الطبيعة العنيفة التي يتسم بها أعضاء الجماعة، للدرجة التي جعلتهم يحاولون التخلص من أحد المدافعين عن حقهم في المشاركة في مصالحة وطنية شاملة.

داوود الذي عرف بقربه من محمد البرادعي النائب السابق لرئيس الجمهورية، واستنكر الاتهامات التي تعرض لها الرجل بسبب استقالته من منصبه مؤخرا، تحولت إصابته بسرعة إلى مجال للتحليل السياسي. وجاءت التغريدة التي كتبها البرادعي على حسابه على «تويتر» دعما له ولمواقفه، لتضفي المزيد من الجدل والسخونة.

حيث اعتبر صاحبها أن الاعتداء يعكس حجم المأساة التي تعيشها مصر، فساوى بين الجاني (الإخوان) وبين المجني عليه بالمفهوم الشامل (السلطات الرسمية والمواطنون)، وبخل البرادعي على المعجبين به ولا زالوا يكنون له حبا سياسيا، بكلمات واضحة تدين من قاموا بالاعتداء، وهم أنصار الإخوان. وقد تسببت هذه السقطة المقصودة في تجديد الاتهامات التي وجهت له من قبل، خاصة في الجزء المتعلق بعلاقته بالإخوان، وأن استقالته وسط أزمة اعتصام ميداني رابعة العدوية والنهضة في أغسطس- آب الماضي قدمت لصالح الجماعة.

الواقع أن حديث المصالحة السياسية أخذ خلال الأيام الماضية حجما كبيرا، بعد تسرب معلومات أشارت إلى دخول بعض أجهزة الدولة الرسمية في سلسلة من الحوارات، المباشرة وغير المباشرة، مع قيادات إخوانية في السجن وخارجه.

وراجت هذه البورصة مع وصول كاثرين آشتون مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي للقاهرة الأسبوع المنصرم، وتعدد لقاءاتها مع جهات مصرية رسمية، وأخرى من قوى مختلفة، بينها قيادات تنتمي للإخوان. ورغم نفي السيدة آشتون حضورها من أجل المصالحة، إلا أن الكثير من الدوائر ظلت تعتقد أن هناك طبخة يتم تسويتها بمعرفتها، وبالتنسيق مع الطرفين الأساسيين في الصفقة المزعومة.

واستند أصحاب هذا الاتجاه للانسداد الذي تعاني منه البلاد، والمشكلات التي تسببها مظاهرات الإخوان في الشوارع والميادين التي تقترب منها، ناهيك عن ميل قطاع داخل الدولة لهذا الخيار، أملا في أن تنهي المصالحة نزيف النقاط الذي تخسره الحكومة الحالية، على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما عرّض ثورة 30 يونيو لخسائر، هناك من يرى أنها قد تعرضها للخطر، لانخراط الأجهزة الأمنية، الجيش والشرطة، في مواجهات ضارية مع الجماعات الإرهابية في سيناء، وتجفيف منابعها داخل بعض مدن الدلتا والصعيد.

الحاصل أن المدافعين عن ضرورة المصالحة في الدولة قلة، وتخرج أصواتهم على استحياء أو بطرق التفافية، كما أن المؤيدين لها من القوى الحزبية والشبابية فشلوا في تسويقها وسط المصريين. وأصبحت تتعرض لجملة من المطبات تجعلها بعيدة المنال في الوقت الراهن.

فالمزاج الشعبي العام يرفض الحديث عنها، ويرى أن أعمال العنف والمجازر التي ارتكبتها الجماعة من الصعوبة نسيانها أو تجاهلها، لاسيما أنها لم تتقدم باعتذار رسمي للمواطنين، أو تعترف بالخطأ في حقهم، أو تراجع سياساتها التي أدت بها إلى هذا النفق.

