طفلة نكست أعلام طالبان دفاعا عن حق التعليم لكل الأطفال

الأحد 2013/09/29
ملالا يوسف زاي: أرسلوا كتبا بدل البنادق ومعلمين بدل الجنود

نيويورك - حصلت الناشطة الباكستانية ملالا يوسف زاي على جائزة المواطن العالمي التي تمنحها مبادرة كلينتون العالمية لهذا العام في احتفال خاص يوم الأربعاء 25 سبتمبر الجاري.

كما حصلت على جائزة هذا العام للريادة في المجتمع المدني، وشاركت الناشطة البالغة من العمر 16 عاما، والتي أصيبت برصاص حركة طالبان الإسلامية في تأسيس صندوق ملالا لمواصلة الدعوة للتعليم الجامعي للفتيات.

وحثت الزعماء على التركيز على التعليم كحل لجميع مشكلات العالم؛ وقالت: "نقول للحكومات والمسؤولين إذا كنتم تريدون سلاما في سوريا وأفغانستان وباكستان.. إذا كنتم تريدون إنهاء الحروب.. إذا كنتم تريدون مكافحة الحروب.. أرسلوا الكتب بدلا من البنادق، وبدلًا من إرسال الجنود أرسلوا معلمين، إنها الطريقة الوحيدة للقتال من أجل التعليم".


الطفلة الاستثناء


تناولت الناشطة الحقوقية في حديثها في الاجتماع قضايا عالمية تمس الإنسانية في حقوقها منها عمالة الأطفال والفقر وعدم المساواة والظلم الذي تتعرض له النساء من أفغانسان إلى سوريا.

وقالت "النساء غير مقبولات حتى كبشر.. يعاملن بظلم وعدم مساواة.. النساء يتعرضن للرفض والإهمال حتى في الدول المتقدمة حيث لا تتاح لهن فرص التقدم وتحقيق ما يتطلعن إليه، حتى في أميركا ينتظر الناس أن تتولى الرئاسة امرأة".

ولعل أبرز ما ورد على لسان المناضلة الباكستانية يوسف زاي أمام كبار الناشطين الحقوقيين في العالم قولها مشددة على ضرورة التشبث بالأمل والحلم: "يجب أن نحلم، أحلم أن أرى كل طفل متعلمًا، أحلم أن أرى كل إنسان يعامل بمساواة، أحلم أن أرى السلام في مختلف أنحاء العالم، في نيجيريا وسوريا وباكستان وأفغانستان.. دعونا نجعل أحلام اليوم حقيقة الغد".

ولبطولة ملالا، التي يصفها البعض بالطفلة الاستثناء، قصة فقد بدأت تعرف كمدونة في وادي سوات الذي كان يعاني شعبه الظلم والاستبداد والقهر تحت سيطرة المتشددين الإسلاميين ممثلين في حركة طالبان، التي ترمي لقلب أسلوب عيش الباكستانيين من متدينين إلى متشددين، وأول ما استهدفته هو التعليم والمرأة، فالتعليم العصري المختلط كفر، كما خروج المرأة من البيت للتعلم أو لغير ذلك كفر، وانطلقت خطة القضاء على التعليم بشن حملة من التفجيرات والاعتداءات على المدارس.

في هذا السياق تأتي مشاركة ملالا مع مجموعة من التلاميذ الذين دمرت مدارسهم في برنامج حواري تلفزيوني، منه فتحت أبواب الشهرة العالمية أمام ملالا-دون سعي منها لذلك- ومن ذاك المنبر في باكستان تحدثت التلميذة المولعة بالعلم والمدرسة عن طالبان وانتقدتهم بطريقة جريئة ومباشرة، وبعد تحطيم مدرستها قالت مجيبة عن سؤال مذيع البرنامج: " حتى لو كان الذي لا بد أن أجلس عليه لأدرس هو الأرض، وحتى لو لم يكن هناك مكان للجلوس، فسأبقى هناك للحصول على التعليم ولمواصلة دراستي مهما كانت الطريقة..".


