طقوس وعادات رمضانية في المغرب بعيون عربية

لشهر رمضان قيمة ومكانة كبيرة في نفوس كل المسلمين، وفي المغرب تختلف طقوس وتقاليد الصائمين خلاله عن باقي الدول العربية، حيث يستقبل المغاربة شهر الصيام بعادات مختلفة تحاول العائلات العربية المقيمة في المغرب مجاراتها لخصوصيتها واختلافها عما تعودوا عليه في بلدهم الأم.
الاثنين 2015/06/22
العائلات المسلمة المقيمة بالمملكة المغربية تحاول التأقلم مع عادات وطقوس المغاربة في الأكل خلال شهر رمضان

اعتادت العائلات العربية التي تقيم في المغرب على مجارات العائلات المغربية في إعداد أنواع من الحلوى ومنها ما يسمى بـ”الشباكية” وغيرها من الألوان المغربية الأخرى من الحلوى، كالغريبة وكعب الغزال، وممارسة التقاليد المغربية في تقديم طعام الإفطار الرمضاني أو السحور خصوصا إذا كان ضيوف العائلة من المغاربة وقت الإفطار، لكنها لم تنجح تماما في ذلك، وقدمت شكلا هجينا مما اعتادته من عادات في بلدانها الأصلية، مضافا إليه بعض المزايا التي تعلمتها من تحضير الحلويات والأطعمة المغربية، والموضوع يبقى موضوع هويات، وأذواق لا يمكن تغييرها بسهولة مهما عاشت هذه العائلات في المغرب من سنوات.

مزج بين التأريخ والحداثة

قسم من المقيمين أمضوا سنوات كثيرة قبل أن يعتادوا هذه العادات، وأخذوا يمارسونها في بلد يحترم أهله هذا الشهر الكريم، ويعتبرونه من أهم شهور السنة، متقربين إلى الله بالصيام والقيام، وارتياد المساجد، وتأدية الصلوات فيه، وترديد الأذكار. فهم يبدأون في الاستعداد لهذا الشهر من منتصف شعبان، وذلك بتجهيز بيوتهم بالمواد التي تصنع منها حلوياته، وما يتطلبه من مواد غذائية، وحلوى تستهلك بكثرة خلاله، وبعضهم يؤجل عطلته السنوية، ليحصل عليها فيه.

ترتيب الحلويات وطرائق صنعها وتقديمها على المائدة المغربية يعد ثقافة خاصة بهذا البلد، خصوصا في رمضان، الذي يعتبر بحق شهر صناعة الحلوى وإبداع أشكالها ومذاقاتها.

حدثنا "أبوأيمن" فلسطيني مقيم بالمغرب منذ ثلاثين عاما عن ذكرياته في هذا الشهر الفضيل، وعبر لنا عن محبته لهذا الشهر في هذا البلد بالذات، لاهتمام أهله بتقاليد عريقة، وفرحهم بقدومه، وحضورهم المكثف إلى الجوامع، للصلاة وتلاوة القرآن بأصوات جماعية مرتلة، فهم يتحلقون على هيئة حلقة في الجامع، ويرددون الآيات والأذكار والأمداح النبوية، وتعلو أصواتهم بالذكر، وتسمع في الجامع أو في الشارع أو المطعم عند الفطور، وأحدهم ينادي الآخر بعبارة “عواشركم مبروكة”.

ترتيب الحلويات وطرائق صنعها وتقديمها على المائدة المغربية يعد ثقافة خاصة بهذا البلد، خصوصا في رمضان

ويصف الكاتب عبدالرفيع جواهري في كتابه “جامع الفنا..”، إحدى المساءات الرمضانية بعد الفطور في مدينة مراكش، قريبا من ساحة الفناء فيقول “في المقاهي المعلقة المطلة على الساحة ستضع رجلا على رجل. ستضع أمامك كأس الشاي البلدي العجيب بحوصلته المنتفخة المليئة بالنعناع الأخضر وسترى أن الساحة من فوق ليست هي الساحة من تحت، ستتناهى إلى سمعك نغمات العيطة، وصدى الطبول وحفيف نقرات “السنتير”، وضجة لذيذة تخترق أدخنة عربات الطعام، ستتلألأ الساحة بفوانيسها تحت ناظريك، وسترى البشر كالنمل يتدافعون بالمناكب حتى ليخيل إليك أنك إذا رميت إبرة سوف تقع على رأس عابر أو عابرة”. بهذا النفس العجائبي تمضي أيام شهر رمضان في مدن المغرب التي تمزج بين التأريخ والحداثة.

"الحريرة"

وتقول أم شاهين ربة بيت عراقية إن “عائلتها اعتادت أيام رمضان في بلادها على الإفطار على الطريقة العراقية، فهي تتضايق في بعض الأحيان حين يقدم لها الإفطار على الطريقة المغربية، فهم في العادة يفطرون بعد آذان المغرب على مجموعة من فطائر الحلوى، أهمها”الغريبة” و”الشباكية” و”الزلابية” ثم يمضون لتأدية صلاة المغرب، وصلاة التراويح، التي تمتد حتى ساعة متأخرة من الليل ثم يبدأ تناول الفطور الحقيقي بعد منتصف الليل، حيث يتناولون السمك واللحم، والأطعمة الدسمة الأخرى كالكسكسي المغربي والباسطيله، ويستمر الأكل، وشرب الشاي الأخضر بالنعناع حتى وقت السحر.

