طفح الكيل باطلا

الجمعة 2014/08/15

لم يشهد التاريخ الإسلامي هذا الكم المخيف والهائل من فورة السلفيات والخطاب الديني الإقصائي، فهذيان العودة إلى الأصل واستفحال المذهبية والقبلية والعشائرية الذي نعاصره في الأزمنة الحالية، بات يشكل حالة مرعبة، وكأن كل جماعة كانت تنتظر فرصة الجنون الطائفي لتعتلي عرش السيطرة على ولاية أو إمارة.

إنه منزلق حضاري يمر به المسلمون، تفشى بشكل ملحوظ إثر التحولات الجارية وانعكاساتها على الدول العربية والجماعات الدينية والإثنية، خصوصا في البلدان الأكثر تنوعا (سوريا والعراق ولبنان) والتي باتت أكثر مأساوية في صراعها المذهبي الديني، فهي منذ مئات السنين تعيش كتجمعات بشرية محاصرة في جغرافية محددة بعيدا عن مشروع المواطنة، لتسقط في العصر الراهن تحت سطوة التيارات الأصولية السلفية القادرة على التجييش بحركة سياسية وقدرة تنظيمية عالية، استطاعت أن تستقطب الشباب من كل الدول، وتهزم جيوش دول، وتستبيح الشعوب، وتسبي النساء. هذه الجماعات الجهادية كداعش وغيرها من آلات الموت الجهنمية، وما تقوم به من عمليات التطهير العرقي وفنون القتل والإبادات الجماعية، إلى فتح أسواق النخاسة لبيع النساء والأطفال، لا يمكن لجم ممارساتها الخارجة والبعيدة عن حقوق الإنسان المنصوص عليها في الأديان وفي الوثائق الدولية.

الإشكالية هنا ليست إشكالية دين وكتب سماوية، إنما ما أنتجه المسلمون من تيارات جهادية تكفر المجتمعات وتسعى إلى إقامة الخلافة الإسلامية باعتبارها مطلبا إسلاميا ضروريا، والخلافة عندها لا تقوم إلا بتطبيق الشريعة، على شاكلة ما كان يطبق قبل 1400 سنة تقريبا بكامل تفاصيل بداوته؛ من التهجير والقتل، إلى السبي ودعوات جهاد النكاح لاستعمال أجساد النساء منشطات جهادية. فآلات الموت المتحركة على هدى مشرّعيها تحت غطاء الدين أسقطت الدين بأكثر من حساب، وضربت بالكثير من آياته عرض الحائط، وكأن مرجعيتهم قرآن غير القرآن الذي نزلت فيه سور مثل (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) أو( وقل الحق من ربك فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) أو (لكم دينكم ولي ديني) هذه الآيات التي حاول الإسلاميون تأكيدها في بلدان التنوع، ليبينوا مدى احترام الدين الإسلامي لبقية الأديان وإيمانه بحرية الاعتقاد.

أمام هذا النشاط الغوغائي لتيارات تتخذ الدين غطاء. لابد من القول إن أراد الإسلاميون استعادة دورهم الحضاري عليهم القيام بالإصلاح الديني، والسعي إلى تكريس إسلام مدني متصالح مع الآخر ومع الحداثة، قادر على تجاوز التسلطية الدينية واستبعاد الآخر مذهبا أو طائفة، والتركيز على الأفكار التنويرية وعدم اقتصارها على النخب المسلمة التي دأبت في تقديم إضاءات على مقاصد النص القرآني، ومساحات التسامح والتعددية في الدين والإيمان كما نادى بها القرآن، والرجوع إلى الآيات التي تثبت النقاط التشاركية مع الآخر وتشرع الاختلاف بين البشر وهو ما أراده الله لهم، وتقر أن لكل دين حقا في الوجود والتمايز بعد ظهور كل الرسالات السماوية، والعقاب والثواب ليس في هذه الدنيا ولا على أيدي البشر (ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون).

هذا المدى الكارثي وسقوط كل المفاهيم يمثل هزيمة للإنسان على يد قرارات عبثية لأشخاص يقودون مهرجانات القتل والتهجير والسبي، وتطمر ما يمثله الدين من روح وإيمان ومعاملة وخضوع الضمير إلى الله في عمل الخير، وتطمر كل المفاهيم الإنسانية تحت ركام العصور ليطفح الكيل باطلا.


كاتبة ورسامة سورية

9