طفل اليوم لا يتقبل دراما صلاح جاهين أوموسيقى محمد فوزي

"صحصح لما ينجح".. ريبرتوار يعيد مسرح الطفل إلى حواديت ما قبل النوم.
الخميس 2020/01/23
حكايات قديمة مملّة

من سمات المسرح المصري في الآونة الأخيرة الاتكاء على تجارب سابقة ونصوص قديمة، سواء من المسرح المصري والعربي والعالمي، على أن نجاح هذه العروض الاستعادية يبقى دائمًا مرهونًا بالإضافة التي تقدّمها المعالجات الجديدة، وهو ما لا نراه في العديد من الأعمال المستعادة.

شكّلت مسرحية الأطفال الكلاسيكية “صحصح لما ينجح”، المعروضة على مسرح العرائس بالقاهرة، واحدة من تجارب الريبرتوار الفجة، فمن المستحيل مخاطبة طفل عام 2020 بالصياغة ذاتها التي تعامل بها المؤلف صلاح جاهين والملحّن محمد فوزي والمخرج صلاح السقا مع الأطفال في ستينات القرن الماضي.

نجاح العروض المستعادة مرتبط بكثير من العوامل وخاصة منها مدى ملاءمتها للعصر، ولطبيعة الجمهور وقضاياه وانشغالاته واهتماماته في الواقع الحالي. أما أن يجري تقديم عرض قديم، كما هو، في إطار “الريبرتوار”، فهو مؤشّر مبدئي إلى الإفلاس والعقم، ومغامرة غير مأمونة العواقب، خصوصًا إذا كان العرض ينتمي إلى مسرح الطفل الذي تطور كثيرًا ونضج بشكل كبير طرفاه الأساسيان: المسرح والطفل ذاته.

مصابيح اليقظة

ما هدفت إليه فرقة مسرح القاهرة للعرائس بهذا العرض هو استعادة تراثها المضيء ونجاحاتها السابقة في زمن الفن الجميل، لكن النوايا الطيبة وحدها لا تكفي بطبيعة الحال، فالمسرحية التي أنتجت للمرة الأولى في عام 1963، جرى تقديمها من جديد بالآليات التقليدية، وبالكلمات والأشعار والألحان والتوزيعات والعناصر المسرحية نفسها، دون أيّ إضافات جوهرية تواكب روح العصر ومقتضيات التقنية والإبهار والصناعة المسرحية المتفوقة في ميدان مسرح العرائس.

أهدرت المسرحية تماما البُعد الزمني، سواء ما يتعلق بوعي الطفل المعاصر المنفتح على نوافذ المعلومات والاتصالات والإنترنت، وما يتعلق بالحصاد العلمي والمعرفي المقدّم في حصص المدرسة بالمسرحية، وحصص البيت أيضًا، للتلميذ النجيب المشاكس “صحصح”، بهدف تعليمه وتربيته في آن.

على الرغم من أن عنوان المسرحية هو “صحصح” (استيقظْ)، بمنطق الستينات، فإن المسرحية جاءت في محصّلتها أقرب إلى حواديت ما قبل النوم، بطابعها المخملي، وهي الصيغة النمطية التي سعى مؤلفون مجددون إلى تجاوزها بأبنية مضادة ومناهضة، كما في “مسامرة الأولاد كي لا يناموا” للراحل محمد عفيفي مطر (1935 – 2010)، وهي نصوص درامية تخييلية تستنفر اليقظة لدى الأطفال، ولا تخاطبهم بأسلوب تلقيني أحادي.

أرادت المسرحية إشعال مصابيح اليقظة، لإنارة طريق الطفل “صحصح” بالقيم التربوية والأخلاقية والمعلومات الصحيحة، في العلوم المختلفة وفي الشأن العام، واتخذت أسلوب الثواب والعقاب، والترغيب والترهيب، لتحفيز الطفل “صحصح” على الاجتهاد، من خلال وعود أبيه وأمه له بهدية حال نجاحه بتفوق، هي ساعة يد ثمينة.

