طفولتي الملونة بالحكايات والصور

الأربعاء 2013/11/06

عشت داخل السينما بشكل مستمر منذ طفولتي المقدسية حين كانت القدس تعيش وتحبس أنفاسها انتظارا لدخول قاعات السينما التي يتحين الجميع الفرص لمشاهدة أفلامها. حينها كان أطفال العائلة الكبيرة يصطحبونني معهم إلى أفلام فاتن حمامة وعبد الحليم حافظ وماجدة وفريد الأطرش. ومنذ ذلك الحين ومع رعيل كبير من الأطفال كنا نكتشف أبعادا جديدة للعالم في كل مرة.

وحين كنت في المنفى وعدت إلى بلدي بعد سنوات طويلة وصنعت أفلاما، حاولت أن أكشف عبرها بعض وجوه الواقع الجديد الناتج عن الاحتلال، ليس عن بشاعته وحده، بل عن الإرادة القوية للناس من حولي في تحدي الإحباط وصنع حياة فيها كرامة وحرية بعيدا عن هذا الاحتلال البغيض الذي يدمر الحجر والبشر والشجر في فلسطين يوميا. فيلمي الأول فدوى: حكاية شاعرة من فلسطين كان عن الشاعرة فدوى طوقان التي تحدت السجن العائلي وحلقت في فضاء الشعر بأجنحة الإبداع والتي صارت رمزا للحب والوطنية معا. وقمت بكتابة وإخراج فيلم زيتونات الذي يدور حول قصص النساء الفلسطينيات وهن اللواتي يرتبطن بأشجار الزيتون بعلاقة فريدة فيما الجيش والمستوطنون يقطعونها ويبيدونها. ثم قمت بكتابة وإخراج فيلم الطير الأخضر وهو عن أطفال الحي الذي أقيم فيه خلال الانتفاضة الثانية. كيف يمكن للطفولة أن تواجه الموت والقتل عبر الأغاني والأحلام والطيارات الورقية التي تمثل العلم الفلسطيني؟ كما قمت بتصوير وكتابة وإخراج فيلم حصار خلال الاجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية عام 2002 والذي استمر ثمانية أشهر كاملة عشنا فيها منع تجول مستمر وطويل لا يفك إلا لساعات قليلة كل أربعة أيام من أجل التزود بالغذاء والاحتياجات الضرورية للبقاء. في ذلك السجن الطويل صورت حينها مظاهر الاجتياح والدمار ومجريات الحياة الصعبة كلما كان هنالك رفع للتجول واستطعت التحرك. فيما بعد قمت بفيلم وثائقي آخر عن جدار الفصل العنصري مفتوح: مغلق. ومن ثم كان الفيلم الأخير الذي أنجزته هو عن الذاكرة الشخصية لمدينتي التي صار الدخول إليها بمثابة تعذيب لكل مواطن فلسطيني عبر حاجز قلندية المدجج بالأسلاك والممرات المسيجة بالقضبان والبوابات ذات الفحص الإلكتروني. وكان فيلم القدس مدينتي هو كتابتي وإخراجي أيضا. حازت أفلامي الوثائقية على جوائز متعددة وكنت قبلها قد كتبت القصة والسيناريو لفيلم القدس في يوم آخر: زواج رنا الذي أخرجه هاني أبو أسعد 2002، وكان هو الفيلم العربي الأول الذي يتم به افتتاح أسبوع النقاد في مهرجان كان.

وبالعودة إلى الطفولة، فمنذ طفولتي آنستني الجدات الخليليات -وهن أخوات جدتي التي توفيت ووالدي صغير- بالحكايا والأساطير. وفي سنوات طفولتي الأولى كنت أقوم يوميا بإضراب تلقائي عن الطعام وخصوصا وجبة الغداء إلى أن يأتي والدي من عيادته ويحكي لي إحدى الحكايات التي كان يجيد روايتها. وكانت القصص مألوفة وسلسة في حياتنا العائلية بسبب من عناية أمي وأبي بتوفير قصص أطفال بشكل مستمر في البيت. لذا يكون القص امتدادا طبيعيا لكل ما يدور حولنا. وهكذا بدأت أكتب قصص أطفال حينما صرت أما لأني كنت مجبرة على اختراع حكاية جديدة في كل يوم كي ينام طفلاي في بلد كان مشتعلا بحرب أهلية مثل لبنان. كنا ندخل عالم الحكايات والغناء لينسى الطفلان أصوات القصف من حولنا.

لن أنسى تجاربي في الرسم مع أطفال المخيمات منذ أيام دراستي الجامعية حين كنت أتطوع لرواية قصة، ومن ثم دعوتهم لرسمها بأيديهم في العديد من المخيمات الفلسطينية في الأردن ولبنان، وبعدها في تونس. لدي أكثر من عشرة كتب منشورة للأطفال، وعندي مثلها وأكثر من التي لم تنشر حتى الآن بسبب عدم وجود دور نشر مستعدة لنشر كتب أطفال، وآخر كتاب نشر السنة الماضية تحت عنوان "رحلة الطير الجميل وهو يبحث عن أريحا" مدينة طفولتي الملونة.


كاتبة وسينمائية من فلسطين
14