طقوس اليهود الدينية جزء لا يتجزأ من ذاكرة تونس الثقافية

احتضنت جزيرة جربة جنوب شرقي تونس الأسبوع الماضي أحد أهم الاحتفالات الدينية اليهودية في العالم وعلى مدار يومين قام اليهود التونسيون واليهود من مختلف دول العالم بأداء طقوس حجهم إلى معبد الغريبة، ومن أبرزها «الخرجة بالمنارة» وقراءة الكتب المقدسة وكتابة الأمنيات على البيض والتغني بالأهازيج والأناشيد على إيقاعات الموسيقى التونسية التقليدية.
الاثنين 2015/05/11
عادات الاحتفال بالحج تتوارثها الأجيال وتحافظ عليها بالممارسة

تونس- يحج اليهود إلى الغريبة منذ أكثر من 200 عام لإقامة طقوس دينية واحتفالات «الهيلولة»، حسب رئيس كنيس الغريبة الذي ترقد فيه – حسب الأساطير اليهودية – واحدة من أقدم نسخ التوراة في العالم، وهو ما يجعله يحظى بمكانة خاصة عند اليهود في العالم، باعتباره أقدم معبد يهودي في أفريقيا. ويبدأ الحج في اليوم الثالث والثلاثين من الفصح اليهودي ويستمر يومين.

موسم حج اليهود إلى معبد الغريبة، جزء لا يتجزأ من ذاكرة تونس الثقافية، هذا ما أكدته وزيرة الثقافة التونسية لطيفة لخضر، قائلة أثناء زيارتها للمعبد “أتيت هنا إلى الغريبة لأني أؤمن بأن الثقافة قيم، وأرقى هذه القيم هي تأمين الاختلاف في مختلف مجالاته”، في إشارة منها إلى احترام الدولة التونسية والتونسيين للمكون اليهودي وتاريخه العريق المرتبط بتاريخ تونس وثقافتها، ويعيش اليوم في تونس حوالي 1500 يهودي يقيم أغلبهم في جزيرة جربة وفي تونس العاصمة.

وقبل استقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي عام 1956، كانت أعداد اليهود تقدر بـ100 ألف يهودي، غير أن عددا هاما منهم غادر بعد الاستقلال إلى دول مختلفة في العالم.

وظل موسم الحج إلى الغريبة من أكثر المواعيد قداسة عند اليهود حيث يؤدون طقوسهم الدينية ويجتمع الأصدقاء والأقارب القادمون من مختلف أنحاء العالم ليقيموا احتفالاتهم الخاصة معا ويسترجعوا ماضي الأجداد وعاداتهم وتاريخ القديسين.
أساطير اليهود تقول إن إمراة يهودية استقرت في مكان كنيس الغريبة وعرفت بالكرامات فأقيم لها هذا المقام

ومن أبرز طقوس الحج اليهودي إلى معبد الغريبة «الخرجة بالمنارة» أو «الخرجة الكبيرة» كما يطلقون عليها، وهي خروج جماعي لليهود من المعبد حيث يدفعون عربة فوقها منارة مزيّنة وهي عبارة عن مصباح تقليدي كبير مصنوع من الفضة ومزين بالعديد من الأقمشة والمقتنيات الثمينة وهي مصنوعة من النحاس، ويعود تاريخها إلى قرابة مئة عام. وتثبت فوق عربة ذات عجلات ليطوفوا بها في الأحياء المحيطة بالمعبد.

وفي السابق، كان اليهود يدفعون «المنارة» إلى وسط مدينة الرياض (المكان الذي يتواجد فيه معبد الغريبة وتبعد قرابة 5 كلم عن مركز الجزيرة)، إلا أنه بعد التفجير الذي استهدف المعبد عام 2002، والذي راح ضحيته عدد من التونسيين والسياح الأجانب، اقتصرت مسافة التجول بالمنارة في حدود المساحة الأمامية للمعبد. ويردد المحتفلون والحجيج الأهازيج والأناشيد، إضافة إلى عادات أخرى من بينها إقامة احتفالات بالموسيقى التونسية التقليدية التي تجمع خلالها التبرّعات للمعبد.

