طفل العراق شاعر ورسام وحامل الفانوس في ليل الذئاب

الجمعة 2014/08/15
أعمار الأطفال المشاركين تراوحت ما بين 6 إلى 12 سنة

بغداد - مبادرة جديدة يؤسّس لها بيت الشعر العراقيّ في بغداد، وينجح في إطلاق نسختها الأولى، ألا وهي مسابقة قصائد الأطفال التي وزّع جوائزها قبل مدة ومعها الكتاب الصادر عنها “نبض الكتابة”، إذ ضمّ نصوص الأطفال الفائزين أولا -بخط أيديهم ومطبوعة أيضا-، وثانيا من تقدّم إلى المسابقة ولم يفز بنيل إحدى جوائزها الثلاث، مع رسومات لأطفال عراقيّين زادت من جاذبية المشروع كلّه، الذي جعل من فكرة الكتابة باليد شرطه الرئيس.

اجتمعت، مؤخّرا، اللجنة التحكيميّة لمسابقة قصائد الأطفال في دورتها الأولى (2013- 2014)، بعد أن وصل إليها ما يقارب الـ50 إسهاما لأطفال العراق، من شتّى محافظاته، وحتّى من لدن أطفال عائلات عراقيّة تقيم في الخارج.

وبعد التحكيم وفرز الأصوات، تبيّن فوز عبدالحق فاضل حسين من “الموصل- مدرسة النعمان بن المنذر” بالجائزة الأولى عن قصيدته “الإصرار على العمل”، وفوز تميم لؤي حمزة من “البصرة- مدرسة المعقل” عن قصيدته “تمثالي”، ومعه روان سالم حسين من “بابل- مدرسة النسور الابتدائية المختلطة” عن قصيدتها “أجمل غنوة”، بالجائزة الثانية مناصفة، في حين فاز بالجائزة الثالثة مناصفة أيضا، كلّ من دانية صدوق أبوطالب من “بغداد- مدرسة راهبات التقدمة” عن قصيدتها “المستقبل”، ومعها أبوالفضل صفاء من “محافظة المثنى- مدرسة النهروان الابتدائية” عن قصيدته “يا رحلتي".

وقدّم البيت الشكر والتقدير لكلّ من: دائرة النشاط المدرسي في وزارة التربية ودائرة العلاقات الثقافيّة ودار ثقافة الأطفال في وزارة الثقافة، لتعاونهم على إيصال عدد من الإسهامات الأدبيّة والفنيّة إلى اللجنة المشرفة على المسابقة.

الهدف من الاحتفاء بشعر يكتبه الأطفال يتمثل في عودة إلى الروح العفوية التي تلخصها علاقة القلم بالورقة

ومثلما ثمّن التفاعل والإسهام في المسابقة بمشاركات متنوّعة وموضوعات مختلفة، تمنّى تعزيز القيمة الثقافيّة لفعاليّة مثل هذه، حيث أنها جديدة في مضمونها، وذلك عبر إقامتها سنويا، احتفاء بإبداعات أطفال العراق وتعزيز الثقة بخطواتهم الأولى في عالم الكتابة والرسم أيضا.


وهج أول


كثيرون من الأصدقاء وغيرهم من متابعي فعاليّات بيت الشعر العراقي، قالوا لنا قبل أشهر: “إنّكم -أي أعضاء الهيئة الإداريّة- تخوضون مغامرة غير محسوبة النتائج، فالأجيال الجديدة ابتعدت عن القراءة والمطالعة، واجتذبتها فضاءات الأنترنت ووسائل الاتصال الحديثة، ولعلّكم ستواجهون معضلة من يكتب لابنه أو لابنته ويقدّمها على أنّها جزء من موهبة طفل تنتظر الفرصة لكي تنمو وتتطوّر".

وأمام تحدّي إنجاح مبادرة جديدة، مثل التي أطلقناها قبل أشهر، ليس المطلوب الإصغاء إلى جميع هذه الملاحظات فحسب، بل إدراك ما تحمله من مخاوف واقعية جدّا. لذا كنّا نحتسب لما ورد إلينا بمحبّة، ونحن ننتقل من مدرسة إلى أخرى في بغداد لإيصال الدعوة إلى المشاركة في المسابقة، أو عبر متابعة صدى المشروع في محافظات البلاد، بمخاطبة الجهات المعنية في سبيل الحصول على أكبر عدد من الإسهامات، من داخل العراق وخارجه أيضا.

الكتاب ينشر نصوصا للأطفال الفائزين

لكن مع قرارنا إعلان جائزة سنويّة لقصائد الأطفال، ضمن التحديث الأشمل الذي طرأ على مجمل المنهاج الثقافيّ للبيت، رأينا إنّ علينا المضي حتّى النهاية في سبيل تحقيق الفكرة وترسيخ وجودها في المشهد.

