طفل عربي قارئ ينافس العالم

الجمعة 2016/02/19

أقيم العديد من اللقاءات العلمية عن مستقبل الطفل العربي، وناقش أغلبها طرق تعليمه القراءة، بتقديم منتج مقروء يساعده على بناء مستقبل مشرق له ولمجتمعه، ومع تعدد الموضوعات التي قدّمت خلالها، والتوصيات العلمية التي أعلن عنها، ولكن حتى الآن لا نجد ما يفيد بأنه تمّ تفعيلها وتطبيقها بشكل يعطي النتائج المطلوبة.

قد يكون أطفالنا في المدرسة يتعلمون طرق القراءة السليمة ضمن منهج اللغة العربية، غير أن البعض تطرق إلى السلبيات في مؤتمرات عديدة، إذ لا بد من تدريبهم على قراءة ألوان عدة من المواد، في الآداب والفنون وعلم الأحياء والفيزياء والرياضة، فكتاب المطالعة الذي تتشارك فيه كل مناهج التعليم العربي لا يكفي لبناء عقل الطفل في عالم حركته سريعة تفوق حدود إدراكنا.

لقد تعلم الطفل العربي في المدارس أنه يعيش في أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، وازدحم عقله بمبادئ عروبية قومية، وامتلأت دروس القراءة بمقالات عنها، وتمت محاصرته بصور القادة العرب وتعليقاتهم، التي زيّنت جدران الفصول وساحات المدارس وأول صفحة من الكتب الدراسية، فأصبح عقل الطفل العربي محتلا بوجوه واقتباسات من خطب جمال عبدالناصر وحافظ الأسد والسادات والقذافي وبوتفليقة ومبارك وعلي عبدالله صالح وصدام حسين والملك حسين، وغيرهم ممن تسببوا في تلك الحالة الظلامية التي يعاني منها الآن كل عربي. بالإضافة إلى دروس القراءة البعيدة عن الواقع، مثل “العالم سنة 2000” الذي استمر تدريسه إلى عام 1999، و“الكهرباء في حياتنا” في عالم عرف الكهرباء منذ مئتي عام وانتهى من فهم فائدتها، ودرس “رفيقي الإنسان” في دول تحتوي على أجهزة لا تقدس الإنسانية ولا تحترمها، وأيضا “دعوة إلى الحرية” في مجتمع يخاف فيه المرء التحدث أمام أخيه في السياسة.

على أية حال، ففي إحدى حلقات النقاش حول سلبيات المنتج التعليمي الذي يقدّم للطفل العربي، وضع الباحث أنور فتح الباب -وهو أحد أساتذة التاريخ المخضرمين في محافظة السويس- أيدينا على أسباب ازدياد الجهل والتخلف عند الطفل العربي في مراحل دراسته الأولى، والذي من وجهة نظره “يتلقى أثناء مراحل تعليمه المختلفة رؤية بانورامية عامة مبتسرة، أمام امتداد واسع لفترات تاريخية يدرسها، بالإضافة إلى تقليص المساحة المخصصة لحركات التحرر الوطني والمقاومة، وغياب الرؤى النقدية للشخصيات التاريخية، وغلبة نزعة التمجيد، وإغفال أوجه الضعف والأخطاء، كذلك غياب الحديث عن الجماعات والفرق الإسلامية، وتوضيح أسباب نشوئها تاريخيا، مثل السنة والشيعة”، وهو الأمر الذي يجعله متلقيا جاهزا لكافة الأفكار المتطرفة. ويرى أيضا أن “..غلبة التاريخ العسكري والغزو في منهج التاريخ ودروس القراءة، تظهر الإسلام وكأنه دين حرب وقتال، وأيضا غياب تاريخ الفكر الحديث الشرقي والغربي تماما عن مناهج الدراسة، فيجهل الطالب أي معلومات عن حركات التنوير، التي تحمل مبادئ إنسانية أرقى ممّا يقدّم له”.

وإلى جانب حاجتنا إلى تطوير المناهج التعليمية التي تصاحب الطفل العربي طيلة مراحله الدراسية، نرى أن الطفل يحتاج أيضا إلى معلم قارئ يكون قدوة لتلاميذه يقرأ لهم ويهديهم الكتاب كجائزة ويسألهم حوله، وأب قارئ يوفر الكتاب لأولاده ويشجعهم على اقتنائه، وإلى مسئولي مناهج يضيفون مادة خاصة للقراءة وحدها، تنفصل تماما عن منهج اللغة العربية.

إن القراءة علم قائم بذاته، مثله مثل اللغة العربية والعلوم والدراسات الاجتماعية والرياضيات، لا تقلّ عن أيّ منها، بل ربّما تتجاوزها كلها. فأن يقرأ الطفل معناه أنه لن يحدث ارتداد قطّ إلى الأمية. أن يحسن الطفل القراءة يعني أن تدرس جيدا اللغة والعلوم والآداب والفنون. أن يحب الكتاب، ذلك يعني مستقبلا مليئا بالثقافة والموسوعية والتقدم. أما حين لا يقبل الطفل على القراءة، فإن ذلك يعني توقف نموّ المجتمع كله ثقافيا وتعليميا، وازدياد الجهل والتخلف والانحدار به إلى التطرف والإرهاب. وأخيرا نؤكد، أن الطفل يقرأ حينما يجد مَن حوله يقرأون.

كاتب من مصر

14