طفل تغلب على آلامه باختلاق الحكايات

الفنان التونسي الراحل أسس مدرسة سينمائية متفردة أساسها الاشتغال على الذاكرة والهوية والبحث عن خصائص البيئة الأفريقية.
الخميس 2018/03/01
الطيب الوحيشي مكرما في مهرجان الإسكندرية السينمائي في دورته الـ30

تونس - برحيل “طفل الشمس” الحالم السينمائي التونسي الطيب الوحيشي (1948/2018) فقدت السينما التونسية والعربية مخرجا متفردا صاحب لمسات جمالية ساحرة، وصاحب نظرة استشرافية عميقة، وفقدت الساحة الثقافية العربية شاعرا حالما ومبدعا ذا روح إنسانية كونية.

ولد الوحيشي يوم 16 يونيو 1948 بمدينة مارث بالجنوب التونسي، وبعد أن أنهى المرحلة الأولى من التعليم في تونس تابع دراسته العليا في فرنسا ليتخرج من معهد السينما في باريس، ويبدأ رحلة البحث عن أسطورته الشخصية وأحلامه الأبدية وحكاياته المنسية.

وترك المخرج التونسي الراحل الطيب الوحيشي الذي وافته المنية في الحادي والعشرين من فبراير الماضي أعمالا سينمائية لافتة أثرث الخزينة السينمائية العربية والأفريقية، نذكر منها “الطريق المتقاطع” (إنتاج 1970) و”التماثيل” 1971، و”قريتي قرية بين القرى” الحائز على التانيت الذهبي في مسابقة الأفلام القصيرة في أيام قرطاج السينمائية 1972، وفيلمه المميز “ظل الأرض” 1982 الذي توّج في أسبوع النقاد بمهرجان كان الدولي، كما تحصل فيلمه “غوري.. جزيرة الجد” على جائزة لجنة التحكيم الخاصة بالجزائر، وجوائز أخرى في ميلانو وواغادوغو ومونتريال وجوهانسبرغ وروتردام.

كما قدم الراحل أفلاما أثرث في أجيال من المخرجين والفاعلين السينمائيين، مثل ”عرس القمر” و”أهل الشرارة” و”رقصة الريح” وفيلمه الأخير “همس الماء” الذي عرض في الدورة الأخيرة من أيام قرطاج السينمائية، كما وقع تكريمه في مهرجان الإسكندرية السينمائي عن فيلمه “طفل الشمس” الذي أخرجه سنة 2014.

مازال السينمائي التونسي الطيب الوحيشي طفلا حالما متحديا ظروفه الصحية وآلامه مُردّدا “لا شيء ينتهي بالنسبة لي، سأواصل الحلم” حتى أخذته المنية إلى سفر أبدي لقريته الأولى في الحادي والعشرين من فبراير الماضي مخلفا وراءه روائع سينمائية كثيرة على غرار فيلمه “قريتي قرية بين القرى” الذي فاز به بالتانيت الذهبي لأيام قرطاج السينمائية سنة 1972

بين بروست والوحيشي

تذكرنا قصة حياة الطيب الوحيشي بالبعض من يوميات مارسيل بروست (1871 /1922)، رغم أنهما ولدا في فترتين متباعدتين نسبيا وعاشا في بيئتين ثقافيتين مختلفتين، إلاّ أن أشياء كثيرة فضلا عن المرض والظروف الصحية القاهرة تجمع الكاتب الفرنسي بالمخرج السينمائي التونسي.

أصيب بروست منذ طفولته بمرض الربو، وابتعد عن المجتمع مع حلول سنة 1897 بعدما ازدادت حالته الصحية سوءا، بينما تعرض الوحيشي لحادث مرور خطير وأليم سنة 2006 جعله مقعدا تماما وغيّر مسار حياته.

ورغم ذلك كله أكمل بروست مسيرته الفكرية الإبداعية بتميز وفرادة جعلته أشهر كتاب عصره، خاصة بعد أن خرج علينا برائعته “البحث عن الزمن المفقود” التي أهلته لأن يفوز بجائزة غونكور سنة 1919.

وأكمل الوحيشي مسيرته الفنية ليؤسس مدرسة سينمائية متفرّدة تقوم على الانتقائية الدقيقة في الصورة والاشتغال على الذاكرة والجذور والهوية والبحث عن خصائص البيئة الأفريقية، مازجا ومغلفا كل ذلك بنفس حالم وبخلطة عجيبة ناجحة بين الذاتي والموضوعي، وهو نفس ما برع ونجح فيه مارسيل بروست في رواياته.

ولعل هذا التميز والنجاح والفرادة في المسار الإبداعي، رغم كل هذه المعاناة والظروف الصحية القاهرة، جاءت نتيجة إصرار وتحد كبيرين حاول من خلالهما المبدعان تحويل الألم إلى أمل واختلاق وافتكاك الحكايات من بين براثن المرض، ما جعل بروست يترجم كل ذلك في اعتراف جميل “إننا نتمتّع بموهبة اختراع الحكايات كي ندغدغ ألمنا”، وهو نفس ما حاول تجسيده الطيب الوحيشي في كل مسيرته وأفلامه، ولكن خاصة بعد تعرضه للحادث الأليم، فمن قال إن خواطر المبدعين لا تلتقي وأن أحلامهم لا تتشابه حد التطابق.

