طلاب جامعة عدن يكنسون غبار الحرب عن كلياتهم

قد تحوّل الحرب الجامعات والمدارس والمعاهد إلى ركام وهي غايتها، إضافة إلى بث الفوضى والعنف، لكنها ستظل عاجزة أمام رغبة الطلبة والأساتذة في مواصلة تلقي دروس العلم حتى لو لزم الأمر في العراء لأن العلم يهزم الحرب دائما، ولا يعترف بوحشية المعارك. فالمتسلح بالعلم مؤمن بالحياة.
الأربعاء 2015/10/14
عدن تدشن عامها الدراسي الجديد الذي يعد تطبيعا حقيقيا للحياة في المحافظة وباقي مدن الجنوب

عدن (اليمن) - بعد أشهر من الانقطاع، عاد طلاب جامعة عدن (الحكومية)، جنوبي اليمن، الأسبوع الحالي، إلى مقاعد الدراسة، متجاوزين مشاهد الدمار والخراب التي طالت كل ركن من جامعتهم، وكلهم أمل في غد مشرق ومستقبل واعد.

فمنذ السبت الماضي، دشنت محافظة عدن، ومدن أخرى جنوبية، كأبين، والضالع، ولحج، العام الدراسي، لجميع المراحل التعليمية، بعد تأجيله أكثر من مرة، بسبب الحرب الدائرة، منذ مارس الماضي، فيما لا يزال هذا الأمر، متعثرا في المحافظات الأخرى التي لم تعلن حتى الآن، نتائج امتحانات الشهادتين الثانوية والأساسية، للعام الدراسي الماضي.

وإن كانت عودة الحياة إلى كليات جامعة عدن، الحكومية الوحيدة في المحافظة (تأسست عام 1970)، قد شكلت انتصارا حقيقيا على صنوف الدمار، التي اكتوت بها المحافظة عموما، وما طالها من خراب وتدمير، فإن بدء الدراسة يُعد نافذة جديدة لعصرٍ جديد، دافق بالنور، مشع بالعطاء، وفق ما يرى الكثير من طلابها.

في كلية التربية، بمدينة “خور مكسر” بالمحافظة، كانت الحياة قد دبت بشكل لافت في مختلف الأقسام، فما بين عناق الطلاب لبعضهم، والأحاديث الجانبية، وتجمعات الفتيات، والأصوات المتعالية من بين القاعات، حيث تجري عمليات النظافة والتهيئة، كان عزان عبدوه قائد، نائب عميد الكلية لشؤون الطلاب، يراقب طلابه وكله أمل بغد أفضل ومستقبل واعد.

يقول قائد “هذا يوم للتاريخ، لا لأننا دشّنا العام الدراسي الجديد بعد الليالي الحالكات التي مررنا بها، وإنما لوقوفنا اليوم صفا واحدا، من هيئة تعليمة، وأساتذة، وطلاب، في وجه المعوقات، والمنغصات المتمثلة في التغلب على حالة الشتات التي خلفها عدوان مليشيات الحوثي، وأثره السلبي على سير العملية التعليمية، وما تبعه من دمار طال مباني الجامعة عامة.”

حملة طوعية شارك فيها كل منتسبي الجامعة لتنظيف قاعات ومكاتب وساحات مختلف الكليات

يلتقط الحديث نائب عميد الكلية لشؤون الدراسات والبحث العلمي، د.مهدي حسين جعبل، قائلا “أنت تشاهد حالة الحراك الموجودة الآن في مختلف الأقسام، بعد أن أطلقنا حملة طوعية شارك فيها كل منتسبي الجامعة، لتنظيف قاعات ومكاتب وساحات مختلف الكليات (الطب، والتربية، والعلوم الإدارية، واللغات، والآداب، والحقوق، والعلوم، والهندسة، والصيدلة وغيرها)”.