وبدا أن الاتجاه المتشدد داخلها أكثر سيطرة مما يتردد حول وجود معتدلين يريدون المصالحة. وتضاعفت مفردات الأزمة بعد ارتفاع حصيلة الضحايا من المواطنين ورجال الجيش والشرطة في سيناء وغيرها، وتأكد الناس من عمق التحالف بين المتطرفين (الإرهابيون وجماعة الإخوان المسلمين)، وخطورته على الأمن القومي للبلاد.

علاوة على أن من أمسكوا بزمام الحوار منهم، لا يمتلكون حولا ولا قوة، جراء وجود غالبية قياداتهم داخل السجون، بسبب اتهامهم بارتكاب أعمال إجرامية أو التحريض عليها، ما يجعل التفويض المخوّل لمن تحاوروا منقوصا.

طبعا الهدف واضح هنا، وهو محاولة الضغط على السلطات الرسمية للإفراج عن القيادات، أو قبول الدخول معهم في حوارات مباشرة، حتى لو كانت خلف الأسوار، بما يمثل اعترافا بأن الإخوان طرف أصيل في المعادلة السياسية يصعب تجاهله، ومؤشرا على حجم المأزق الذي تواجهه السلطات الحاكمة الآن.

والوصول إلى هذه النقطة يمنح التنظيم الدولي للإخوان والدول الداعمة له، مثل تركيا وقطر وباكستان، ورقة مهمة للاستمرار في المساندة، يمكن توظيفها للحصول على مكاسب سياسية نوعية. ويقود هذا الطريق إلى وقف الانسياق وراء دعوات المصالحة، لأنها بهذا المعنى سوف تكون مكلفة للحكومة الحالية.

وإذا كانت المعطيات السابقة كفيلة بردع أي محاولة للضغط من أجل التسوية السياسية، فإن غياب قواعدها الرئيسية كفيل بنسف النوايا الإيجابية الساعية إليها. وأضحى الحديث يدور في حلقة مفرغة، يوحى بعملية سياسية حية للمصالحة، ويعطي في الوقت نفسه انطباعات بعدم وجودها أصلا.

الضجيج الذي نسمعه عن المصالحة الوطنية دون أن نشاهد لها طحينا، يمكن تفسيره وتبريره وفهم دوافعه السياسية في إطار ثلاثة عوامل أساسية.

الأول، رسالة تريد السلطات الرسمية توصيلها لبعض القوى الثورية المتعاطفة مع الإخوان والرافضة لما يوصف بـ»الانقلاب العسكري»، مفادها أن الدولة لم تغلق باب المصالحة، وحريصة على بقاء الخطوط مفتوحة مع الإخوان، وحال توافر الأجواء المناسبة سوف ينطلق القطار على القطبان.

والثاني، إشارة للخارج، الذي يسعى دائما إلى الدفع بالإخوان داخل الحلبة السياسية، ويضغط لاعتبارهم جزءا فاعلا فيها، دون قيد أو شرط، وبلغت الدول الراعية لذلك حد الربط بين انخراطهم ومساندة خريطة الطريق. من هنا أرادت الدولة الإيحاء بأن ليس لديها ممانعات ضد المصالحة، وحاولت الاستفادة من أخطاء الإخوان والعنف الذي يظهر في غالبية تصرفاتهم لتأكيد أن عدم نضجها يرجع إلى سوء أداء الجماعة، بكلام آخر وضع الكرة في ملعب الإخوان على الدوام.

والعامل الثالث، يتعلق بالمظاهرات التي تؤثر سلبا على مناحي الحياة اليومية. ويبدو أن الهدف من المصالحة عند المقتنعين بها في الدولة غرضه إخماد هذه المظاهرات، في حين ثمة من يعتقد أنها يمكن أن تجلب نتائج عكسية، وتعطي عناصر الإخوان قوة لمزيد من الضغوط على مستويات متعددة، وتجعل عقبات المصالحة أكثر من عوامل تحريكها للأمام.

_______


* كاتب مصري

9