التقيت المخرج الصديق الطيب الوحيشي أكثر من مرة، واكتشفت فيه ثقافته الموسوعية وحبه الكبير لفنه وصدقه، وعلى إثر زياراتي المتكرّرة لبيته في ضاحية المرسى بتونس العاصمة دخلت عالمه الجميل، واكتشفت شغفه الكبير بالقراءة من خلال مكتبته الثرية التي تحتل شطر البيت.

وتأكدت من حرصه الكبير على التفاخر بانتمائه الأفريقي وحديثه بحب عن ذلك من خلال المقتنيات والتحف الأفريقية التي تزيّن كل الجدران.

وكان هذا اللقاء سنة 2014 على إثر خروج فيلمه “طفل الشمس” الذي يعبّر بوضوح عن التوجه المعتاد للطيب الوحيشي ويحمل داخله اختصارا لجوهر مشروعه الفني، وهو ما أكده هو نفسه حين سألته عن الأبعاد الرمزية والمضمونية لهذا العنوان “طفل الشمس”، حيث قال “في اعتقادي أن العنوان ينبغي أن يتطابق مع الموضوع ومع فحوى العمل الفني والإبداعي ككل، وقد اكتشفت صدفة أن أغلب عناويني تأتي من دراساتي الفلسفية لآثار غاستون باشلار، والعنوان يعطينا دائما صورة شاعرية أبحث عنها وأرجو أن تكون موجودة في أعمالي”.

وحكاية الفيلم بسيطة، ولكنها ليست بريئة، تحكي قصة ثلاثة شبان يسهرون إلى مطلع الفجر وبعد ليلة صاخبة يقتحمون منزلا ويجدون أنفسهم أمام شخص يكتشفون أنه كاتب أدبي ومن ثمة تبدأ حبكة الفيلم وقصته التي تحمل شيئا من التلاعب والتشويش من قبل الكاتب.

وأضاف “أبعاد هذه القصة بدت لي عميقة، لأن فيها بحثا عن الهوية وعن الأب، والأب هنا يفهم دون العودة إلى فرويد ومفهوم قتل الأب، وأيضا بحثا عن القرية بكل ما تحمله من أبعاد رمزية، كما تشير قصة الفيلم إلى موضوع دور الكاتب والمثقّف وأيضا إشكالية علاقتنا بالآخر والهويات المتعدّدة للإنسان العربي، فهو المسلم والبربري والمتوسطي والأفريقي”.

«طفل الشمس» وغيره من عناوين أفلام الطيب الوحيشي استمدها الراحل من دراساته الفلسفية مضيفا إليها نزعة شاعرية
«طفل الشمس» وغيره من عناوين أفلام الطيب الوحيشي استمدها الراحل من دراساته الفلسفية مضيفا إليها نزعة شاعرية  

تعانق الذاتي بالموضوعي

في جانب آخر يشدّد الطيب الوحيشي على مسألة تعانق الذاتي بالموضوعي، من خلال إجابته عن سؤال أن قصة الفيلم تحمل الكثير من سيرته الذاتية، وهل نحن أمام فيلم يؤرخ لحياته الشخصية، بقوله “أي عمل فني ليست فيه مراوحة بين الذاتي والموضوعي لا أعتبره عملا إبداعيا، فكل عمل إبداعي فيه شيء من الذاتية، وأنا مثلا انطلقت من هذا الحادث الفظيع الذي تعرّضت له، وهو قدري، ولكنني لم أقتصر على ذلك، بل إن حبكة الفيلم معقّدة وفيها الكثير من الأحداث الخيالية”.

بصفة عامة، السينما تعتمد على المشهد وتحاول أن تقدّم للمتفرج شيئا يليق به ويتلاءم مع ذوقه وتريد أن تؤثّر فيه وتحفزه على التفكير، وهو تماما تصوّر الراحل للسينما، حيث تعوّد في أعماله الانطلاق من واقعة وقعت له.

وأضاف “أنا أقرّ بأن الفن ذاتي أو لا يكون، وهذا مثلا ما سار عليه وودي ألان وبارغمان وجون هوستن، غير أن هذه الذاتية ينبغي ألاّ تطغى على المواضيع الرئيسية التي يتطرّق إليها العمل الفني، وللأسف حالة التخلّف التي نعيشها في الوطن العربي وفي دول جنوب المتوسط تفرض علينا طرح قضايا وتساؤلات ملحة وآنية ومهمة والابتعاد عن الأسئلة الذاتية، ويجب ألاّ نغض الطرف باسم الإبداع عن مواضيع آنية خطيرة تستحق التطرّق إليها بجدية”.

ويرى الراحل أن الإنسان العربي أصبح يتساءل عن دينه وثقافته وحضارته وشخصيته وتاريخه وهويته، و”لا يجد نفسه بين كل هذه التجاذبات التي أصبحت خطرة على حياتنا ووضعنا الأمني”، كما قال حينها لـ”العرب”.

وعن قضية الاشتغال على الذاكرة والبحث عن الجذور والذات كثيمة أساسية في أغلب أعماله، أكد المخرج التونسي الراحل الطيب الوحيشي “بالنهاية أستطيع أن أقول إن مشروعي الفني ينبني على الإنسان في إطلاقيته”.

16