"طفولة يسوع" في جنوب أفريقيا

الأحد 2013/10/13
رواية تفيض بأسئلة العبث الوجودي

جون ماكسويل كويتزي روائي جنوب أفريقي من أصل أسترالي، ولد عام 1940، يعدّ واحدا من أهمّ الروائيين المعاصرين، أصدر ثلاثة كتب في السيرة الذاتية هي "مشاهد من حياة شابّ" (1997) و"على أعتاب الرجولة" (2002) و"صيف الحياة" (2010)، إضافة إلى عشر روايات تُرجمت إلى أكثر من 25 لغة.

نال كويتزي جائزة البوكر لمرّتيْن خلال سنتيْ 1983 و1999، وحاز على جائزة نوبل للآداب عام 2003. تحوّلت بعض رواياته، على غرار رواية "وصمة عار"، إلى أفلام سينمائية.

"طفولة يسوع"، التي جاءت في 384 صفحة، هي آخر رواياته، وقد صدرت خلال شهر آب أغسطس الماضي عن دار سوي ( seuil ) بباريس، نقلتها من الأنكليزية إلى الفرنسية كاثرين لوغا دو بليسيس.

شملت الأنماط الإبداعية في مسيرة النوبلي "جون ماكسويل كويتزي" مجالات السيرة الذاتية والقصة القصيرة والرواية والمقالة النقدية. وهي مجالات منظومة في خيط فكريّ يخترق حقول المسكوت عنه في السياسة والثقافة والمعيش اليوميّ اختراقا لا يني يجدّد فيه هذا الروائي حيرته من "ملحمة" الحياة، وزرع الشكّ في يقينياتها عبر مساءلتها بجرأة مثّلت سبيله إلى كشف مساحات العبث الوجودي.


حكاية التيه


"طفولة يسوع" رواية يعمّق فيها جون ماكسويل كويتزي ما كان طرحه في جلّ رواياته السابقة من رؤيته السياسيّة إلى العالَم، ويطرح ضمنها أسئلة عديدة تلامس "سذاجة الوجود البشري" في سعي منه إلى خلخلة سكينة القارئ وهدم قناعاته الباردة التي تمنع عنه رؤية جوهر الأشياء في حرارة حراكها وما فيها من مفارقات ترمي به في وجه الصدفة وعجائبية الحال، وقد تشبّع السرد بأسلوب لغوي يلامس الشعريّة والبساطة في الآن نفسه.

تنهض هذه الرواية على نسيج سرديّ عماده حكاية طفل وكهل لم يخبرنا الكاتب باسميْهما ولا بعمريْهما ولا بأسباب وجودهما معا ولا حتى بالعلاقة التي تجمع بينهما، فلا نعرف عنهما سوى أن الطفل فقد في البحر رسالة تعيّن انتماءه العائليّ، وأنّ الكهل مكلّف بحراسته والبحث له عن أمّ ترعاه، وأنهما ركبا قاربا نقلهما، عبر المحيط، من مكان لم تسمّه الرواية إلى مدينة "Novilla" ذات الملامح الأسبانية، بعد أن عبرا الصحراء هاربيِن من مخيّم "Belstar" أين مُنح كل واحد منهما هويّة جديدة، حيث سمّي الطفل "ديفيد" وأعطي عمر خمس سنوات، وسمّي الكهل "سيمون" ومنح عمر خمس وأربعين سنة، وهناك تمّ تمكينهما من حضور دورات تعليمية في اللغة الأسبانية مع الاستماع المجاني للموسيقى وممارسة رياضة كرة القدم والتمتع بوجبات غذائية أساسية ومتنوّعة.

ومن ثمة يبدأ بطلا الرواية تجريب حياة جديدة يجهلان فيها تاريخهما وجذورهما ولغتهما الأصلية عبر تعرّضهما لعملية غسل دماغي ممنهجة من قبل إدارة المخيّم، وصارا بسببها لا يعرفان عن نفسيْهما سوى أنّ الكهل "سيمون" وعد الطفل "ديفيد" بالبحث له عن أمّه التي أضاع اسمها لتعتني به وتربّيه.

