طفرة الواقع المعزز تغير فلسفة التسوق الإلكتروني

مختصون يؤكدون أن إعلانات الواقع المعزز تعتبر تجربة غامرة تساعد جهات التسويق والمتاجر على إنشاء اتصال عاطفي مع المستخدمين.
الأحد 2019/04/07
عالم افتراضي مليء بالمفاجآت

تونس – تتبادر إلى أذهان الكثيرين منا تساؤلات تتعلق بالطفرة التي باتت تقود التسوق عبر الإنترنت، ومن بينها ما الذي يجعل متجرا إلكترونيا مثل أمازون ناجحا، وما هي الوصفة السحرية التي يتبعها المشرفون عليه لزيادة مبيعاته.

لعل ما يثير الاهتمام فعلا، حاليا، هو لجوء معظم متاجر التجزئة الإلكترونية إلى تقنيات كانت إلى وقت قريب مجرد وسيلة ترفيه كلعبة بوكيمون غو التي حققت نجاحا باهرا، حيث تغير الأمر تماما مع استخدام الواقع المعزز في عمليات البيع والشراء.

والواقع المعزز كتكنولوجيا لديها آفاق واسعة ورحبة يمكن الوصول إليها في عدة مجالات أخرى كذلك بدءا من التعليم مرورا بالرعاية الصحية وصولا إلى عمليات البناء والتشييد وهي في طريقها لمجال الإعلان التجاري، حيث من المتوقع أن تعمل على تغيير النمط الراهن للسوق.

ويؤكد بعض المختصين في التكنولوجيا أن إعلانات الواقع المعزز تعتبر تجربة غامرة وجذابة في آن، ما يعني أنها تساعد جهات التسويق على إنشاء اتصال عاطفي معين مع الزبائن.

وعلى عكس الصور أو إعلانات اللوحات الطويلة أو العرضية في المواقع الإلكترونية، فإن إعلانات الواقع المعزز تفاعلية ونابضة بالحياة ويمكن للمستهلكين رؤيتها والتفاعل معها بشكل سلس للغاية.

وفي ضوء ذلك، يمكن اعتبار أن مفهوم التجارة في ظل الثورة التقنية المتزايدة بدأ بشكل ملموس يتغير، فالتسوق الإلكتروني ينمو بوتيرة متسارعة على غير المعتاد.

وتقرّ ترجيحات المحللين بأن يستمر هذا النمو حتى العام 2021 إلى أن يبلغ أكثر من 4.5 تريليونات دولار، وهذا دليل على أن العالم مقبل على تغييرات مهمة بفضل ما تتيحه تكنولوجيا الواقع المعزز.

طفرة رهيبة

تتقدم تكنولوجيا الواقع المعزز كل يوم خطوة إلى الأمام كي تحتل اهتمام عمالقة التكنولوجيا حول العالم، والذين يسعون لتخصيص استثمارات ضخمة لإيجاد بيئة تنافسية عليها.

في السابق كان تجار التجزئة يلحون على المستهلكين بأن يجربوا بضائعهم حتى يحصل شعور بالاطمئنان بأنها ذات جودة عالية وأن الأموال التي سيدفعونها مقابلها لن تذهب هباء.

هنا كركي: تأثير الواقع المعزز في تجارة التجزئة يمكن أن يقود إلى تحول جذري مستقبلا
هنا كركي: تأثير الواقع المعزز في تجارة التجزئة يمكن أن يقود إلى تحول جذري مستقبلا

ولكن مع الواقع المعزز باتت تجربة المنتج واتخاذ قرار الشراء بيد المستهلكين، فالدخول في تجربة تغمر حواسهم يمكنهم من اتخاذ قرار الشراء بشكل سريع وسهل وآمن ودون تكلف عناء الذهاب إلى المتجر.

وفي منشور على مدونتها، ذكرت شركة أبحاث السوق غارتنر أن الواقع المعزز لديه القدرة على تغيير تجربة الزبائن عبر إضفاء الطابع الشخصي على العروض وتمكينهم من تصور المنتجات في إعدادات مختلفة.

وتقول هنا كركي المحللة في الشركة إن تجار التجزئة يتعرضون اليوم لضغوط متزايدة بهدف شرح الغرض من المخازن المادية، والسيطرة على عملية الإرجاع والعودة للتنفيذ.

وأشارت إلى أن المستهلكين يبحثون تدريجيا القيمة التي توفرها التجارب التي يتلقونها من تجار التجزئة وبالتالي يلجأ هؤلاء إلى الواقع المعزز لتزويد زبائنهم بتجربة موحدة للبيع بالتجزئة داخل متاجرالتجزئة وخارجها.

وتظهر التقدرات أن نحو نصف تجار التجزئة على مستوى العالم لديهم خطط لنشر الواقع المعزز والواقع الافتراضي بحلول العام المقبل لتلبية متطلبات تجربة خدمة الزبائن.