ويضيف “هذا أمر يعكس رغبة الجميع من أعلى هرم في الجامعة إلى آخر طالب، في العمل، وحب التعليم، ومغادرة ساحات الخمول والكسل التي جثمت على أنفاسنا طوال فترة الحرب”. من جهتها، رأت عميد كلية العلوم، نجاة علي مقبل، أن بدء الدراسة “يمثل عودة حقيقية للحياة في عدن، وتتويجاً لانتصارات المقاومة ودحرها للمليشيات المتمردة على الشرعية”.

في إحدى الساحات كان الطالبان، حسين بن علي المحرمي، وعلي عبدالرحمن جعفر، من قسم اللغة العربية، يتبادلان الحديث وقد علت وجنتيهما الابتسامة، فرحا بالعودة إلى مقاعد الدراسة.

يقول المحرمي “هذا يوم سعيد بكل تأكيد، فما أجملها لحظات حين عانقت أعيننا باحة وأقسام الكلية، بعد فترة غياب قسرية غادرنا خلالها قاعات الدراسة إلى ساحات الوغى والمعارك، وما حضورنا اليوم بهذه الكثافة إلا استكمال للعهد الذي قطعناه على أنفسنا ببناء هذا الوطن، والإخلاص له في مختلف الميادين”.

العودة الجامعية لحظة فارقة في حياة الطلبة

في قسم الفلسفة والاجتماع، كانت علامات التعب قد بدت على رئيس القسم، فضل الربيعي، نتيجة القيام بأعمال النظافة مع باقي الطلاب.

وقال “سنفتح نافذة للنور، وما أحدثته ميليشيات الحوثي وصالح، لن يثنينا عن ممارسة عملنا، ولعلك قد رأيت كم هو رائع وجميل هذا التفاني والإخلاص من قبل الطلبة، والطالبات، وجميع الأساتذة، والمدرسين في العمل، من أجل إعادة العملية التعليمية إلى سابق عهدها.”

وتابع “كلنا أمل أن يكون هذا العام عاما للنجاحات الكبيرة، فنحن في عدن لا نقبل الوقوف في مؤخرة الترتيب ونتطلع دوما أن نكون في المقدمة”.

عذراء حسن علي، مدير مكتب عمادة كلية العلوم، اعتبرت العودة إلى حرم الجامعة “لحظة فارقة” في حياتها.

وقالت “حجم الخراب والدمار لا شك أنه كبير، لكنه أبدا لن يثنينا عن كتابة فصل جديد من الأمل”.

وغير بعيد عن المكان، تتجول كل من الطالبتين زهراء اليهري، ودعاء طلعت، في قسم اللغة الإنكليزية، بين قاعات القسم، ولسان حالهما يقول إنهما لم تصدقا هذه اللحظة، لاسيما في ظل الوضع المضطرب الذي تشهده البلاد.

تقول اليهري “سعادتنا لا توصف، وفرحتنا لا حدود لها، حين دخلنا إلى قاعة المحاضرات الخاصة بنا، كان ذلك أشبه بحلم ظل يراودنا طوال فترة توقفنا عن الدراسة”.

“نعم نحن اليوم نحمل بين أيدينا أدوات النظافة، وغدا سنحمل الكتب والأقلام وسنرسم بها صورة مشرقة للغد الجميل، وسنخط بأيادينا حكاية شعب جبار لا يقبل حياة التخلف والجهل، وكل ما نتمناه هو أن يكون عاماً بلا مشاكل، وأن يحقق فيه كل الطلبة التوفيق والنجاح”، هكذا مضت زهراء متحدثة عن عودتها للجامعة.

وقال عوض مشبح، مأمور مديرية خور مكسر “هي عدن ممثلة بصرحها العلمي الكبير تنفض غبار المعضلات، وتدشن عامها الدراسي الجديد الذي يعد تطبيعاً حقيقياً للحياة في المحافظة وباقي مدن الجنوب”. واستطرد “الجامعة بعودتها تؤكد أن العزيمة والإرادة حين تكونان حاضرتين، لن يستطيع أحد الوقوف أمامهما وفرملة عجلتهما المنطلقة نحو البناء والتنمية، وإصلاح ما خربته أيادي العبث المتمثلة في ميليشيات الجهل والتخلف”.

20