طفل سوري يبهر الناس برقصة المولوية المتوارثة في عائلته

عائلة الطفل أنس الخراط الدمشقية توارثت طقوس الصوفية جيلا بعد جيل ولم يتخل أفرادها عنها رغم انشغالهم بتأمين متطلبات حياتهم اليومية.
الأربعاء 2021/05/12
طفل الثلاث سنوات يتبع خطى إرث عائلي عمره قرن

تحافظ عائلة دمشقية من أكبر أفرادها إلى أصغرهم، والذي  لم يتجاوز سنه الثالثة بعد، على امتداد نحو قرن على توارث طقوس رقصة المولوية الصوفية جيلا بعد جيل. وتحرص على إمتاع السوريين بعروضها في المقاهي والشوارع متحدية الأزمتين الاقتصادية والصحية العاصفتين بالبلاد.

دمشق- يُبهر أنس الخراط، ذو السنوات الثلاث، داخل أحد مطاعم دمشق القديمة، الحاضرين وهو يدور بسرعة حول نفسه محافظا على توازنه، فيخطف الأنظار من بقية أفراد عائلته التي توارثت رقص المولوية الصوفية منذ قرن.

ويفرد أنس وهو أصغر دراويش سوريا يديه بينما يرقص، متوسطا والده مؤيّد الخراط وابن خالته. وتحلّق أثوابهم البيضاء الطويلة حولهم عند دورانهم بسرعة على وقع ابتهالات روحية تلازم هذا الطقس الصوفي خلال السهرات الرمضانية.

ويواظب مؤيّد (28 عاما)، بائع العطور، على تعليم ابنه هذا الفن رغم صغر سنّه. ويقول “تعلّم أنس هذه الرقصة قبل أن يتعلّم الكلام، وهو أصغر الدراويش في سوريا”، مضيفا “مع انضمامه إلى فرقة الراقصين، بات عشرون شخصا من عائلتنا اليوم يتقنون رقص المولوية”.

وتوارثت عائلة الخراط، إحدى أكبر العائلات الدمشقية، طقوس الصوفية جيلا بعد جيل. ولم يتخل أفرادها عنها رغم انشغالهم بتأمين متطلبات حياتهم اليومية في ظلّ أزمة اقتصادية تعصفُ بالبلاد التي دخل النزاعُ فيها عامه الحادي عشر.

أنس الخراط أصغر الدراويش في سوريا

ويقوم أساس الرقص الصوفي على مبدأ الدوران حول النفس من اليسار إلى اليمين، بلباس أبيض فضفاض، مع التأمّل لبلوغ النشوة الروحية. ويٌطلق على مؤدّي هذا الفن تسمية “الدراويش”، أي البُسطاء والزاهدين في الدنيا.

وولد هذا الفن في القرن الثالث عشر عندما أسس الشاعر الصوفي جلال الدين الرومي الآتي من طشقند الطريقة المولوية الصوفية التي انبثق عنها الدراويش في قونية في جنوب تركيا. ولم تطرأ على مرّ الأزمنة أيّ تعديلات على حركات هذا الفن المنتشر في دول إسلامية عدة.

ويقول مؤيّد “الصوفية بشكل عام طريقة تعبّد وسموّ إلى الله.. والمولوية واحدة من طرق الوصول إلى الله”. وتتلمذ مؤيد على يد جدّه ثمّ عمّه ثم أبيه. وتدرّب منذ نعومة أظافره حتى بات بإمكانه اليوم القيام بعشرات الدورات حول نفسه في الدقيقة الواحدة، “من دون أن يبتعد شبرا واحدا عن نقطة وقوفه”. فذلك، على حد قوله، يساعده على إفراغ الطاقة السلبية من داخله.

وتابع “كلّما أشعر بالضيق جراء ظروف الحياة والوضع المعيشي والأزمة التي مررنا بها، عندما أشعر بضغط شديد، أختلي بنفسي في غرفتي وأدور وأدور حتى أشعر بالراحة النفسية”.

ويساعد مؤيد قبل بدء جلسات التدريب أنس كثير الحركة مع ابتسامة لا تفارق وجهه، على ارتداء زي الدراويش. ويتألف من ثوب أبيض فضفاض، يزنّره حزام غالبا ما يكون أحمر اللون. ويرتدي الدراويش عادة قبعة أسطوانية الشكل، بنّية اللون “أقرب ما تكون إلى لون الأرض والتراب الذي جاء منه الإنسان ويعود إليه” كما يشرح مؤيد.

وقد يعتمرون أحيانا طرابيش سوداء ترمز بشكلها المتطاول إلى حرف الألف، أول حروف الأبجدية العربية وأول حرف من كلمة “الله”.

وعلى أنغام أناشيد دينية وابتهالات لله يؤديانها، يدرّب مؤيد وشقيقه الأكبر محمود عددا من الأطفال على الدوران حول أنفسهم في باحة منزل العائلة. يبلغُ مؤيّد حالة تعزله عن محيطه خلال دورانه مغمض العينين، فيما يقلّده أنس بشكل عفوي.

ويعمل محمود (34 عاما) على تصحيح حركات يد الأطفال خلال الدوران. موضحا “مدّ اليدين نحو الأعلى إشارة لطلب الرحمة من الله والدعاء نحو السماء. وفي قبض الأيادي نحو الصدر دلالة على التذلّل والتواضع إلى الله”.

يقوم أساس الرقص الصوفي على مبدأ الدوران حول النفس من اليسار إلى اليمين، بلباس أبيض فضفاض، مع التأمّل لبلوغ النشوة الروحية

وعلى غرار معظم الدراويش السوريين جال محمود العشرات من الدول الأوروبية لعرض هذا الفن ووصل إلى الولايات المتحدة قبل اندلاع النزاع السوري عام 2011.

وأشار محمود “قبل الحرب، كنا نقيم خارج سوريا أكثر مما نقيم داخلها، تنقلنا بين العديد من الدول لإيصال هذه الرقصة إلى أنحاء العالم”.

لكن بسبب قيود السفر على السوريين، خلال سنوات الحرب، تراجع عدد الحفلات التي يؤدّونها في الخارج، ما دفع العائلة إلى تركيز نشاطها داخل البلاد خلال المناسبات الدينية وبعض الاحتفالات الخاصة.

ولفت محمود “توجّهنا إلى المطاعم والأعراس لإقامة العروض فيها.. والخيم الرمضانية هي فسحة الأمل الأخيرة بالنسبة إلينا”.

ويكاد لا يخلو مقهى من مقاهي دمشق القديمة خلال شهر رمضان، من درويش يؤدّي رقصة المولوية التي تحوّلت إلى طقس دائم يرافق شهر الصوم، فيجول بين الطاولات بعد أن ينتهي الموجودون من طعام الإفطار، ويقدّم عروضا مختلفة أبرزها رقصة الدراويش الشهيرة.

وأكد محمود “بتنا ننتظر شهر رمضان في كل عام بفارغ الصبر لنتشارك هذه الأجواء مع الناس، المولوية لكل زمان ومكان، لكنها أكثر روحانية خلال رمضان”.

24