ومن بين الطقوس اليهودية نذكر إقامة الصلوات وإشعال الشموع داخل الكنيس والحصول على «بركة» حاخاماته، وذبح قرابين مثل الخرفان، والغناء في أجواء من الفرح، وتناول نبيذ «البوخة» المستخرج من ثمار التين والذي يشتهر بصناعته يهود تونس دون سواهم.

وخلال موسم الحج اليهودي لهذا العام حضر في اليوم الأول حاييم بيتان كبير أحبار تونس، ووزيرتا السياحة والثقافة التونسيتان وجرت الاحتفالات في أقصى درجات اليقظة الأمنية لتأمين سلامة اليهود أثناء أداء شعائرهم، خاصة بعد ما شهدته تونس من اضطرابات أمنية تعلقت بالهجومات الإرهابية التي طال آخرها متحف باردو في العاصمة.

المتأمل في المشهد عن بعد داخل المعبد وفنائه وخارجه يلاحظ أن إقامة الطقوس والعبادات لحج الغريبة تجمع بين الحداثة والتراث

وقال حاييم بيتان كبير أحبار تونس «ندعو أبناءنا (اليهود) ونقول لهم تونس بحاجة إليكم، تونس التي عاش فيها أجدادنا يجب أن نقف معها». هذه الدعوة للأجيال الشابة من اليهود حول العالم لإحياء موسم الحج كخدمة لتونس التي يراها اليهود التونسيون وطنهم وأرض أجدادهم تكشف حرص المكون اليهودي التونسي على مواصلة مسيرة الأجداد وعلى إحياء عاداتهم وتراثهم وعلى التمسك بهويتهم وأرضهم ومعبدهم الغريبة.

وبالإضافة إلى اليهود التونسيين، شارك في طقوس هذا العام نحو 500 يهودي قدموا من عديد الدول في العالم، حسب روني الطرابلسي أحد المنظمين لاحتفالات اليهود بالحج، وتستهل الاحتفالات بدخول النساء اليهوديات بالزغاريد إلى المعبد ويقوم الجميع بإيقاد الشموع ويأتون ببيضة أو أكثر تكون مسلوقة ليكتبوا عليها أمانيهم للعام المقبل ثم يودعونها في مغارة مخصصة لذلك، ويعتقد اليهود بأن الأماني التي تكتب على البيض سوف تتحقق، وهو أمر مرتبط بتقليد توارثوه عن أجدادهم.

المتأمل في المشهد عن بعد داخل المعبد وفنائه وخارجه يلاحظ أن إقامة الطقوس والعبادات لحج الغريبة تجمع بين الحداثة والتراث، فالشباب والكبار والمسنون يتقاسمون أجواء الفرحة بهيئتهم العصرية ويحيون عادات أجدادهم إلى جانب أداء الطقوس الدينية، ويجمعون بين الاحتفال والمرح من جهة وبين الروحانيات والطقوس المقدسة من جهة أخرى.

وتقول لافتة معلقة داخل الكنيس ومكتوبة بأربع لغات، هي العربية والإنكليزية والفرنسية والألمانية، «يرجع عهد هذا المقام العتيق والمقدس المعروف بالغريبة إلى عام 586 قبل الحساب الإفرنجي أي منذ خراب الهيكل الأول لسليمان تحت سلطة نبوخذ نصر ملك بابل وقد وقع ترميمه عبر العصور».

وتقول الروايات التاريخية التي تتناقلها أساطير اليهود عبر الأجيال إن إمراة يهودية قدمت إلى جربة واستقر بها الحال في مكان كنيس الغريبة الآن وعرفت بالكرامات، فأقيم لها هذا المقام عند الممات، كما سمي الكنيس «الغريبة» نسبة لهذه المرأة التي كانت غريبة على سكان الجزيرة وقتها. ورغم هذه الرواية إلا أن سمير بالحاج، أستاذ التاريخ بمعهد منطقة بني معقل بجزيرة جربة، قال إنه «لا توجد رواية صحيحة إلى الآن حول هوية من أنشأ كنيس الغريبة».

12