وتعتقد كركي أن تأثير الواقع المعزز في تجارة التجزئة يمكن أن يقود إلى تحول جذري إذ يمكن لبائعي التجزئة استخدام الواقع المعزز كملحق لتجربة العلامة التجارية لإشراك الزبائن في بيئات غامرة وزيادة الإيرادات.

ويتيح تطبيق بليس من شركة إيكيا، على سبيل المثال، للزبائن إمكانية وضع منتجات إيكيا فعليا في الفضاء المخصص لهم في صفحاتهم على فيسبوك أو إنستغرام أو تويتر.

وبالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام الواقع المعزز خارج المتجر بعد البيع لزيادة رضا الزبائن لضمان عودتهم مرة أخرى.

ويؤكد المختصون في سياسات التسوق الإلكتروني أنه من خلال واجهات الواقع الافتراضي الغامرة يمكن لبائعي التجزئة إنشاء كفاءات مهمة أو تقليل التكاليف المرتبطة بتصميم منتجات جديدة.

ولن يقتصر الأمر على ذلك الحد فقط، بل يمكنهم أيضا تعزيز فهم المعلومات من خلال تقنيات التصور والمحاكاة الرسومية المتقدمة.

وتشمل الأمثلة التجريبية وأمثلة التنفيذ تجربة شركة علي بابا الصينية الكاملة للتسوق بواسطة الواقع الافتراضي، وجولات الواقع الافتراضي من تيسكو وأشرطة الفيديو الافتراضية من شركة أديداس للترويج لمجموعة الملابس الخارجية.

وتعتقد غارتنر أن تقنية شبكات الجيل الخامس  تمثل فرصة لتسريع اعتماد الواقع المعزز والواقع الافتراضي في المتاجر.

وأوضحت دراسة استقصائية أجرتها الشركة أن تطبيقات الواقع المعزز والواقع الافتراضي لشبكات الجيل الخامس تجتذب أعلى التوقعات لتصبح دافعًا لعائدات جديدة، في جميع حالات الاستخدام والمستجيبين للدراسة.

ويتوقع سيلفان فابر، مدير الأبحاث في غارتنر أن تطبيق شبكات الجيل الخامس والواقع الافتراضي والواقع المعزز في المتاجر لن يحول فقط مشاركة الزبائن، ولكن أيضا دورة إدارة المنتج بالكامل للعلامات التجارية.

وقال “يمكن لشبكات الجيل الخامس تحسين موارد المستودعات وتعزيز تحليلات حركة مرور المتجر وتمكين إشارات التواصل مع الهواتف الذكية للمتسوقين”.

سباق العمالقة

تطبيق شبكات الجيل الخامس والواقع الافتراضي والواقع المعزز في المتاجر سيعزز التواصل التكنولوجي مع أي شيء
تطبيق شبكات الجيل الخامس والواقع الافتراضي والواقع المعزز في المتاجر سيعزز التواصل التكنولوجي مع أي شيء

لم يعد يقتصر السباق المحتدم للوصول إلى جيوب المستهلكين على جودة السلعة وسعرها فحسب، بل تجاوز ذلك بكثير ليصل الأمر إلى التفكير في كيفية مساعدة الزبون لأخذ القرار والقيام بدور المستشار في اختيار المنتج الذي يناسب ميوله.

وحاليا، تمنح معظم متاجر التجزئة الافتراضية الفرصة للمستهلكين أينما كانوا لمعايشة عملية الشراء وتجربة المنتج بشكل أقرب للواقع دون الحاجة إلى مغادرة بيوتهم.

وإذا كان البعض يعتقدون أن الحديث حول الكيفية التي يمكن بها لتكنولوجيا الواقع المعزز تغيير طريقة العمل في مختلف المجالات ما هي إلا مجرد ادعاءات، فإن أمازون ليس لديها أدنى شك بأن هذا هو طريق المستقبل حيث كانت سباقة إلى هذا المضمار قبل غيرها.

ففي أواخر عام 2017، أعلن عملاق التسوق الإلكتروني بشكل مفاجئ عن ميزة جديدة ستكون جزءا من تطبيقها الرسمي على منصة آي.أو.أس دي.أي.آر فيو عبر الاستفادة من حزمة تطوير برمجيات الواقع المعزز أبل آركيت.

وتوفر الخدمة للزبائن فرصة التسوق عن طريق الواقع المعزز بحيث باتوا قادرين على تصفح مختلف المنتجات على متجر أمازون باستخدام هذه الميزة للحصول على فكرة عن الكيفية التي سيبدو بها أي منتج ما في منازلهم.

ويمكن للمستهلكين الاختيار من بين الآلاف من العناصر الملائمة لغرف المعيشة وغرف النوم والمطابخ والمكاتب المنزلية، وألعاب الأطفال والألعاب والديكور المنزلي وما إلى ذلك من العناصر الأخرى.

