طفل اليوم أقل حظا من الأجيال السابقة

الكتابة للطفل أمر بالغ الدقة والأهمية، حيث لا يتوقف الأدب المكرس للطفل عند تقديم جماليات مختلفة، بل يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ يشكل أدب الطفل علاوة على ذائقته وعيه المستقبلي. فأدب الطفل يكتسي أهميته لا من الحاضر فحسب بل من المستقبل أيضا. هنا حوار مع الكاتبة المصرية أمل فرح حول أدب الطفل الذي خطت فيه تجربة تجاوزت الـ20 عاما.
الأربعاء 2017/05/10
كتب الأطفال جسور إلى المستقبل

القاهرة – ترى الكاتبة المصرية أمل فرح أن الكتابة للطفل هي أرقى وأهم مهنة يمكن أن يمتهنها الإنسان، وتتمنى الفوز بجائزة هانز كريستيان أندرسن لأدب الطفل حتى يعبر أدب الطفل العربي إلى العالمية.

جائزة عالمية

فرح (48 عاما) هي الكاتبة العربية الوحيدة المرشحة لنيل جائزة هانز كريستيان أندرسن 2018 وهي أرفع جائزة دولية في مجال أدب الطفل، وتحمل اسم الكاتب والشاعر الدنماركي الراحل الذي عاش بين 1805 و1875.

تأسست الجائزة في 1956 وتمنح كل عامين لكاتب عن مجمل إسهاماته في مجال الكتابة للأطفال، وقد أضيف إليها فرع الرسوم منذ عام 1966.

تقول الكاتبة المصرية “هذه الجائزة من نوعية الجوائز التي إذا ترشحت إليها تكون كأنك حصلت على الجائزة فعليا. أما الفوز بها فهو بمثابة الحصول على جائزة ثانية”.

وتضيف فرح “الترشح للجائزة فتح أمامي أبوابا كثيرة. أحسّ بأنه أصبح لديّ عمر في هذه المهنة يتجاوز العشرين عاما، إضافة إلى ترجمة عدد من كتبي بحسب شروط الترشح، لأن لجنة التحكيم تحتاج إلى قراءة خمسة أعمال على الأقل من أعمال كل مرشح”.

ورشح المجلس المصري لكتب الأطفال في دورة 2018 أمل فرح للجائزة في فرع الكتابة، ورشح الفنان التشكيلي حلمي التوني (83 عاما) في فرع الرسوم.

تقول فرح “إذا فاز الأستاذ حلمي بالجائزة فسيكون هذا فوزا لي أيضا، لأنه أول من ساعدني على نشر كتاب. بدأت بكتابة قصص للأطفال في دوريات مختلفة، لكن أول كتاب أصدرته كان بفضل حلمي التوني الذي وضع فيه رسومه بنفسه. ثم إن تتويج أحدنا هو فرصة لعبور الأدب والإبداع العربي إلى النطاق الكوني والمكانة التي يستحقها عالميا في مجال أدب الطفل”.

أمل فرح: الكتابة للأطفال أرقى ما يمكن أن يحصل عليه المرء في الحياة

ويتنافس على الجائزة 35 كاتبا وكاتبة من مختلف أنحاء العالم. هذا وتعلن لجنة التحكيم عن اسم الفائز أو الفائزة على هامش معرض بولونيا لكتب الأطفال في يناير 2018.

تقول فرح إنها بدأت الكتابة للأطفال منذ سنة 1995 وهو العام نفسه الذي أنجبت فيه ابنتها الأولى نسمة. تقول الكاتبة “قبل ذلك كنت أكتب الشعر العامي وأشتغل بالصحافة. لكن الكتابة للأطفال بدأت سنة 1995 وأنتجت منذ ذلك الحين نحو 37 كتابا. وأعتبر أن هذا رقم كبير رغم أنه قد يبدو ضئيلا أمام كتاب آخرين أفنوا أعمارهم في الكتابة للأطفال. فالكتابة للأطفال أرقى ما يمكن أن يحصل عليه المرء في الحياة لأنه يكتب لطفولة العالم”.

الكتابة للطفل

من بين أبرز الكتب التي أصدرتها فرح نذكر “نقطة ونصف دائرة وخط” و”السيد ليل والشمس” و”أين اختفى آخر الديناصورات؟” و”النهايات السعيدة” و”أريد أن أكون سلحفاة”، الذي حصل على جائزة اتصالات الإمارات لكتب الأطفال.

تمكنت فرح من نيل العديد من الجوائز خلال مشوارها الأدبي، منها جائزة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) للتسامح في كتب الأطفال عام 2002، وجائزة آنا ليند من كندا، وجائزة سوزان مبارك في أدب الطفل.

تقول الكاتبة “أفتخر بهذه الجوائز جميعها لأنها تمنحني إحساسا بأنني أسير على الطريق الصحيح. لكنني أظل في حالة مساءلة دائمة لنفسي وأحاسبها على كل قصة وحكاية أسطرها للطفل وأسأل هل ما أكتبه يليق بالطفل حقا ويضيف إليه؟”.

