طقس سوريالي احتجاجا على نظام التعليم الفرنسي

فنانو الغرافيتي يقومون بتحويل الجدران إلى مساحات للتعبير السياسي، عبر الشعارات والأعمال الفنيّة احتجاجا على سياسات وزارة التعليم العالي.
الأحد 2018/04/22
إبداعات الطلاب الفرنسيين لم تتوقف ومناسبة الثورة تجدد الثورة على الأوضاع

قام الطلاب المضربون في جامعة باريس الأولى، باحتلال مركز بيير مانداس-تولبياك في الدائرة الرابعة عشرة إلى أمد غير محدد، احتجاجا على قانون فيدال، ما عطّل نشاطه كمؤسسة أكاديميّة، ليتحول إلى أحد أكبر مراكز باريس للاحتجاج الطلابيّ، لكن ما أثار جدلا واسعا هو تصريحات رئيس الجامعة جورج حداد، الذي نبّه إلى أن قوى الأمن ستتدخل فقط في حال تعرض الأفراد للخطر أو تم تخريب الممتلكات، لكن ما أثار موجة سخرية عارمة، هو وصف حداد لبناء الجامعة، إذ قال إن مصادره أعلمته أن مركز تولبياك تحوّل إلى فضاء للدعارة والمخدرات.

 ولاحقا، وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الناشطين، بأنهم ليسو طلابا، بل هم محرّضون محترفون، وأفراد يتقنون صناعة الفوضى.

رد فعل الطلاب كان متهكما وراديكاليا، إذ قاموا بتحويل البناء إلى ما سمّوه "كومونة تولبياك الحرّة" التي تقام فيها الاجتماعات والمحاضرات، للحديث عن أشكال الاحتجاج السياسي وأهميته، كما قام فنانو الغرافيتي بتحويل الجدران إلى مساحات للتعبير السياسي، عبر الشعارات والأعمال الفنيّة، التي تحتج على سياسات وزارة التعليم العالي، وتدعو للمساواة بين الجميع.

أكثر ما يثير الاهتمام في نشاط كومونة تولبياك الحرّة، هو البيان الصحافي المصوّر الذي نشره الناشطون مؤخرا، والذي يشابه فيديو آرت سورياليّ، إذ نرى ثلاثة طلاب مقنّعين، وكلبا، ووراءهم اقتباس لجورج حداد، وصف فيه الحراك بأنه تبنٍّ لنظرية الفوضى.

يبدو الفيديو ساخرا للوهلة الأولى، لكن الطلاب المقنعين يؤكدون جدّيتهم، فقد اختاروا أن يقوموا بإنتاج محتواهم الإعلامي الخاص بهم، كي لا يخضعوا لتلاعب وسائل الإعلام التي تشوه صورتهم، كما أن استخدامهم للأقنعة هو سعي منهم بألا يتم تحويل أي منهم إلى رمز أو أيقونة خاصة بالحراك، فالجميع متساوون بوصفهم طلابا.

Thumbnail

استخدام الطلاب للقناع يحررهم من سلطة الأنا العلنيّة، ويجعل الجميع متساويين، فالأقنعة التي تخفي الأوجه، تقف بوجه سياسات الإعلام، وتحرر الطلاب من شروط تحديقة العدسة الصحافيّة، التي ستحاول خلق حكايات عنهم، وتفريغ الحراك من محتواه السياسي، وتحويل المحتجين إلى أساطير وحكايات صحافيّة.

يتبنى الفيديو أيضا صيغة اللعب، سواء عبر المونتاج أو تصميم الفضاء، عبر خلخلة القواعد التقليديّة للظهور العلنيّ التقليدي ضمن مؤتمر صحافيّ، فهذه “الألعاب” لا تشكك فقط بنظام الجامعة، بل بالمنظومة الإعلاميّة، وتخلخل قواعدها التقليديّة، بحيث لا تترك مجالا للبحث أو التقصي خارج حدود الاحتجاج.

يصف المقنعون الثلاثة أهداف حراكهم واحتلالهم للجامعة، بأنه وسيلة لخلق خطاب قوة، مشابه لذلك الذي تمتلكه الجامعة، كما أن إيقافهم للمحاضرات الرسميّة، يعتبر وسيلة للتصدي لعملية إنتاج المعرفة المؤسساتيّة، ودفع الأفراد لإنتاج معرفتهم الخاصة، بعيدا عن أشكال التعليم والتسيس التي تتبعها الجامعة.

يحمل الفيديو جوانب أدائيّة-لغويّة، فكلام المقنعين ليس مزاحا أو ثرثرة غير جديّة أو عملا فنيّا ينتهي بمجرد انتهاء زمنه، بل له قيمة ملموسة على الأرض، بوصفه أحد أشكال الأداء السياسي الاحتجاجيّة، فالطلاب قادرون على تطبيق ما يقولونه، وإيصال رسالة إلى وزير التعليم العالي، وإعادة هيكلة الجامعة ومنتجاتها المعرفيّة. فالحركات والأفعال التي يقومون بها نابعة من سلطة يمتلكونها، ناتجة عن تجمع أجساد الطلاب في البناء، وخلخلتهم للشكل “الطبيعيّ” للمؤسسة، ما يجعل الفيديو يختلف عن سياسات الإعلام التي تهدف لتغيير الوعي بالواقع، لا الواقع ذاته.

ظهر بعد تداول البيان الصحافيّ، حساب على تويتر للكلب الذي نراه بين المقنعين الثلاثة، ونقرأ في أول تغريدة له، أنّ الطلاب سمّوه غيفارا، دون أن يختار ذلك، وأنه محتجز قصرا في الجامعة البشعة، من قبل الشبان المقنّعين. ويأتي ذلك في رد على بعض التعليقات والانتقادات الحادة التي وجهت للناشطين، واتهامهم بأنهم أسروا بعض الطلّاب في الداخل، ومنعوهم من المغادرة.

11