وفي خضمّ هذه التجربة الحياتية الجديدة، تعلم ديفيد لعبة الشطرنج، ووجد "سيمون" وظيفة في معمل لتخزين الحبوب بميناء بحريّ، وهناك نجح في أن يبني شبكة تواصلية مع زملائه العمال الذين صار يحضر معهم دورات مسائية في الفلسفة القديمة رغم عدم قناعته بأسئلة تلك الفلسفة وجدواها، وبموجب تلك العلاقات أصبح هؤلاء العمال يبادلونه مشاعر الودّ والاحترام والمساعدة، وصار مثلهم "ينتظر دوره في بيوت الدعارة"، غير أنه ظلّ، مع ذلك، مسكونا بالبحث عن أمّ ديفيد ليفي بالوعد الذي قطعه على نفسه.

على أطراف مدينة "Novilla" وفي بهو فندق "Residencia"، وهو عبارة عن قصر كبير محاط بحديقة مهيكلة وفق طراز قديم، ينقاد سيمون بحدسه الشخصيّ إلى شابة ثلاثينية تدعى "إيناس" كانت تمارس الرياضة صحبة أخيها هناك، وأخبره حدسُه بأنها هي أمّ ديفيد، فاقترح عليها تربيته، فتردّدت في البداية، ثم وافقت على تحمّل المسؤولية، ولكنها، وبسبب كسلها وأنانيتها المفرطة، سرعان ما قبلت بأمر إدارة المدرسة بإرسال "ديفيد" إلى مؤسّسة للرعاية تقدّم خدمات تربية متميّزة، كما لو أنها ترغب في الفصل بين ديفيد وسيمون تلبية لرغائبها الأنثوية.

وعلى إثر ذلك، تتشابك علائقهما، وتكثر بينهما الأسئلة سواء أكانت جنسية أم اجتماعية أم تخييلية، كما يرفض ديفيد الاندماج في المدرسة الجديدة ويستمر في طرح أسئلة حول وجوده في هذا العالَم ومآلاته فيه.

إذ لمّا ﻳُﻄﻠﺐ إليه أن يكتب على لوحه المدرسيّ عبارة "ﻋﻠﻲّ ﻗﻮل اﻟﺤﻖ" ﻳﻜﺘﺐ: "أﻧﺎ ﻮ اﻟﺤﻖ"، في رفض منه لحضارة الناس الذين حوله وتحدٍّ منه لقوانينهم العامّة، فنلفيه يخبر أصدقاءه بأنه يستطيع بعث الموتى وأنه سيكون منقذ البشرية.

وفي فضاء هذه الأسئلة والاستيهامات، تتناصّ الحكايات مع بعضها بعضا موحية بتحوّلات في نفسيات الشخوص وعلاقتهم فيما بينهم من جهة، وبينهم وبين الأمكنة من جهة أخرى، وخلال ذلك، يغمز صاحب "طفولة يسوع" من قناة يقينيات القارئ وما تكتظّ به من تصوّرات عن ساكنات الأرض وأيديولوجياتها التي أفقدت البشرية براءتها، وهي تصوّرات ذات تمكين في مخيالاتنا الاجتماعية، حيث تسلبنا القدرة على تعرية الواقع ووقائعه المعيشة، وتزجّ بنا في أتون السائد والعابر والمزاجيّ. ولأنّ أسئلة جون ماكسويل كويتزي تمسك براهنيتها وجرأتها، تظلّ تتفاعل في ذهن القارئ محدثة ما يشبه القلق الوجوديّ، بل ما يشبه اليقظة الفكريّة.


حمى الأسئلة

أسئلة جون ماكسويل كويتزي تمسك براهنيّتها وجرأتها، وتتفاعل في ذهن القارئ محدثة ما يشبه القلق الوجوديّ، بل ما يشبه اليقظة الفكرية.


لئن صوّر جون ماكسويل كويتزي في ظاهر نصّ روايته الأجواء بمدينة Novilla على أنها أجواء "ناعمة" ومترفة، يطيب فيها العيش وتحلو فيها الإقامة، إلاّ أن باطن الحكي يشي بكون الكاتب يتخفّى وراء ذاك البهرج الوصفيّ ليحرج القارئ بمجموعة من الأسئلة، منها ما اتصل بأساليب معاملة المهجَّرين وابتزازهم في ثقافتهم وهوّياتهم من قبل "مؤسّسات" اجتماعية تدّعي خدمة الإنسانية، ومنها ما انصبّ على العذابات التي يعيشها الإنسان بسبب جهله لوالديه في بيئة تُسمِّي الأشخاص بأسماء عائلاتهم، ومنها أسئلة التواصل الجنسي بين كائن يحترم العاطفة ويقدّسها وآخر أنانيّ عابث لا يعنيه منها سوى اللهو والشهوانية.

