طفلة يمنية تعهدت بحماية حقوق الأطفال حول العالم

الاثنين 2016/12/19
ندى الأهدل وزيرة لحقوق الإنسان في حكومة الأطفال اليمنية

صنعاء - ندى الأهدل قصة كبيرة لفتاة صغيرة أصبحت أنموذجا لمناهضة زواج القاصرات في اليمن، إذ أثرت هذه الفتاة في الدفع نحو تشريع يحدد سنا لزواج الفتيات في بلادها بقدرٍ فاق ما عملت عليه المنظمات الحقوقية المعنية خلال عقدين من الزمن، فقد ترافقت قضيتها التي حظيت بتغطية إعلامية وتضامن الرأي العام وطنيا وعالميا مع انعقاد مؤتمر الحوار الوطني عام 2013 ما أعطى حافزا للمتحاورين على تضمين قضية زواج القاصرات في جدول الحوار المرعي من الأمم المتحدة.

لقد أصبح زواج القاصرات أمرا مجرما رسميا في أهم وثيقة صاغها اليمنيون في العصر الحديث لبلد ظل فيه زواج القاصرات أمرا شائعا، وذلك بفضل شجاعة هذه الفتاة والصدى الذي لاقته قضيتها.

روت ندى الأهدل بداية قصتها لـ“العرب”، فحين كانت بعمر 11 عاما قبل ثلاث سنوات، هربت ندى من منزل والدها لتلجأ إلى عمها رفضا لمشروع زواجها في ذلك السن، وخاض الاثنان (الابنة والعم) نضالا شاقا لمنع وقوع الطفلة ضحية العادة المقيتة، سألنا ندى: ما الذي دفعها إلى الجوء إلى عمها عبدالسلام الأهدل؟ وهل كانت تعي مخاطر دفعها إلى الزواج في ذلك العمر، فأجابت بأن تجارب سابقة في الأسرة شكلت لديها حالة رعب في عقلها وضميرها، فحين وافق والدها على خطبتها وبدأت خطى زفها لرجل غريب تتسارع حضرت في ذهن ندى قصة خالتها التي فارقت الحياة بعد إحراقها لنفسها إثر تزويجها في سن مقارب لسنها، وقصة شقيقتها التي تكبرها بعام وأحرقت نفسها هي الأخرى رفضا للزواج، ورغم ذلك اقتيدت إلى منزل الزوجية وآثار الحروق قد غيرت ملامح وجهها. تقول ندى “هربت كي لا أضطر إلى إحراق نفسي كما فعلت أختي وخالتي من قبل”.

سجلت ندى فيديو قصيرا تشرح فيه ظروف هروبها بمساعدة مصور إعلامي صديق لعمها بعد أن أتهم والدها شقيقه عبدالسلام بخطف ابنته، وفي اليومين الأولين لنشر المقطع على يوتيوب كانت المشاهدات وصلت أكثر من 5 ملايين، فيما بادر ناشطون في دول أخرى بترجمته وإعادة بثه بعدة لغات، وتاليا التقفت دار نشر فرنسية القصة لتؤلف عن ندى كتابا ترجم إلى عدة لغات، كما اختيرت لتمثل دورا رئيسيا في فيلم روائي عن زواج القاصرات “أنا نجود بنت العاشرة ومطلقة” الذي رشح للأوسكار في دورته الحالية.

حصلت ندى على العديد من الجوائز العالمية من دول عدة أبرزها سويسرا، وحصلت على لقب أشجع طفلة في العام 2013، حسب تصنيف جريدة ستار كيدز البريطانية، انتصرت ندى لقضيتها وأحبطت مشروع زواجها حين اقتنع والدها بعد كل ذلك، وأوكل إلى عمها رعايتها بموجب وثيقة معمدة من المحكمة، لكن مشاكلها لم تنته هنا، إذ أزعج تصرف ندى على ذلك النحو وذاك التأثير بعض وجوه التيارات الدينية الأصولية الرافضة لتحديد سن لزواج الفتيات، وبعضهم بارزون في مكونات سياسية إسلامية، فاتهموا قصتها بالفبركة، وضغطوا على وزارة الداخلية لأخذ تعهد على ندى وعمها بالابتعاد عن الإعلام، بعد عام وحين كانت ندى تجهز نفسها للسفر إلى فرنسا لحضور حفل تدشين كتابها كان الحوثيون قد اجتاحوا العاصمة صنعاء وبعض المحافظات اليمنية، وكان أن اعتقلوا عمها لأسبوعين في محافظة الحديدة غرب اليمن للحيلولة دون سفرها.

أصبح زواج القاصرات أمرا مجرما رسميا في أهم وثيقة صاغها اليمنيون وذلك بفضل شجاعة هذه الفتاة

شكل حضور ندى الإعلامي إزعاجا للجماعات المتطرفة، وحين اضطرت إلى الهرب مع عمها من الحديدة بعد إطلاق سراحه إلى مدينة عدن التي كانت قد حررت لتوها من قبل الجيش الوطني والتحالف العربي، وجدا نفسيهما معتقلين لدى جماعة مسلحة يعتقد أنها القاعدة، وكان واضحا أن شهرة الفتاة تجلب لها الأذى في بلد مضطرب.

بعد إطلاق سراحها وعمها هذه المرة قررا مغادرة عدن التي كان مطارها مغلقا بعد الحرب وكان يستحيل عليهما العودة إلى صنعاء التي يسيطر عليها الحوثيون للسفر عبر مطارها خارج اليمن، فكان أن توجها إلى منفذ الوديعة على الحدود السعودية.

تحكي ندى لـ“العرب” عن عام قضته في الرياض في ضيافة مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، فقد علقت وعمها في المنفذ بين الدولتين نتيجة عدم حصولهما على تأشيرة عبور الحدود، ولجآ إلى مخيم غوث التابع لمركز الملك سلمان، قبل أن يعلم المسؤولون في المركز بوجودها في المخيم وتأتي الأوامر باستضافتها في الرياض على نفقة المركز.

ويبدو أن الفتاة الصغيرة نجت أخيرا من الملاحقات في اليمن واختيرت لتكون وزيرة لحقوق الإنسان في حكومة الأطفال اليمنية الموالية للشرعية، وهي تكمل الآن تأسيس منظمة ندى لحماية حقوق الأطفال.

بدت ندى واثقة في حديثها لـ“العرب” بنجاح مؤسستها في إحداث أثر لحماية حقوق الأطفال وتقول إنها تعهدت العمل من أجل نيل الأطفال حول العالم حقوقهم المنصوص عليها في المواثيق الدولية، وعن مشاريع مؤسسة ندى تقول “سوف أطلق أكبر مشروع في العالم لمساعدة الأطفال بتكلفة صفر والذي يتيح للأطفال إيصال أصواتهم إلى العالم وتضامن جميع المنظمات الدولية معهم دون أن يصاب الطفل بأي أذى من قبل المنتهكين لحقوقه ومن دون أي تكاليف”، وتشغلها حالياً قضية تجنيد الأطفال، لتطلق نداء عبر “العرب”: لقد حان الوقت لمنع تجنيد الأطفال ووقف الحروب في المنطقة.

21