"يوم ملالا"


منذ ذكر ملالا لطالبان منتقدة ما تتعرض له المدارس من هجومات وما تريد هذه الحركة أن تفعله بالتعليم مدافعة بقوة واندفاع عن حقها في التعلم، بدأ جنود طالبان يحاصرون مقر التلفزيون، وعن ذلك يقول مذيع البرنامج: " حذرتُ ملالا وقلت لها إنها وطئت أرضية خطرة بكلامها، وطلبت منها خلال الاستراحة أن تغادر البرنامج لتحافظ على حياتها، وقلت لها يمكنك الذهاب لقد تكلمت بما فيه الكفاية، لكنها أجابتني بحزم وشجاعة "لا سوف أبقى يجب أن أتحدث أكثر مازال لدي ما أقول"، فوافقت وواصلنا البرنامج وواصلت طفلة الرابعة عشرة عاما انتقاد طالبان بكل جرأة، وبعد نهاية البرنامج بوقت وجيز أصبحت ملالا اسما معروفا ومتداولا في باكستان، فقد أعجب الشعب الباكستاني كثيرا بها وبشجاعتها".

ثمن شجاعة ملالا كان غاليا، حيث كادت تفقد حياتها بعد محاولة اغتيالها من قبل طالبان، فوُجهت رصاصة إلى رأسها يوم 09 أكتوبر 2012، كما أصيبت زميلتان لها، وخلال الكلمة التي ألقتها في منظمة الأمم المتحدة أثناء تكريمها تحدثت ملالا عن ذلك قائلة: "في التاسع من أكتوبر الماضي أطلق أعضاء طالبان النار عليّ وعلى صديقاتي أيضا، كانوا يعتقدون أن الرصاص سيتمكن من إسكاتنا لكنهم فشلوا، ومن الصمت خرجت آلاف الأصوات، لقد اعتقد الإرهابيون أنهم سيغيرون أهدافي وسيوقفون طموحاتي، لكن لا شيء تغير في حياتي، إلا أن الضعف والخوف واليأس ماتوا ووُلدت القوة والطاقة والشجاعة".

"لقد اعتقد الإرهابيون أنهم سيغيرون أهدافي وسيوقفون طموحاتي، لكن لا شيء تغير في حياتي، إلا أن الضعف والخوف واليأس ماتوا وولدت القوة والطاقة والشجاعة"

ونقلت لبريطانيا للعلاج، حيث أمضت عدة شهور في مستشفى الملكة إليزابيث وأجريت لها عدة عمليات لمعالجة كسور في جمجمتها وإرجاع السمع الذي كادت تفقده. وبعد أن تعافت غادرت المستشفى لتعود إلى صفوف الدراسة ولكن في بريطانيا، وأكد الأطباء أنها أصبحت قادرة على مواصلة حياتها بشكل طبيعي.

وأثارت حادثة محاولة قتل ملالا الطفلة والتلميذة المدافعة عن حقها وحق جيلها في التعلم في وادي سوات انتقادات دولية واسعة النطاق هاجمت كلها حركة طالبان ووصفت تصرفها هذا بالإرهابي والجبان واللامقبول لأنه استهدف طفلة كل ذنبها أنها تحب مدرستها وترغب في التعلم، هذا ما جعل ملالا تصبح مثالا ورمزا على المستوى العالمي لمقاومة طالبان وللوقوف بوجه المساعي الرامية لحرمان الأطفال والنساء من التعليم ومن جميع حقوقهم، لذلك وقّع أكثر من 250 ألف شخص مطالب على الإنترنت تدعو إلى ترشيحها لجائزة نوبل للسلام، وهي من بين المرشحين لنيلها هذا العام.

واقترن تكريمها لدى الأمم المتحدة بمرور عيد ميلادها السادس عشر، حيث وقفت ملالا أمام جمهور يتكون من مئات الشخصيات من 85 بلدا، والذين أبهرهم خطابها وبدت عليهم علامات التأثر عند حديثها عما تعرضت له من ظلم ومعاناة في سبيل التعلم، كما وقفوا تحية لها وهم يصفقون تعبيرا عن إعجابهم بجرأتها، وبكل ثقة في النفس وبصوت الحكيم نادت الناشطة الباكستانية بحق التعليم لكل الناس في جميع أرجاء العالم.

