طقس "متطرف" يجتاح النصف الشمالي من الكرة الأرضية

موجة الحر غير العادية تدفع الحكومات الأوروبية إلى دقّ ناقوس الخطر، وحكومات الدول العربية عاجزة عن توفير الماء والكهرباء في عز الصيف.
الخميس 2018/07/26
الحرارة لم تفرق بين كندا والجزائر

جنيف - تشهد العديد من مناطق العالم منذ بداية شهر يوليو الجاري موجة حر شديدة وطقسا لاهبا لم تعهدهما من قبل، وخلفت المستويات القياسية لدرجات الحرارة حرائق وقتلى في مناطق كانت لا تعرف من حرارة الصيف إلا بعض الدفء، فتحتفي به في الشواطئ والبحيرات والأنهار وحتى الحدائق، حيث يسبح البعض فيما يأخذ البعض الآخر حمام شمس.

وبعد أن كانت الشمس ضيفا نادرا في بعض المناطق الباردة ككندا والبلدان الاسكندنافية، أو ضيفا ناعما كما في جنوب أوروبا (فرنسا وإيطاليا واليونان)، أصبحت تمثل خطرا يتسبب في الحرائق والضحايا الذين لم يقدروا على مقاومة حرارة هذا الصيف اللاهب، ما جعل الحكومات الأوروبية تدق ناقوس الخطر محذّرة من التغير المناخي المفاجئ.

ورغم أن منطقة الشرق الأوسط تعرف موجات الحر واعتادت التعايش معها، فاكتسبت العائلات العربية خبرة في مجال حماية أطفالها وكبار السن في الصيف الطويل، فإن درجات الحرارة القياسية هذا الصيف تكشف عن عدم قدرة الحكومات العربية على وضع خطة مستقبلية لتوفير الماء والكهرباء من أجل مواجهة موجات الحر.

غابات أوروبا تحترق

تشهد مناطق شمال أوروبا المعروفة ببرودتها حتى في فصل الصيف موجة حر غير عادية جعلت الحكومات تدق  ناقوس الخطر وأثارت قلقا واسعا في صفوف المواطنين والمزارعين.

ولفت عالم المناخ جان جوزيل إلى أن القارة الأوروبية تعاني؛ فهذه الموجة الحارة تؤثر في كل شمال أوروبا، حيث يضرب الجفاف بريطانيا العظمى، والدول الاسكندنافية، فدرجات الحرارة بلغت 33 درجة مئوية في أقصى شمال النرويج.

80 شخصا عدد الوفيات التي خلفتها موجة الحر الشديدة في اليابان منذ أسبوعين، كما نقل الآلاف إلى المستشفيات

وأوضح أنه بحلول عام 2050 ستصل درجات الحرارة إلى 55 درجة مئوية في شرق فرنسا، مؤكدا أن العواقب على البيئة واضحة للغاية.

وتسببت الحرارة المرتفعة هذا الصيف في اندلاع حرائق غابات في دائرة القطب الشمالي، فيما لحق الجفاف بالمزارع وسجلت المستشفيات زيادة في أعداد المصابين بضربات الشمس.

فمن أوسلو إلى ريغا تواجه دول أوروبا الشمالية والبلطيق منذ أسابيع درجات حرارة مرتفعة جدا وجفافا أشعل حرائق في الغابات والمراعي وجفف المياه الجوفية وساهم حتى في خفض مستوى المياه في البحيرات الكبرى.

ونادت السلطات السويدية الاثنين بضرورة التيقظ حيال إمكانية اندلاع حرائق أخرى بسبب موجة الحر.

وأحصت الهيئة السويدية للدفاع المدني حتى مساء الاثنين 25 بؤرة حريق على كامل أراضيها، مؤكدة أن “المخاطر كبيرة جدا على كافة مناطق الجنوب انطلاقا من ستوكهولم”.

ونبه جوزيل إلى أن “هذه الدول الأوروبية ليست مستعدة على الإطلاق لمواجهة حرائق الغابات، فأولويتها هي حماية المنازل، وبالنسبة إلى هذه البلدان يُعد عام 2018 ثالث أكثر الأعوام ارتفاعا في درجات الحرارة بعد 2017 و2016، لذلك نحن في سياق السنوات الحارة المتتالية نتيجة الاحترار العالمي المرتبط بأنشطتنا البشرية”.

وفي فنلندا تأثرت لابونيا خصوصا بحرائق الغابات، وانتشرت إلى حدودها الشرقية حرائق اندلعت في روسيا.

عمال تحت الشمس الحارقة
عمال تحت الشمس الحارقة

وتشهد النرويج أيضا درجات حرارة مرتفعة جدا حيث سجل شهر مايو درجات حرارة قياسية مقارنة بدرجات الحرارة المعهودة، وزادت على 30 درجة مئوية في يونيو.

وتشهد لاتفيا أوضاعا صعبة حيث أتت الحرائق على أكثر من ألف هكتار من الأشجار، بحسب البرنامج الأوروبي لمراقبة الأرض.

