طفولة مهددة في تونس

الثلاثاء 2016/09/20

حالة من الاحتقان عمّت المجتمع التونسي بعد مشاهدة الصور التي تم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي لفتاة قاصر تحتفل بخطبتها مرتدية فستانا ورديا يليق بالمناسبة وهي في حضن زوج المستقبل الذي اختلفت الأنباء عن عمره بين 15 سنة و21، واعتباره مشهدا مريبا وشاذا وانتهاكا صارخا للطفولة في تونس.

بمناسبة عيد الأضحى احتفلت الطفلة التي تبلغ من العمر 12 سنة بخطبتها في محافظة قفصة في الجنوب التونسي بمباركة الأهل. كيف لطفلة في هذه السن أن تدرك معنى الزواج ومقاصده وأسس اختيار شريك حياتها؟ هل في تونس التي كانت من بين أولى الدول التي أمضت على اتفاقية حقوق الطفل وخصته بمجلة تصون حقوقه من الانتهاكات، أطفال يحتفلون بخطباتهم وبموافقة الأهل في مثل هذه السن؟

خطوة غير مسؤولة أقدمت عليها العائلتان تسلب الطفلة براءتها وطفولتها وتدخلها في عالم لا تدرك معناه، مبررتَيْن فعلتهما الشنيعة بأن عادات الجهة تبيح لهما إتمام مراسم الخطبة مع تأجيل الزواج إلى حين بلوغ السن القانونية. صحيح أن العادات والتقاليد في البعض من الجهات كانت تبيح للعائلات “تسمية” الفتاة لابن عمها أو لأحد المقربين منذ الصغر في انتظار بلوغ سن الزواج، ولكن تراجعت هذه العادات منذ مدّة طويلة نسبيّا ولم تعد من هواجس الأسر التي بات هدفها الأساسي تعليم الفتاة.

ما قامت به العائلة في حق ابنتها لا ينم إلا عن جهل بحقوق أطفالها وخاصة الإناث، فهي لا تدرك حجم المخاطر التي تنتظر طفلتها بإقدامها على ارتكاب هذه الجريمة في حقها، وهي تعترف بأن ابنتها متميزة في الدراسة وأن انتشار هذه الحادثة أثّر عليها نفسيا، وجعلها محط أنظار جميع المحيطين بها خاصة زملاءها في المعهد، وأصبحت تعيش ضغوطا نفسية، يوميا، تتطلب الإحاطة من الجهات المختصة لإعادة تأهيلها نفسيا ومعنويا للعودة إلى حياتها الطبيعية وإن كان من الصعب أن تعود إليها نظرا لما عاشته من أحداث أليمة يصعب عليها نسيانها وتحمّلها.

أما ما صرح به المندوب الجهوي لحماية الطفولة في محافظة قفصة والذي كلف بمتابعة هذه الحادثة فمثير للريبة والدهشة، ويعبر عن فكر رجعي وظلامي ومتشدد لا يرى مكانا للأنثى إلا بيت الزوج وإنجاب الأبناء. قال المندوب الذي بدا مستسهلا للمسألة “ذهبنا لنطلع على الأمر فوجدنا أن الفتاة ذهبت إلى صالون الحلاقة لتعد نفسها للاحتفال بالخطبة التي كانت على مرأى ومسمع واتفاق من العائلتين”.

وأبدى موافقته الصريحة على ما حدث معتبرا أن الفتاة -حسب وصفه- تبدو أكبر من سنها المصرح به في دفتر الولادة وذات بنية جسدية جيدة تسمح لها بإتمام الخطبة، وهي سعيدة وطالما هي سعيدة والأهل موافقون فلا داعي إلى تدخل مندوب حماية الطفولة، فالحادثة لا تعد تهديدا للطفولة.

إنه توجه واضح وصريح عبر عنه المختص في حماية الأطفال من كل خطر يهددهم والإحاطة بهم من جميع النواحي دون تردد أو خوف، وهذا ينبئ بالخطر الذي يهدد الأطفال في تونس.

صحيح أن وزارة المرأة والأسرة والطفولة أعفت المندوب من منصبه بصفة عاجلة وتبرأت من تصريحاته الدخيلة على المجتمع التونسي ولكن طريقة حديثه وتبسيطه لما حدث تدعو إلى الريبة والخوف على مصير الأطفال الذين أصبحت الأسرة والمسؤولون عن حمايتهم يمثلون مصادر تهديد بالنسبة إليهم عوض أن يكونوا مصادر رعاية وحماية.

صحافية من تونس

21