طفرة حضرية وعقارية في دول الخليج تصاحبها أزمة سكن

السبت 2014/09/13
المساكن هي التعبير المكاني لقيم مجتمع ما وأخلاقه والتزامه بتحقيق معادلة مجتمع يتسع للجميع

لندن – يمثل قطاع الإسكان في منطقة الخليج العربي، المعروفة بالتمدن السريع والتحول المدهش على مدى العشريتين السابقتين، أولوية وطنية، خاصة وأن المؤشرات تحذّر من تحول القضية الإسكانية إلى أزمة ضاغطة وقنبلة موقوتة.

تشير دراسة أعدّها دافيد أ. سميث وأنغوس فريمان، صدرت عن مركز الخليج للأبحاث (قسم جامعة كامبريدج)، إلى أن قضية السكن باتت تشكّل موضوعا شديد الأهمية بالنسبة إلى منطقة الخليج العربي التي تشهد تغييرات ديموغرافية واجتماعية وحضرية متواصلة.

تركّز الدراسة، التي حملت عنوان “سوق الإسكان ووضع السياسات في منطقة الخليج العربي”، على قضية العرض والطلب في سوق العقارات الخليجية والسياسات المتّبعة لتجنّب تحول هذا التطوّر الذي تشهده عواصم الخليج إلى أزمة.


ماهو المسكن؟


يقدّم الباحثان البريطانيان تعريفا مميزا للمسكن باعتباره التعبير المكاني لقيم مجتمع ما وأخلاقه والتزامه بتحقيق معادلة مجتمع يسع الجميع. والمساكن وفق سميث وفريمان هي ما يخلق المدن ويحددها. والمساكن ذات الأسعار المعقولة هي ما يجعل المدن ناجحة وقابلة للتوسع.

ويعتبر الإسكان الميسر من الأهم الأولويات التي تركز عليها حكومات دول الخليج، وقد كان هذا الموضوع محور بحث وزراء الإسكان ووكلاء الوزارات المعنية بالإسكان في دول مجلس التعاون خلال اجتماعهم بالكويت، في الفترة من 7 إلى 11 من شهر سبتمبر الجاري، وذلك من أجل تطوير استراتيجيات متكاملة لتطوير قطاع الإسكان والاهتمام به باعتباره أحد أبرز أعمدة الاستقرار المجتمعي.

ياسر أبل: "دول الخليج تولي اهتماما كبيرا بالقضية الإسكانية وتوفير السكن لمواطنيها"


لماذا تتفاقم أزمة الإسكان في الخليج؟


كلما كبرت المدينة وازدادت ثراء أصبحت المساكن أكثر تكلفة، وهذا الأمر يجعل من المسكن أمرا بعيد المنال بالنسبة إلى فئة عريضة من المجتمع. وقد أصبحت القدرة على شراء المساكن في تراجع إذ ترتفع أسعار المساكن الحضرية بالتوازي مع ارتفاع أسعار الأراضي. وقد ينتج عن هذا الاختلال في العرض والطلب مشاكل اجتماعية.

ويشير دافيد أ. سميث وأنغوس فريما إلى أن مخاطر الإخفاق في معالجة قدرة شراء المواطنين للمساكن في مدينة تشهد نسقا سريعا من التمدن يمكن أن تتجلى في العنف الحضري والقلاقل الاجتماعية. إذن هناك رابط مباشر بين توفير المساكن بأثمان معقولة وإحداث فئة سكانية من الشباب غير المتزوج والفاقد للجذور.

وعندما يعجز المواطنون الشباب على الزواج ولا يستطيعون بناء أسرة خاصة بهم هناك مخاطر في حصول أعمال عنف حضري مفاجئ. لقد ظهرت أعمال الشغب والإرهاب الداخلي على مدى تاريخ التمدن مثلما شاهدنا في روما (سنة 75 قبل الميلاد) وباريس (1848) والولايات المتحدة (1967) والمغرب (2003) ولندن (2011).

يكمن الحلّ وفق الباحثان البريطانيان في العمل على إنشاء مساكن بأسعار معقولة، وهذه المساكن إضافة إلى دورها الاجتماعي والأمني، تساعد أيضا على تطوير البنية التحتية الحضرية من مرافق وطرق سيارة ونقل عمومي تساهم بشكل مباشر في خلق وظائف جديدة بما في ذلك الوظائف عالية الدخل والمعتمدة على قطاع المعلومات. وفي ذات الوقت كل وظيفة تحدث تعني في الوقت ذاته إحداث طلب لوحدة سكنية جديدة. وباختصار المساكن ذات الأسعار المعقولة هو ما يجعل المدن قابلة للتوسع، ويجعل المدن القابلة للتوسع ناجحة.