ويشهد جنوب أوروبا حرائق أيضا، ففي اليونان اندلع حريق غابات الاثنين قرب العاصمة أثينا، خلف أكثر من عشرين قتيلا، وفق تصريح المتحدث باسم الحكومة اليونانية.

يذكر أن الارتفاع المهول في درجات حرارة الصيف في كندا خلف 54 قتيلا بحلول الخميس الماضي، إذ وصلت الدرجات المئوية في مونتريال إلى 36.6 درجة في الثاني من يوليو.

وتوقعت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية الثلاثاء الماضي ارتفاعا في درجات الحرارة في أجزاء كثيرة من شمال أفريقيا وأوروبا، مشيرة إلى أن الطقس “المتطرف” وموجات الحر كانا السمة التي ميزت نصف الكرة الأرضية الشمالي خلال النصف الأول من هذ الصيف، ما كانت له آثار واسعة النطاق على صحة الإنسان والزراعة والنظم الإيكولوجية.

ولفتت المنظمة إلى أن القارة الآسيوية لم تسلم من تلك الموجات الحارة خاصة اليابان التي شهدت ارتفاعا خطيرا في درجات الحرارة والرطوبة، وكذلك كوريا التي وجهت تحذيرات قوية من أن الحرارة ستزيد عن 35 درجة مئوية.

وأعلنت هيئة الأرصاد الجوية اليابانية مطلع الأسبوع الجاري عن ارتفاع درجات الحرارة في مدينة كوماغايا، شمال غرب العاصمة طوكيو، إلى 41 درجة مئوية، وهو أعلى معدل مسجل في البلاد.

وارتفع عدد الوفيات جراء موجة الحر الشديدة التي تشهدها اليابان منذ أسبوعين إلى 80 شخصا، كما نقل الآلاف إلى وحدات الرعاية المركزة بالمستشفيات في الوقت الذي حث فيه المسؤولون المواطنين على البقاء داخل المباني لتفادي القيظ.

حرائق الغابات بالسويد "الباردة" تنذر بالخطر
حرائق الغابات بالسويد "الباردة" تنذر بالخطر

ووجهت منظمة الصحة العالمية في بيان لها صدر أمس الأربعاء في جنيف نصائح للمواطنين في الدول التي تشهد ارتفاعا كبيرا في درجات الحرارة هذه الأيام محذرة من أن هذه الموجات تضر بصحة العديد من الأشخاص، خاصة كبار السن.

وقالت المنظمة إن هذا الارتفاع يمكن أن يؤدي إلى الإجهاد، أو النوبات القلبية أو الارتباك، كما يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الأمراض القائمة مثل أمراض القلب والأوعية الدموية والجهاز التنفسي.

وقال مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها في سيول إن 7 من الضحايا الـ10 لقوا حتفهم الأسبوع الماضي.

كما أصيب أكثر من ألف شخص بالمرض بسبب حرارة الجو في الفترة بين 20 مايو الماضي و21 يوليو الجاري.

ويوضح خبراء المناخ أن الأحداث المناخية التي تشهدها الكرة الأرضية تعود إلى التغيرات التي شهدها ولا يزال يشهدها المناخ، والتي يعود السبب الأساسي فيها إلى أنشطة الإنسان التي تلوث المحيط وتخل بالتوازن البيئي.

ويشير الأستاذ في جامعة بريستول دان ميتشل إلى أن من بين العوامل الأخرى التيار النفاث “جت ستريم”، وهو عبارة عن رياح غربية قوية على ارتفاع 8-10 كيلومترات فوق سطح الأرض تؤثر على حالة الجو حول الأرض. في بعض الأحيان، عندما تكون الرياح شديدة، تتسبب في حدوث عواصف، وفي أحيان أخرى تكون ضعيفة، فيكون الجو هادئا ومستقرا، وهذا ما يحدث حاليا.

ويقول ميتشل إن التيار النفاث حاليا ضعيف للغاية، لذلك فإن الضغط الجوي المرتفع يستمر لفترات طويلة فوق المكان نفسه. ومن العوامل الأخرى أيضا، التغيرات الجوهرية في حرارة سطح البحر في المحيط الأطلسي.

ويقول الأستاذ أدام سيافي من مكتب الأرصاد الجوية “ميت” إن هذه الأمور جزء من ظاهرة معروفة باسم “تذبذب الجداول الزمنية للمحيط الأطلسي”، مشيرا إلى أن هذه الحالة شبيهة بما حدث عام 1976، أي حرارة مرتفعة في المحيط وثبات في التيار النفاث، ما أبقى على الضغط الجوي مستمرا لفترات طويلة في المنطقة نفسها.

وبالنظر إلى ما تمر به الأرض من تغير مناخي وارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون في الجو وغازات الدفيئة وغيرها، فإن تأثير أي ظاهرة مناخية وجوية مثل ضعف التيار النفاث ستكون عواقبه وخيمة وأكثر بكثير مما كان عليه الحال قبل 40 عاما.