العمل خلطٌ بين مسرح العرائس وأنماط مسرحية أخرى مثل المسرح التعليمي، كما جاء بأفكار قديمة ومكررة

في إطارها التوجيهي، تحولت المسرحية فعليًّا إلى مجموعة من الحصص، بعضها في المنزل، وبعضها في المدرسة، وفيها كلها بدا الطفل صحصح سلبيًّا ساذجًا، غير مدرك ما يثار حوله من أمور، حائرًا عند توجيه تساؤلات إليه، ويبقى على ضلاله إلى أن يقوم الملقّن الفوقي (الأب/المعلّم/الشمس/الزهرة/الساعة.. إلخ) بتعريفه الإجابة الصحيحة، وشرحها له على نحو تفصيلي، بعد أن يخطئ قبلها في العديد من المرّات.

مضت المسرحية على المنوال ذاته، وصحصح “العجيب الظريف الحبّوب الننّوس”، بوصف والديه، يتلقى التوجيهات الاجتماعية المباشرة والمعلومات العلمية البدائية في حصص الجغرافيا “الأرض كروية” والحساب “جدول الضرب” والنصوص “دقات قلب المرء قائلة له.. إن الحياة دقائقٌ وثوانِ”، والتاريخ “معنى الزمن”، وغيرها.

كثيرة هي الإرشادات والنصائح العامة التي قدمتها المسرحية للطفل صحصح بأسلوب طريف وأشعار مغنّاة، من خلال كائنات محببة: الشمس (حديث النشاط)، والساعة (أهمية الوقت) .

كان على صُنّاع المسرحية ومصممي عرائسها، بإشراف الفنان محمد نور مدير مسرح العرائس، أن يأخذوا في اعتبارهم خصوصية مخاطبة الطفل، وأن الأساليب والأخيلة وأشكال العرائس وطرق تحريكها والمفردات التي تتلفظ بها والأشعار التي تنشدها والألحان ذات الإيقاعات البطيئة والتوزيعات القديمة والحركة المحدودة على المسرح والديكور التقليدي، وسائر عناصر التوليفة المسرحية في “صحصح لما ينجح”، كلها أمور باتت خارج الزمن.

خصوصية الطفل

التلقين انتهى منذ زمان
التلقين انتهى منذ زمان 

اعتاد طفل اليوم مشاهدة مسرحيات حيّة وأعمال بصرية حديثة وتقنيات متطورة ونصوص تفاعلية تحترم عقله وذكاءه وتعامله كشخص ناضج مكتمل الأهلية، لم يكن لينجذب إلى هذه الخيوط التي حاولت تحريكه من الخارج كعرائس الماريونيت، دون إقناعه وامتلاكه وزلزلته داخليًّا، وبالتالي فإنه خرج من المسرحية دون أن تُحدث فيه التأثير المنشود، على مستوى الرسالة والتوجيه والإمتاع والتشويق.

لقد خلطت المسرحية بين مسرح العرائس وأنماط مسرحية أخرى مثل المسرح التعليمي، فإذا كانت العرائس لها فاعلية السحر في الإقناع أكثر من الشخصيات الحقيقية، لأن الإنسان قد يتقبل من الدمية ما لا يتقبله من إنسان مثله، فإن الأسلوب الذي أديرت به المسرحية حدد الكثير من طاقات العرائس وقدراتها الاستثنائية في الإدهاش، وألبسها أثوابًا مدرسية، فبدلًا من أن تساعد الطفل على الانطلاق خارج حدود الفصل، أدخلته إلى مجموعة فصول جديدة.

بقيت مفارقة أخيرة غير مفهومة، هي أن حصة المحفوظات أو النصوص في المسرحية، ظهرت فيها سبورة الفصل وكتب المعلّم عليها تاريخ اليوم (18 – 5 – 2017)، وهو أمر غير مبرر في العرض، فلا هو توقيت عرض المسرحية في ظهورها الأول عام 1963، وهو التاريخ الملائم لتجربة الريبرتوار واندهاش الطفل بالساعة والراديو، ولا هو تاريخ عرضها الأخير في 2020، دون أيّ محاولة لتحديث المعالجة والصياغة، ويبدو أنها إشارة شكلية للإيهام بأن تجديدًا ما قد طرأ على العرض، وهذا ما لم يحدث في حقيقة الأمر.

14