طفرة "الهجي" الوصفة الدنماركية للحياة السعيدة

الاثنين 2017/05/22
فن الاستمتاع بالأشياء البسيطة

كوبنهاغن - ولدت ظاهرة “الهجي” في الدنمارك، ولكن سرعان ما تحوّلت إلى أحدث صيحة في العالم لحياة الرفاهية السعيدة. وأخذت تغزو العالم بوصفتها للاستمتاع بملذات الحياة البسيطة، وأصبحت مثل حمى اجتاحت بلدانا متقدمة مثل إنكلترا والولايات المتحدة.

تشمل هذه الوصفة إقامة مساحات تتسم بالرحابة، ومشاركة الوقت مع الأهل والأحباب، وتزداد جاذبية هذه التوليفة خاصة مع الأيام الباردة، إلا أن الأمر لا يخلو من عيوب. اكتسب البلد الإسكندنافي سمعة بأنه من أكثر مناطق العالم سعادة على الإطلاق، ويؤكد خبير الهجي أو (hygge) جيب ترول لينت أن “لهذا تمكنت الدنمارك من الترويج لصرعة الهجي، بوصفها أحد مقومات السعادة الإسكندنافية”.

“هجي: السعادة في الأشياء البسيطة (تيمون ماس)، “هجي: وصفة السعادة” (جريالبو)، أو “هجي: فن الاستمتاع بالأشياء البسيطة” (بلانيتا)، هذا البعض من عناوين الأعمال التي يمكن العثور عليها في الوقت الراهن في دور النشر والمكتبات الإسبانية.

ولكن، في حقيقة الأمر “علام تنطوي حقا الصرعة الدنماركية الجديدة؟”. هجي تعني شيئا مختلفا لدى كل شخص: يمكن أن تكون فسحة بالدراجة في أحد أيام الربيع، أو بمنتهى البساطة الاستمتاع بفنجان قهوة عادي جدا، أو أبسط من ذلك: رشفة ماء بارد في يوم حر قائظ، أو قضاء نهار شتوي بارد ممدا على الأريكة دون رغبة حقيقية في عمل شيء على الإطلاق، باسطا غطاء صوفيّا على الركبتين وممسكا بكتاب ممتع بين يديك. فيما يعرّف مواطن دنماركي الهجي على أنه أيّ لحظة يصل فيها المرء إلى أقصى درجات الاسترخاء، ولكن في الوقت نفسه يمكن أن يكون مشاهدة فيلم رعب أو حضور حفل لموسيقى الروك.

هجي تعني شيئا مختلفا لدى كل شخص: يمكن أن تكون تمشية بالدراجة في أحد أيام الربيع، أو الاستمتاع بفنجان قهوة

يذكر أنه في نهاية العام المنصرم، دخلت ظاهرة الهجي ضمن منظومة القيم الدنماركية أو الـ”Danmarkskanon”، والتي تحدّد طبيعة الهوية الثقافية للبلد الإسكندنافي، وبحسب وصف المنظومة يعتبر الهجي “تعبيرا عن بهجات الحياة البسيطة”.

ومنذ عقود تقدّم دولة الرفاه الدنماركية لمواطنيها العديد من الفرص لعيشوا الهجي: هناك جهد مبذول يسعى في المقام الأول إلى جعل الفرد يعتني بنفسه وبالآخرين، ومن ثم يكتسب الزوجان، والأبناء والحياة الاجتماعية أهمية كبرى ولهذا يحرص أصحاب الأعمال على أخذها بعين الاعتبار تماما.

“يكمن السر في الأمور التي لا يمكن التنازل عنها في الحياة وليس فقط مجال العمل أو المكانة الاجتماعية المرموقة”، بحسب ما يؤكد جيب ترول لينت، موضحا “كان هذا دائما رمزا لدولة الرفاه الدنماركية، وبات يمثل جزءا لا يتجزأ من مفهوم الهجي”.

يشير الخبير إلى أن الدنماركيين يحتلون مكانة متقدمة في مؤشرات وإحصائيات السعادة، ويرجع هذا إلى أن الكثير منهم يشعرون بالرضا بما لديهم. الاحتياجات الأساسية تمت تلبيتها، وبات يسود بين المواطنين شعور بالثقة في منظومة الحكم وفاعلية العدالة الاجتماعية.

كما يضيف أنه “من ناحية أخرى، قد يؤدي الإغراق في الهجي إلى انغلاق الفرد على ذاته وينفصل عن العالم، الذي يصبح بالنسبة إليه بالغ التعقيد، ومصدرا للتهديد. قد يؤدي الهجي إلى حالة من الهروب من الواقع: يصبح العالم باردا وشريرا، بينما نحن نجلس في بيوتنا نستمتع بالحماية ونتناول فنجانا من الشيكولاتة الساخنة لنشعر بالمزيد من السعادة”.

في داخل تفاصيل الهجي العميقة، يتحوّل كل ما هو غريب إلى شكل من أشكال التهديد. وفي بلد صغير مثل الدنمارك، يصبح هذا عائقا أمام إمكانية التنوع والتسامح، بحسب تصور الباحث الدنماركي. “مشكلة الهجي أنه يمكن أن يتحوّل إلى أداة إقصاء، بسبب الخوف من اندلاع الصراعات ليحوّل البشر إلى بورجوازيين صغار”.

ومع ذلك، وبالرغم من هذه الإشكاليات، لا يزال من الممكن استيعاب تزايد الإقبال على تبني أفكار ظاهرة الهجي. من منّا لا يرغب في الاستمتاع بالشعور بالأمان، والتلذذ بمذاق قالب حلوى خرج للتو من الفرن، أو قضاء المزيد من الوقت الجيد مع الأصدقاء؟

21