وقبل أن يضرب مدفع الإمساك بقليل يتوقفون عن تناول الطعام، وتتساءل أم شاهين إن كان زوجها يستطيع الأكل بهذه الطريقة؟ وتجيب ضاحكة أنه سيموت من التخمة في اليوم التالي، إن فعل مثلهم، لقد أعتدنا أن نتناول طعام الإفطار كما أعتدنا أن نفعل في العراق، بعد أن يضرب مدفع الإفطار نصلي صلاة المغرب، وبعد ذلك نأخذ قليلا من التمر واللبن، وبعد ذلك نتناول ما تيسر من طعام، وأول الأطباق بالطبع طبق تشريب الدجاج أو تشريب اللحم، وبعد صلاة العشاء نتناول ما تيسر من الفواكه أو الحلوى.

الغريبة والشباكية والزلابية من أهم الحلويات التي يستهلكها المغاربة في رمضان

أم محمد من مصر مقيمة بالدار البيضاء (45 سنة) قالت عن تقاليد وعادات أيام شهر رمضان في هذه المدينة الصناعية، الكبيرة “أجمل الأيام في رمضان بهذا البلد، هي تلك الأيام التي تقام فيها الأماسي الثقافية الدينية التي تتم في باحات الجوامع، أو في خزانات المدينة (مكتباتها العامة) فنستمع للمحاضرات الدينية القيمة، وجلسات الأمداح النبوية الشريفة، ومن أكثر الأيام التي أستمتع فيها حين أكون مع زوجي وأولادي خلال شهر رمضان، ونقصد جامعها الكبير للصلاة فيه، ورؤية ساحل المحيط الأطلسي الذي يطل عليه المسجد الكبير.

ويروي لنا حاتم طالب جامعي من العراق 25 سنة، أنه حاول مرة أن يفطر على الطريقة المغربية، لكنه لم يستطع إذ بعد تناوله “الحريرة”، وهي نوع من الحساء، صعب عليه أن يتناول شيئا آخر من الطعام، لدسامة الحريرة، وتضمنها الكثير من المواد التي لا تهضم بسهولة، ففيها البيض المخفوق والدقيق، والحمص، والعدس، والفاصوليا، والبطاطا وأنواع من البهارات، والمقبلات، وأنواع من الخضار أهمها أغصان السلق.

المرابطون

ويصف أبوفاطمة وهو خطاط سوداني يبلغ من العمر 60 سنة مقيم بالدار البيضاء، جامع الحسن الثاني بالدار البيضاء قائلا “إنه تحفة معمارية بين مساجد المملكة، تزدهي قبته بالآيات القرآنية، وأسماء الله الحسنى، وكل هذا الفن الفريد والخط الجميل، هو من تصميم المعماري والفنان المغربي كمال بيلامين، وهو ذاته الذي صمم صرحا معماريا آخر، هو ضريح الملك الراحل محمد الخامس”.

ويضيف أن “جوامع المغرب مبنية بطريقة تتيح لك الشعور بقدمها، والراحة الروحية فيها، وتشعر أنها قادمة إليك من تراث عمره ألف سنة، حتى الهواء الذي تتنفسه داخلها تشعر بأنه قادم من زمن دولتي الموحدين والمرابطين، وهي دول أقيمت في جغرافيا المغرب قبل قرون، فينتابك خدر ينقلك إلى أسمى الراحات النفسية، التي لم تشعر فيها في أي جامع وفي آي بلد آخر”.

ويعد أبوعبد الله وهو تاجر من الأردن، أحد الزائرين العرب للمغرب الذين لم يستسيغوا تقاليد وعادات رمضان هناك، وهو يزور المغرب بين فترة وأخرى لعقد صفقات تجارية.

وقال أبوعبد الله “السائح لن يجد خلال هذه الأيام المباركة المرافق، التي تسهل عليه المكوث أو توفر له الخدمة كمسافر، وعليه أن يصوم في هذا البلد مع الصائمين، وأغلب المطاعم تكون في إجازة، أو تحت خدمة إعادة التوظيب، والتصليح السنوي لمرافقها. والشوارع لا تدب فيها الحركة إلا وقت العصر، قبل المغرب بوقت قصير، إذ يحتشد الناس في الأسواق لشراء ما ينقصهم لفطورهم، من الحلوى والمواد الغذائية”.

وتحفل أيام رمضان في المغرب بالكثير مما لم يألفه المقيمون في هذه البلاد الشقيقة من عادات وأنواع طعام، وتقاليد ثقافية غير معروفة لديهم، أو في الدول العربية والإسلامية الأخرى، التي أقاموا وعاشوا فيها، وهذه حقيقة يشعرها كل وافد جديد.

20