هذا إضافة إلى مرارة أن يُقذف بالإنسان في عالم لم يَختر فيه حتى عائلته، وليس له فيه دليل بيولوجيّ يوصله إليها سوى الحدس، مع انغماس العلاقات البشرية في ماء السخرية والمجانية والخوف من النهاية وأهوالها.

ومن هذا المنظور، فإن "طفولة يسوع" رواية الأسئلة الإنسانية المجلببة بالغموض وقلّة اليقين دون أن يسعى فيها كاتبها إلى تقديم إجابات للقارئ وافية، من ذلك أنه يوقظ فينا معاني جديدة للانتماء، فهل هو انتماء بيولوجي أم ثقافي أم إنساني؟ وهل يستطيع كائن ليس له وطن وعائلة وماض الاستمرار في الحياة ؟ ثم ما قيمة الانتماء إذا كان يمكن أن يتمّ التخلّي عنه وتعويضه بآخر؟ وهل يمكننا نسيان الماضي بكلّ ما فيه، والتجرّؤ على تشييد "ماض" جديد لا يربطنا به حنين بدئيّ؟

وهل يمكن التعويل على نوايانا الحسنة لتلبية حاجاتنا المتزايدة؟ وهل بمقدور الإنسان أن يظلّ سويّا بعد أن يتخلّى عن رغائبه الماديّة؟ وهل يجوز القول إنّ الحبّ هو القوة الوحيدة التي تمنحنا إنسانيتنا؟ لنقل إن جون ماكسويل كويتزي مال إلى لعبة الأسئلة وراح يمارسها مع القارئ كما لو أنه يستلذّ بما يمكن أن يُحدثه كلّ سؤال من جراحات عميقة في متخيّلات القراء.


يسوع والاشتراكية


لعلّ قارئ رواية "طفولة يسوع" ينتبه إلى كونها فعلا إبداعيا يراود الذاكرة الجماعية عبر مجموعة من الاستعارات الدّينية والاجتماعية التي اعتمدها كويتزي محامل تلهب باطن النصّ وتحرّك فيه دلالاته. فحال الصبيّ "ديفيد" الذي يتماهى مع تاريخ "يسوع" من حيث توتّر علاقته بأمّه وإيمانه بالعفو وقدرته على إحياء الناس وإنقاذ البشريّة، يدفعنا إلى تبيّن الخيوط الخفية التي يستحضر بها الكاتب حكاية "يسوع" داخل روايته ويستثمر فيها حمولاتها الدّينية استثمارا خاصّا نرى فيه ميلا إلى التحرّش بالمقدّس ويقينياته ودعوة إلى إحياء زمن الحنين البدئي.

من ذلك أنّ أزمة الطفل "ديفيد" الذي انقطع حبل علاقته بأسرته وصار يبحث عن أمّ تربّيه مُحيلة إلى أزمة المسيح الباحث عن أتباع له في مجتمعه اليهوديّ، كما أنّ قبول الشابة "إيناس" بخدمة الطفل "ديفيد"، وتخلّيها عنه في ما بعد فيه تناص تخييلي مع يسوع في برودة علاقته بأمه وعدم البرّ بها على حدّ مخاطبته لها بـإسم نكرة "إمرأة" في قوله: "ما لي ولك يا امرأة" (يوحنا2:4).

وفي الرواية أيضا استعارة سياسيّة أيديولوجية صورتُها موقف جون ماكسويل كويتزي من الاشتراكية، وهو ما نلفي له حضورا في ازدراء العمال لمواقف سيمون التي تدعوهم إلى ضرورة تغيير رؤيتهم إلى العمل وواجب الحرص على إنجازه بما يحقّق التقدّم ويوفّر الإنتاجية.

فهل يجوز اعتبار سلبية هؤلاء العمال مُحيلة إلى إدانة الكاتب لمقولات الاشتراكية التي آلت في مجتمع الرواية إلى نوع من البيروقراطية والتسيّب واللهو المحكوم بـ"حسن النية"؟ لا شكّ في أن الكاتب يناقش مسألة الاشتراكية بعين ناقدة لتجلياتها المعاصرة وما فيها من تناقض يحبط عزائم الناس ويحولهم إلى مجرّد بهلوانيين يؤدّون أدوارا مكتوبة لهم سلفا.
15