تتابع قائلة “الخوف من الكتابة للأطفال ينبع من أنه بعد عدد من السنين ستجد نفسك مسؤولا عن شاب لديه عدد من القناعات ترسخت داخله من خلال ما قدمته له في الكتب وما تضمنته من قيم ومبادئ وأفكار”.

ومن فرط إيمانها بالكتابة للطفل أسست أمل فرح بالتعاون مع زوجها الفنان التشكيلي مجدي الكفراوي دار شجرة للنشرة في 2015 حتى تستطيع التعبير عن أفكارها وتحقيق أمنياتها للطفل بحرية أكبر.

تقول عن هذه الخطوة “لم أكن أسعى للربح المادي عند تأسيس دار النشر، فقط كنت أتمنى تقديم مجموعة من الكتب عندما يقرأها أولادي وأحفادي أفخر أمامهم بأنني قدمت نوعية مختلفة من الكتب. لكن وجدت أن الأمور تسير بشكل جيد وأن هناك إقبالا كبيرا على تداول كتب الأطفال. وقد أطلقت اسم ‘شجرة‘ على الدار لإيماني بأن الكتاب الورقي ابن الطبيعة وأن الورقة بنت الشجرة التي لن تنتهي أو تفنى. سيظل الكتاب الورقي لب المعرفة مهما تغيرت الأمزجة وتطورت التكنولوجيا”.

وعن ارتفاع أسعار مطبوعات الأطفال من كتب ومجلات تقول فرح “هذه إحدى الجمل الجاهزة التي نقدمها مبررا لإهمالنا حق أطفالنا وتثقيفهم. ثمن الكتاب قد يساوي ثمن وجبة جاهزة من مطاعم الوجبات السريعة غير الصحية ومع ذلك لا نجد أي غضاضة في شراء الوجبة لأطفالنا لإسعادهم ونقف أمام الكتاب ونعتبر سعره غاليا. نردد دوما أن الكتب غالية، بينما كل شيء سعره يرتفع بالتأكيد مع الوقت، لكن الكتاب احتياج ضروري للطفل وليس ترفا. عندما نقدم المال للطفل لشراء كتاب فهذا ليس ترفا. نحن ندربه على عملية الاختيار وننمي لديه إرادة المعرفة ونعزز لديه مفهوم أن العقل يحتاج أن نملأه تماما مثل المعدة”.

رغم تزايد مصادر المعرفة وسهولة الحصول على المعلومات في عصر الإنترنت فإن فرح تشفق على طفل 2017 وتعتبره أقل حظا من الأجيال السابقة.

الطفل لا يبدع إلا إذا كانت "ماكينة الخيال" في عقله تعمل بشكل جيد

تقول الكاتبة “طفل 2017 أقل حظا من الأجيال السابقة لأننا تركناه أسيرا للتقنيات بعيدا عن المهارات. الأجيال السابقة كانت تقدم إلى الأطفال الفنون والآداب والخدمات المعرفية وبها مساحة للفعل يكون فيها الطفل هو الفاعل حينها. كان الطفل يمسك الكتاب وهو الذي يرسم صورته ويلونه لأن الكتاب في السابق لم يكن ملونا، وينسج من خياله العلاقات بين الشخصيات ويضفي على كلام كل شخصية نبرة صوت يختارها ويتوقعها. أما بعد ظهور المحتوى الرقمي لقصص وكتب الأطفال فقد أصبح الطفل يرى هذه الشخصيات منفذة أمامه، تتحرك في شكل فيلم أو مسلسل كارتون، فتراجع خياله تدريجيا”.

وترى فرح أنه كلما نقصت مساحة الخيال عند الطفل قلت قدرته على الإبداع. فالطفل لا يبدع إلا إذا كانت “ماكينة الخيال” في عقله تعمل بشكل جيد. وطفل هذه الأيام يمسك الهاتف المحمول في يده طوال الوقت ونعتقد أنه كلما برع في مجاراة الألعاب الإلكترونية فهو ذكي لكن هذا ذكاء آلي يقوم الطفل بتسليم عقله إلى آلة تم تصميمها وتنفيذها بواسطة آخر، لكنها لن تتطور وتتقدم دون تفكيره وإبداعه فإذا لم يكن فاعلا سيتوقف خياله وإبداعه”.

لا تجد فرح أي مشكلة في الكتابة للطفل بأي موضوع شرط اختيار اللغة السليمة والمفاهيم البسيطة والتزام الصدق مؤكدة أن الأطفال يتمتعون بذكاء حاد وقدرة على التمييز بين الصادق والكاذب.

تقول “الأطفال هم الكائنات النقية الذكية التي تملك قدرة الإنسان البدائي على الاكتشاف والحركة والمغامرة والاندهاش، وتملك في الوقت ذاته قدرة الإنسان المتحضر على الوعي والسلوك والإحساس، وقدرة الإنسان المستقبلي على الإنجاز”.

وعن خططها تقول فرح “أعمل حاليا على وضع كتاب عن الموت لفئة اليافعين من 9 إلى 12 عاما، كما أكتب أول رواية لأطفال سيكون عنوانها ‘قالت الراوية‘ وأتمنى الانتهاء منها قبل نهاية هذا العام”.

15