مرّت الأشهر واضطررنا إلى تمديد مدة تسلّم الإسهامات، لفسح المجال أمام مشاركين جدد، ولضمان وصول مضمون المسابقة إلى أقصى مدن العراق، وإنْ لم تردنا من هناك قصائد للتنافس على الجوائز الثلاث.

نقول: حاولنا، ونأمل أن يكون الهدف واضحا من الاحتفاء بشعر يكتبه الأطفال بخط أيديهم، هي عودة إلى الروح العفوية التي تلخّصها علاقة القلم بورقة تُدوّن عليها الكلمات، وتوثق لوهج أوّل تحدّد ملامحه محاولات الأطفال، عسى أن يصبح أحد هؤلاء المتقدّمين كاتبا أو مبدعا حقّا في الشعر. نعم ربّما ساعدت عائلات أبنائها في كتابة قصيدة أو أكثر من التي وصلتنا، غير أنّ الأهمّ هو البحث عن الإيجابيات بوجود مواهب تستحق الاهتمام مستقبلا.

ألم يقل الشاعر الراحل سركون بولص (1944- 2007): “حثُّوا الخطى نحو بيت الحياة الذي لا يموت”، وها نحنُ نحثّ خطوة باتجاه لفت الأنظار إلى إمكانيات الأطفال والأجيال الجديدة التي لا تنقصها سوى الرعاية، سواء من المؤسّسات الرسميّة أم من المنظّمات الفاعلة في الساحة الثقافيّة.

ولتأكيد أنّ أصوات هذه “البراءة الجديدة” في الشعر والرسم أيضا، من أهمّ عناوين الحياة التي تضيق مساحتها اليوم، وضعنا عبارة صاحب كتاب “حامل الفانوس في ليل الذئاب” على لوح الجائزة الذي تسلّمه الفائزون في الاحتفاء بهم.


القصائد الفائزة


ونقتطف هذه الأبيات من قصيدة “الإصرار على العمل” للطفل الفائز بالجائزة الأولى عبدالحق فاضل حسين: “من نملة صغيرة/ تكنسها الريح إذا هبت/ أو إذا ثار الغبار/ تعلّم القائد المهزوم/ درسا اسمه الإصرار/ لأنّها تحاول/ تحاول/ دون أن تمل/ حتى يضجر التكرار".

في حين يقول الطفل تميم لؤي حمزة الفائز بالجائزة الثانية مناصفة في قصيدته “تمثالي”: تمثالي لماذا لا تسمعني؟/ فلك جسمي ولي جسمك/ فلماذا لا تكلّمني؟/ أنا مثلُك وأنت مثلي/ ولكني لا أراك تمشي/ فيحزنني وقوفك/ وتحزنني من شدّة خوفك..”.

وجاء في نصّ “غنوة” للفائزة بالجائزة الثانية أيضا، روان سالم: “أمّي حلوة/ أجمل غنوة/ تنهض في الصّبح من أجلي/ توقظني فأقوم بسرعة/ أمّي زهرة في البستان/ تعطي عطرا للإنسان/ تشعل شمعة/ تزرع وردة/ مثل رسول للإيمان”.

هذه "البراءة الجديدة" في الشعر والرسم أيضا، من أهمّ عناوين الحياة التي تضيق مساحتها اليوم

ونطالع في “المستقبل”، القصيدة الفائزة بالجائزة الثالثة مناصفة، للطفلة دانية صدوق أبوطالب: “سأتقدّم إلى الأمام/ لن أنظر إلى الخلف/ سأرى مستقبلي/ أمامي../ وأضع أخطائي خلفي".

ومما تقدّم به الطفل أبو الفضل صفاء في نص “يا رحلتي”: يا رحلتي يا رحلتي/ أنت مكان راحتي/ أحفظ فيك كتبي/ كأنك حقيبتي/ أجلس فيك هادئا/ وأرقب سبورتي/ أتركك نظيفة/ في شعبتي وفرصتي..”.


الأطفال رسامون أيضا


ولكي نمضي في محاولة التأسيس لمسابقة واعدة ومتفرّدة، فتحنا الباب في الهيئة الإدارية لبيت الشعر أمام مواهب في الرسم، لأطفال أيضا، إذ تلقينا فعلا رسومات من داخل العراق وخارجه، وكانت المفاجأة مع إمكانات تستحق الإشادة حقّا، منهم مثلا الطفل أمين صابر من السويد، وآية عباس وتبارك جعفر جواد من بغداد، ومؤمل لؤي من البصرة.

ليكون كتاب “نبض الكتابة”، وهو الثاني ضمن سلسلة إصدارات البيت في العام 2014، مجسّدا لكلّ هذه المبادرة، عبر نشره نصوصا للأطفال الفائزين أو الذين لم يتمكنوا من الفوز بجائزة من الجوائز، وليحتضن المطبوع الجديد في 100 صفحة منه، هذه المحاولات المكتوبة بمصاحبة الرسومات المشار إليها أعلاه.

15