طفل يحاسب المسيح

لا يتلقى إلياس ذو الأعوام التسعة، ما يمنحه أملا في الاستجابة، فيخالف الوصايا العشر التي يلقيها بصرامة القسيس، ويسرق تمثال العذراء من الكنيسة.
السبت 2019/10/05
موت غير متوقع لا تستوعبه البراءة

مع رفض الساسة للإنصات، ورغبتهم في تدجين الجماهير، سيأتي تصحيح المسار من قدرة صناع الخيال على إيقاظ الطفل فينا، وتمرد هذا الطفل الذي لم تصدأ روحه، ولم تتيبس مشاعره، على قيم الطائفية والكراهية وتحريم الأسئلة. فإذا كان البعض، في حدود ضيقة، يعيد تسمية نفسه، فمن اختار أبويه وجنسيته ودينه وطائفته؟

في مهرجان الجونة السينمائي (27-19 سبتمبر 2019)، أهدانا مخرجان من لبنان فيلمين يتعرض فيهما الأطفال لتجربتيْ حرب عدوانية وموت غير متوقع لا تستوعبه البراءة.

في الفيلم القصير «أمي» (17 دقيقة) يساعد الأب ابنه إلياس على الاستحمام، بعد الانتهاء من طقوس دفن أمه. ويسأل أباه عما إذا كان السيد المسيح يعرف كل اللغات بما فيها الصينية؟ ويبتسم الأب الذي لم يفكر في هذه المعضلة، ويجيب: نعم. ولا ييأس إلياس، عضو الكورال في الكنيسة، من رجوع أمه. ويتوسل إلى تمثال المسيح، ويستحلفه «بشرفك، ردّ لي أمي»؛ فالمسيح في رأيه لديه أمّ في السماء، ولا يحتاج إلى مَن تترك ابنها يتيما.

ولا يتلقى إلياس، ذو الأعوام التسعة، ما يمنحه أملا في الاستجابة، فيخالف الوصايا العشر التي يلقيها بصرامة القسيس، ويسرق تمثال العذراء من الكنيسة، ويواجه المسيح بأن منطق العدل يتلخص في معادلة/مقايضة بسيطة: أمٌّ بأمّ؛ فعلى المسيح أن يردّ إلى إلياس أمه، لكي يردّ الصبي تمثال العذراء إلى ابنها. يتمرد إلياس وينضج، ويعتمد على نفسه في الاستحمام، ولا يأبه لغضب الكاهن، ووعيده للص بحلول اللعنة والتهام الحريق لبيته. ويتمادى فيحطم التمثال، ثم يدفنه كما دفنت أمه بعد صعود روحها.

الحرب أيضا لا تترك الأطفال أطفالا، في نهار 28 يوليو 1982 تدور أحداث فيلم «1982»، أول عمل روائي طويل (100 دقيقة) لمخرجه وليد مونس. في المشهد الأول إشارة إلى انحياز جورج إلى ميليشيا طائفية، وهو ما ترفضه أخته المدرّسة (نادين لبكي)، وفي فصلها الدراسي قصة حب بين وسام (11 عاما وقام بالدور محمد دالي) وزميلته جوانا التي لا يبالي بدينها. بدا وعي الأطفال أكبر من محاولات المعلمة إلهاءهم عن العدوان خارج المدرسة، وكأن إغلاق النوافذ وإخفاء أخبار العاصفة يجنبهم الخطر. وينبهها طفل إلى ضرورة فتح النوافذ أثناء القصف؛ تفاديا لتحطم الزجاج.

كأن أطفال الفيلمين يقولون: لم نعد صغارا، بإرشاد المعلمة، وبتحدي سلطة السماء، حيث يُخرج إلياس، في فيلم «أمي» قطعة خبز وضعها في فمه كاهن يردد «جسد ودم سيدنا يسوع المسيح»، ويطبق الصبي عليها يسراه، وينتهي الفيلم الذي يهديه مخرجه وسيم جعجع «إلى كل خساراتنا».

24