وأطلق على يوم تكريمها في الأمم المتحدة اسم "يوم ملالا"، الذي وصفته في خطابها قائلة: " اليوم ليس يوم ملالا بل هو يوم كل من رفع الصوت مدافعا عن حقوقه".

وذكرت إذاعة الأمم المتحدة أن ملالا كانت ترتدي الزي الباكستاني بلون وردي، واضطرت إلى "الوقوف على عتبة لتصل إلى مستوى الميكروفون" لكن صوتها ورسالتها وصلا إلى مختلف أنحاء العالم.

عزيمتها وصلابتها جعلاها رمزا للنضال ضد التطرف الديني الذي ينتهك حقوق المرأة دون تردد، ويتعدى على حقوق الطفولة بكل صفاقة، وبعد أن رأت الموت على أيدي المتطرفين الارهابيين، أصبحت ملالا تكرس معظم حياتها ووقتها للتوعية بأحقية وأهمية التعليم.

وفي هذا الإطار أطلقت عريضة على الانترنت تطالب فيها الأمم المتحدة بتأمين وضمان التعليم الابتدائي لجميع الصبية والفتيات بحلول عام 2015، وقد وقع هذه العريضة الملايين من جميع دول العالم.

وقام الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة بان كي مون أثناء الاجتماع الشبابي للأمم المتحدة بالإشادة بملالا يوسف زاي وشجاعتها وانتصارها اللذين ألهما ملايين الناس في جميع أنحاء العالم، وقال "يشرفنا أن تتولى فتاة شابة واثقة وشجاعة، تتمتع بالإنسانية والمرونة قيادة هذه المسؤولية، فعادة ما يشغل المقعد الرئيسي على هذا المنبر رئيس الجمعية العامة أو أشغله أنا بحسب الموضوع، ولكن اليوم قد يكون من الطبيعي أن تكون ملالا في المقدمة".

وأضاف بان كي مون إن ملالا من خلال مشاركتها في اليوم المخصص لها، تقول لكل الفتيات في مختلف أنحاء العالم إنهن لسن بمفردهن، مشيرا إلى التقدم الكبير الذي تم تحقيقه في مجال التعليم بمساعدة منظمتي الأمم المتحدة للطفولة، واليونسكو.

وفي السياق ذاته، أشاد المبعوث الخاص للأمين العام للتعليم العالمي ورئيس الوزراء البريطاني السابق غوردن براون في كلمته أثناء تقديم ملالا بنضالها وبجهودها وبقوتها ووصفها بأنها "الفتاة الأكثر جرأة في العالم".

كما شاركت ملالا التي أصبحت المدافعة التي لا تكل عن حق التعليم، الاثنين الفارط بنيويورك في دعم مبادرة ترمي إلى توفير الدراسة لمئات ألاف الأطفال السوريين اللاجئين في لبنان.

وقد منحت منظمة العفو الدولية "آمنتستي إنترناشونال" جائزة "سفير الضمير" للعام 2013 لملالا التي أعربت عن امتنانها الكبير لحصولها على هذه الجائزة، وقالت "أريد أن انتهز هذه الفرصة، كي أذكّر الجميع بأنه يوجد ملايين الأطفال مثلي في العالم يناضلون يوميا من أجل حقهم بالذهاب إلى المدرسة".

وحصلت الناشطة الباكستانية على جوائز عديدة للسلام، وعلى جائزة السلام الدولية للأطفال لعام 2013، وأغلب الجوائز التي حصدتها كانت من منظمات حقوقية دولية، كما أنها أصغر شخص يتم ترشيحه لنيل جائزة نوبل للسلام.

وأكدت ملالا يوسف زاي، المقيمة حاليا في بريطانيا، أنها ستواصل معركتها من أجل "عالم يستطيـــــع فيه الجميع الذهاب إلى المدرسة".

كما قررت كتابة مذكراتها في كتاب تحت عنوان " أنا ملالا"، وتأمل عن طريقه أن تلهم الفتيات اللائي يكافحن من أجل الحصول على حقهن في التعليـــم، وقالت إنها تأمل أن تكون قصتها "جزء مـــن حملة لإعطاء كل فتى وفتاة الحق في الالتحاق بالمدارس".

20