عرب تحت الشمس الحارقة

اليابان تكتشف فصل الصيف هذا العام
اليابان تكتشف فصل الصيف هذا العام

تدعو منظمة الصحة المواطنين إلى الحفاظ على برودة المنازل والتحقق من درجة الحرارة بانتظام والتي يجب أن تبقى أقل من 32 درجة مئوية خلال النهار و24 درجة مئوية في الليل، ونصحت بأن يتم فتح النوافذ في الليل والصباح الباكر وتعليق المناشف المبللة لتهدئة هواء الغرف ما يساعد على خفض درجة الحرارة.

 وأكدت المنظمة أهمية الحفاظ على الجسم باردا ورطبا والاستحمام بالماء البارد وارتداء ملابس خفيفة من مواد طبيعية والشرب بانتظام مع تجنب الكثير من الكافيين والسكر، وتناول وجبات خفيفة وأيضا الأطعمة التي تحتوي على نسبة عالية من البروتين.

هذه النصائح التي تقدمها المنظمة تعتبر ترفا عند الفقراء الذين يشكلون أغلبية السكان في دول عربية مثل العراق وسوريا ومصر وليبيا وحتى تونس.وعلى الرغم من أن سكان هذه الدول يجاهدون كل صيف لاتقاء سعير الصيف في ظل عدم التزام حكوماتهم بتوفير الماء والكهرباء بشكل متواصل للمواطنين فإن درجة الحرارة القياسية خلال هذا الصيف تهددهم وتهدد بالخصوص أطفالهم والمسنين، خاصة وأن الحكومات منشغلة عنهم بمسائل سياسية أخرى.

 وتشهد المنطقة العربية صيفا لاهبا تزيد حرارته عاما بعد آخر بسبب توسّع طبقة الأوزون المحيطة بالغلاف الجوي، ما يدفع بالأشعة فوق البنفسجية إلى مزيد الاقتراب من الأرض.

صيف استثنائي للفقراء

ارتفعت درجات الحرارة بشكل كبير في العديد من المدن العربية حيث تجاوزت الـ40 درجة مئوية، وهو ما دعا بعض البلدان إلى مطالبة مواطنيها بتجنب الخروج من المنازل إلا عند الضرورة، لكن الارتفاع كان جنونيا في السعودية وجنوبي العراق والكويت، حيث وصلت الحرارة إلى حد الـ50 درجة مئوية، لتنذر بصيف ساخن يهدد حياة مواطني الدول الثلاث.

وسجلت الجزائر أعلى درجة حرارة موثقة، حيث بلغت في مدينة ورقلة في صحراء الجزائر نحو 51.3 درجة مئوية، فيما شهدت تونس خلال الشهر الجاري درجات حرارة  تتجاوز المعدلات الموسمية بعشر درجات، وتعيش البلاد على استمرار ارتفاع درجات الحرارة التي تراوحت بين 40 و46 وبلغت 48 درجة مئوية، وفق بيانات المعهد التونسي للرصد الجوي.

الماء رحمة في شوارع العراق
الماء رحمة في شوارع العراق

وشدد خبراء المعهد على ضرورة تجنب الخروج دون وقاية من الساعة الحادية عشرة صباحا إلى الرابعة عصرا.

ودعت الخبيرة في المناخ نادية مديوني المواطنين إلى شرب كميات كبيرة من الماء والبقاء في فضاء مكيف، وبينت أن أعلى معدل لدرجات الحرارة تم تسجيله مطلع شهر يوليو الجاري بلغ 49.5 درجة بمحافظة توزر في الجنوب.

وفي السعودية، أعلنت الهيئة العامة للأرصاد وحماية البيئة أن المملكة ستشهد ارتفاعا كبيرا في درجات الحرارة خلال الأيام المقبلة، في حين أعلنت هيئة الأنواء الجوية العراقية أن موجة حر تجتاح البلاد، كما تتوقع أن تتجاوز درجات الحرارة في بعض المحافظات نصف درجة الغليان.

وتختص منطقة الخليج العربي ومناطق شمال أفريقيا بما يسمى في علم الأرصاد الجوية “جمرة القيظ”، وتستمر نحو 52 يوماً.

و”جمرة القيظ” ظاهرة موسمية تشهدها الأجواء المناخية في السعودية ومناطق عربية كالكويت والعراق وليبيا والجزائر، باعتبارها المناطق الأكثر حرارة في العالم.

وتتفاقم معاناة العراقيين كل صيف في ظل الانقطاع المستمر للكهرباء في عموم البلاد، حيث تزداد ساعات القطع المبرمج مع ازدياد درجات الحرارة التي وصلت إلى معدلات غير مسبوقة في العديد من مناطق العراق.

وفشلت الحكومات المتعاقبة على العراق في معالجة ملف الخدمات منذ 2003 ومنها ملف الكهرباء الذي أثار الكثير من الجدل خصوصا وأن هذه الحكومات قد أولت هذا الملف أهمية كبيرة وصرفت عليه المليارات من الدولارات لكن الإهمال والفساد المستشري تركا الملف معلقا.

وما يعاني منه العراق تعاني منه دول عربية أخرى مثل سوريا وليبيا ولبنان حيث الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي والأعذار التي تسوقها وزارات الكهرباء مع ارتفاع درجات الحرارة ما يثير غضب المواطنين ويهدد حياة أطفالهم وكبار السن.

20