مخاطر الإخفاق في معالجة قدرة شراء المواطنين للمساكن يمكن أن تتجلى في العنف الحضري والقلاقل الاجتماعية

ويستشهد الباحثان بالتجربة الإماراتية في هذا السياق. حيث يقول دافيد أ. سميث وأنغوس فريما إن المثال التصويري الحي للتحدي المتعلق بالإسكان والمساكن ذات الأثمان المناسبة نجده في أبو ظبي ودبي حيث خلق التمدن التحويلي قوة عاملة متنقلة تجمع معا ثلاث أسواق فرعية مميزة: المواطنون، والعمال الأجانب ذوي الدخل المرتفع، والعمال الأجانب ذوي الدخل المنخفض. وبالرغم من أن السياسات السكنية لدى الإمارات العربية المتحدة تحدد المواطنين فقط كحرفائها الأساسيين تبقى الحقيقة المتمثلة في أن كل شخص يبحث عن مسكن في بلد معين يؤثر على ثمن كل أنواع المساكن وتوفرها بالنسبة إلى كل مجموعات الحرفاء.


هل يمكن تطوير مساكن عالية الجودة ورخيصة في نفس الوقت؟


تحقيق معادلة مساكن جيدة سعرا وجودة أمر ممكن في دول الخليج العربي، وفق سميث وفريمان، وذلك لأن بمنطقة الخليج عددا كبيرا من الخصائص المميزة والفريدة التي تجعل من تطوير مساكن مناسبة الثمن وذات جودة العالية تحديا ليس له مثيل، وواضح في أماكن أخرى في العالم. وفيما يلي بعض من هذه الخصائص:


*

التمويل الإسلامي واستخدام الأرض: التمويل الخاضع لأحكام الشريعة (عن طريق الإيجارة، والمرابحة، والمشاركة) وأنماط استخدام الأراضي (بما في ذلك نظام الوقف) يتطوران بوتيرة مختلفة داخل منطقة الخليج، وفي حين أن هذه الأشكال موجودة في عدة أماكن في مختلف أنحاء العالم الإسلامي فهي جديدة نسبيا في منطقة الخليج.

دول الخليج تعالج أزمة الإسكان بالعمل المشترك
الكويت - استجابة إلى التحديات الكبيرة التي يفرضها ذلك على مستوى توفير العيش الكريم للفئات المستهدفة، عكفت القيادات الخليجية على إطلاق مجموعة واسعة من مشاريع السكن الاجتماعي وبرامج الدعم السكني، بالإضافة إلى وضع آليات واضحة المعالم لتقديم القروض الميسّرة، وذلك في خطوة تهدف إلى تلبية الطلب المتنامي على السكن.

وقد أكّد وزير الإسكان الكويتي، ياسر أبل، على هامش اجتماع وزراء الإسكان الخليجيين في الكويت، أن الحل لقضية ارتفاع أسعار العقارات يكمن في زيادة أعداد التوزيعات ومضاعفتها لإيجاد توازن بين العرض والطلب.

وأوضح أن هناك دراسات تجريها الجهات المعنية في دول الخليج لتوضيح أسباب ارتفاع الأسعار والمشكلات التي تؤدي إليها، مشيرا إلى أن “إيجاد سكن مناسب يعتبر من مقومات الاستقرار والعيش الكريم للإنسان، والقضية الإسكانية هي إحدى أهم القضايا الإنسانية”.

ولفت ياسر أبل إلى أن الجهود الإسكانية الخليجية تتركز على المزيد من التعاون للوصول إلى حلول عملية للقضايا الإسكانية والاستفادة من الخبرات المتطورة لبعض الدول في هذا المجال.

من جانبها قالت مدير إدارة الإسكان في وزارة الأشغال بدولة الإمارات، عائشة عمر المدفع، إن تجربة بلادها في توفير الرعاية الإسكانية متميزة وقد قطعت شوطا كبيرا حيث أنه لا يوجد أي مواطن إماراتي لا يملك مسكنا. في ذات السياق، قال المدير العام لمشروعات الإسكان بوزارة الإسكان في سلطنة عمان، محمد علي المطوع، إن التجربة العمانية في مجال الإسكان رائدة حيث تتولى وزارة الإسكان توفير الرعاية السكنية للمواطنين عبر ثلاثة برامج إسكانية الأول يقدم المساعدات السكنية غير المستردة وتمنح لفئة محدودي الدخل والثاني يقدم القروض الإسكانية دون فوائد والثالث يمنح أراضي سكنية للراغبين.