ومع وجود تطبيق الواقع المعزز على الهواتف الذكية أو الأجهزة اللوحية، يمكن للأشخاص مشاهدة المكان الذي يودون وضع قطعة الأثاث الجديدة فيه كما يمكنهم إضافة عناصر إضافية افتراضية مثل المقاعد أو الرفوف إلى الصورة الكاملة للمكان.

وعلى سبيل المثال، إذا كان المستهلك يرغب في شراء أريكة، فسيكون بإمكانه رؤية كيف يتناسب هذا المنتج مع المساحة المخصصة في غرفة المعيشة في بيته، ويمكنه تحريكها بزاوية 360 درجة للتأكد من أنها تتناسب مع نمط وتصميم وجمالية المكان.

وقد اتخذت سلسلة متاجر أيكيا السويدية أكبر سلسلة أثاث في العالم خطوتها الأولى نحو الاستفادة من تكنولوجيا الواقع المعزز منذ سنوات وهي تتعاون حاليا مع شركة أبل الأميركية العملاقة للإلكترونيات لتطوير تطبيق جديد.

الاتصال العاطفي هو أداة رائعة لزيادة الوعي بالعلامة التجارية، إذ يتذكر الأشخاص بشكل أفضل العلامات التجارية التي لديهم ارتباطات إيجابية بها

ويقول مارتن غروس ألبينهاوزن من الاتحاد الألماني للتجارة الإلكترونية والبيع عن بعد إن أحدث مشروعات الشركة يؤكد أن تكنولوجيا الواقع المعزز هي مستقبل قطاع تجارة الأثاث.

كما طور عدد من شركات الأثاث الأصغر حجما تطبيقات خاصة بها للواقع المعزز، رغم أن هذه التكنولوجيا مازالت تواجه العديد من التحديات حتى الآن.

ويقول غليب بي الكاتب في موقع “روبي غاراج” المتخصص في التكنولوجيا إن التفاعل مع إعلانات الواقع المعزز يشعر المستهلكين بأنهم يلعبون لعبة فيديو جذابة وهذا يبني علاقة عاطفية مع الزبائن، ويشجعهم على شراء المنتج.

ويؤكد بي أن الاتصال العاطفي هو أداة رائعة لزيادة الوعي بالعلامة التجارية، إذ يتذكر الأشخاص بشكل أفضل العلامات التجارية التي لديهم ارتباطات إيجابية بها، لذلك تعتبر إعلانات الواقع المعزز مثالية ليس فقط لزيادة حجم المبيعات، ولكن أيضا لبناء سمعة الشركة.

ورغم أن تكنولوجيا الواقع المعزز يمكن أن تغير بشكل كبير التجارة الإلكترونية عبر صناعة الإعلانات، إلا أن هناك العديد من التحديات في مسار نجاح هذه التكنولوجيا مستقبلا.

وحتى الآن فإن الواقع المعزز يعمل في الغالب من خلال تطبيقات الهواتف الذكية وهذه مشكلة بحذ ذاتها بحسب البعض من المحللين، إذا يحتاج المستهلكون الغوص بحثا عن تطبيق أبل بلاس ستور أو متجر غوغل ستور لثبيته قبل إتمام عملية الشراء.

وقد يحتاج معظم الأشخاص للاحتفاظ بالعديد من تطبيقات أي.آر على هواتفهم الذكية للوصول إلى تجارب غامرة مختلفة. ونتيجة لذلك، يفضل هؤلاء عدم استخدام تطبيقات الواقع المعزز على الإطلاق.

ولكن شركة بليبار وهي مزود لـتطبيقات الواقع المعزز تعمل على وضع خدمة جديدة تسمى محدد الإعلان الرقمي المعزز لإنشاء إعلانات واقع معزز باستخدام الهواتف الذكية أو الكاميرات المكتبية فقط.

وفي يوليو الماضي، أعلنت شركة فيسبوك عن قيامها باختبار إعلانات الواقع المعزز ضمن خلاصة تغذية الأخبار، وذلك كجزء من محاولتها جذب المزيد من المعلنين إلى الابتكارات الإعلانية عبر منصات الفيديو.

وبدأت الاختبارات بإعلانات مصمم الأزياء الأميركي مايكل كورس داخل الولايات المتحدة، حيث أنشأ تجربة إعلانية تتيح للمستخدمين تجربة زوج من النظارات الشمسية باستخدام تأثيرات الواقع المعزز.

وبعد ذلك بأشهر وسع عملاق التواصل الاجتماعي تجربته الفريدة مع شركات تجارية كبرى من أجل جذب المزيد من المستهلكين.

وبتلك الخطوة دخلت منصة فيسبوك المنافسة مع شركات كبيرة أخرى في مقدمتها سناب شات، التي تعتبر رائدة في مجال إعلانات الواقع المعزز.

17