طفولة في زمن كورونا

إحساس الأطفال بالطوارئ إحساس قاتل، فقدان الدفء الأسري والبعد القسري عن الأبوين ذكرى أليمة لن يمحوها الزمن.
الاثنين 2020/03/30
تأثيرات نفسية صعبة

أشفق على أطفال الكورونا كثيرا، هؤلاء الذين استيقظوا ذات صباح غائم على مقولات ترهيبية عجيبة وجديدة على مسامعهم؛ حجر صحي، إجراءات وقائية، تدابير احترازية، كمامات تخفي معالم الوجوه البريئة، قفازات لليدين، انتزعوا منهم ألعابهم، شدوا وثاق الأبواب على صغار في
عمر الانطلاق وحرموهم من اللهو اللذيذ.

فجأة ودون مقدمات وجدوا أنفسهم أمام قائمة ممنوعات طويلة لا تنتهي؛ ممنوع اللعب في الشارع، ممنوع الاختلاط، حرمانهم من اللقاء بأقرانهم كي لا يعدي أحدهم غيره، وتنتشر العدوى وتتزايد الإصابات، حتى الأهل والأصدقاء، ممنوع القبلات، لا يقبل الطفل أبيه أو أمه وأخوته خشية الإصابة بالوافد الغامض، الشرس، القاتل.

الطفل دائما يضع التواصل الجسدي والعناق الطويل مع الأبوين أحد أهم دلالات الحب، وحين تعاقب الأم طفلها يكون بلفظه عاطفيا وإبعاده عنها، خصام بريء يترجمه الصغير بأنه رفض لأحد سلوكياته، كيف يفسر التباعد بين أفراد الأسرة وانعدام الزيارات العائلية لتقليل الخروج من المنزل أو استخدام وسائل النقل والمواصلات، تلك التي تعيد إنتاج الأمراض على مدار الساعة، وسائل لا تحتاج لفايروس فتاك، هي في ذاتها فتاكة، داخلها ممرض وخارجها قاتل.

هذا الجيل الذي تفتحت عيناه على تلك المفردات، وتشكل وعيه بتجارب غاية في القسوة والشراسة، باتت أهم فترات حياته التي يصنع فيها ذكرياته مشحونة بالمرض والألم والعزل، علاقته بأقرانه يحكمها الخوف.

أتذكر حين كانت تأتي جدتي لأمي لزيارتنا، كنا نتمسك بردائها المزركش بالألوان الزاهية، تحتضننا فنتعلق برائحتها المسكية وبقايا صابون الغار تترك بصمتها على يديها وملابسها، قمة الأمان والسعادة تكمن في حضن جدتي، حكاياتها الدافئة في ليالي الشتاء وهي تحمص حبات الكستناء “أبوفروة” فوق صينية معدنية.

لم نكن نعلم أن حضن جدتي سيختفي للأبد، بعد سعلة طويلة ورجفة شديدة في ليلة باردة، ونظل نحكي عن رائحتها الدافئة سنوات وسنوات، لم نكن نعلم بأن أحداث الطفولة يوما ما ستتحول لذكريات.

أغنيات الفنان الكبير محمد فوزي (ماما زمانها جاية، ذهب الليل وطلع الفجر، هاتوا الفوانيس يا ولاد في استقبال شهر رمضان) والفنان محمد ثروت العديدة، جدو علي ومزرعته الكبيرة، حبيبة بابا رشا شاركتنا ذكريات طفولتنا وتقاسمت معنا الأيام.

ولكن ما بال هؤلاء الصغار في زمن الحظر وتداعيات الكورونا، ذكريات تتوزع بين فقد ومرض وحبس اختياري خوفا من تفشي المرض، فيديوهات تحذيرية عن خطورة المرض، مكبرات الصوت تجوب الشوارع لتحث المواطنين على التزام بيوتهم.

إجراءات تعيق حركة الحياة عامة، وتعيق الطفولة خاصة، قد يدرك الكبار كنه هذه الإجراءات الوقائية، لكن بالتأكيد الصغار لا ذنب لهم، هم غير مدركين البتة لتلك التغيرات السريعة المتوالية، وما شأنهم هم بعالم الكبار وصراعاتهم مع الحياة والموت والمرض، عالم لا دخل للعقول الغضة بتفاصيله التي يرونها مرعبة.

بات الروتين اليومي الممل حلما يتمناه كثيرون، لتعلن الطبيعة انتصارها على الضاجرين، تذكرهم بأن ما كرهتموه بالأمس وتململتم منه تحلمون الآن بالعودة إليه، فهل كان سعادة أغلقت عنها الأعين والقلوب؟

أم هي الطبيعة البشرية الرافضة والساخطة على كل شيء؟

هل سيخرج علينا أحد الأطفال باكيا ويقول سأشكوكم لله، سأخبر ربي بكل شيء؟ يوخزنا بكلمات غاضبة، ونحن أكثر منه عجزا، وخوفا، تملأ نوبات الهلع عالمنا.

لأول مرة ليس في تاريخ هؤلاء الصغار وحدهم ولكن في تاريخنا جميعا تغلق المدارس والجامعات أبوابها وتتأرجح المنظومة التعليمية كلها بين التوقف والاستمرار، وتتعالى صيحات تصل حد الصراخ مطالبة بإلغاء الفصل الدراسي!

يا للعجب! يا للسخرية من عبثية الأقدار بنا حين عبثنا نحن معها، كنا نستدين “وأنا أول هؤلاء” لتعليم أبنائنا، نلهث خلف أفضل النظم التعليمية في العالم، ونجوب البلاد بحثا عن جامعات لائقة توفر تعليما وازنا قادرا على دس بعض المفاهيم الصحيحة في أدمغة أبنائنا بعد ترهل المنظومة التعليمية ببلادنا المصنفة من دول العالم الثالث، واليوم نصرخ: أغلقوا المدارس والجامعات!

إحساس الأطفال بالطوارئ إحساس قاتل، فقدان الدفء الأسري والبعد القسري عن الأبوين ذكرى أليمة لن يمحوها الزمن.

هؤلاء الممنوعون من التعبير عن الحب والتواصل حتى مع أقرب الأقربين لهم، ستتآكل مساحات لديهم حتما.

حياة الأطفال في زمن الوباء منزوعة البهجة، فتلك الجائحة التي تلف العالم بخيوط العنكبوت وتنسج في الذاكرة صورة بشعة لا يمكن نسيانها بل تزداد من بشاعتها. هذا العزل الإنساني والنفسي القاتم، طفولتنا في زمن الكورونا عدمية ممزقة.

21