وحول تجربة قطر في حل المشكلة الإسكانية بيّن مدير إدارة الإسكان ناصر مهنا المناعي أن قطر تقدم الرعاية السكنية بطريقتين إما السكن الأفقي أو العمودي.


*

التحضر السريع الخاضع للتكنولوجيا: الكثير من البلدان التي تشهد عملية تحضر سريعة لديها مناخات تمكّن الناس من بناء مناطق شبه حضرية سريعة التوسع بمواد تتطلب خبرات وتكنولوجيات وتكاليف منخفضة، مما يؤدي إلى انتشار مدن الصفيح والمدن والمستوطنات غير الرسمية التي تحيط بالمدن الكبرى. أما منطقة الخليج العربي فلديها مناخات قاحلة تجعل من انتشار الضواحي شبه الحضرية أمرا متعذرا بسبب نقص الماء الصالح للشرب وتكنولوجيا التبريد.


*

نسبة مرتفعة من العمال والمقيمين الأجانب: تستضيف كل البلدان الخليجية أعدادا كبيرة من العمال الأجانب على مستوى اليد العاملة أو مستوى الإدارة. على سبيل المثال يشكل الأجانب 67 بالمئة من سكان الكويت و80 بالمئة من القوة العاملة في المملكة العربية السعودية وأكثر من 90 بالمئة من القوة العاملة في دبي.


*

أسواق سكن متعددة المستويات يفصلها القانون والمواصفات والموقع: عدة أسواق سكنية خليجية هي في الواقع عوالم موازية: إحداها لمواطني البلد، وأخرى للأجانب الميسورين، وثالثة لليد العاملة. وكل سوق لديها المواقع والمواصفات والمخططات ونماذج الملكية المفضلة الخاصة بها. وكل هذه الأشياء يمكن أن يتم تدعيمها ذاتيا عبر القوانين (مثل وضع حدود لامتلاك الأجانب للعقارات) والأعراف والانتظارات.

نتيجة لكل ما تم ذكره، بالإضافة إلى النمو السريع في التعداد السكاني لدول الخليج العربي، تتعرض المنطقة إلى مجموعة من التحديات الفريدة من نوعها الخاصة بخلق سياسات إسكان مناسبة لكل فئة مجتمعية مع ضرورة مراعاة قضية المساكن ذات الأسعار المناسبة. وستتطلب هذه التحديات حلولا تقوم على التجديد في القطاعين الخاص والحكومي وخلق استراتيجيات عمل مشترك بينهما. ويتطلّب توفير الإسكان معقول الكلفة مساهمةً حكومية، إلا أن الحكومة لن تكون قادرةً على مواجهة هذا التحدّي لوحدها. وبإمكان استراتيجيات توفير وطلب الإسكان تحريك القطاع الخاص وبالتالي دعم موارد الحكومة

وكان تقرير صادر عن الأمم المتحدة توقّع أن يسجّل التعداد السكاني في المدن الخليجية نموّا بمعدل 2.1 بالمئة سنويا مع توقعات بأن يصل تعداد سكّان دول مجلس التعاون الخليجي إلى 52.9 مليون نسمة بحلول العام 2020.

وسيشكّل هذا الارتفاع، حسب الخبراء، ضغطا على سوق الإسكان، التي تحوّل فيها المنزل من كونه بضاعة مادية إلى بضاعة مالية. والبضائع المادية هي البيوت التي يبنيها الناس من عملهم الخاص أو بيوت موجودة من قبل أصلية أو تم إنشاؤها دون أن تكلف أية سيولة نقدية. أما البضائع المالية فهي البيوت التي يدفع ساكنها المال لاستعمال الأرض سواء بشرائها أو تأجيرها. ومتى أصبحت المساكن بضائع مالية يتطلب تسليمها التمويلات سواء للمستهلك أو الساكن أو المالك المحتمل أو لعملية التطوير.


أي دور للحكومات في تجنب أزمة السكن؟


يؤكد دافيد أ. سميث وأنغوس فريمان على أن عملية التمدّن في دول الخليج العربي تعتمد على التكنولوجيا والبنى التحتية وذلك يعني أن هذا النمو الحضري مرتبط بالحكومة بصفة مباشرة أكثر من أي مكان آخر. وقد قامت حكومات دول مجلس التعاون الخليجي حتى الآن بتوفير الأراضي أو المنازل مجانا أو تقديم الدعم المالي.

لكن على ضوء النمو السكاني في منطقة الخليج فإن الحكومات تتعرض لمزيد من الضغط لتوفير الإسكان بأسعار معقولة في ظل قائمات الانتظار التي تمتد في بعض البلدان لأكثر من 10 سنوات.

7