طلاب سوريا: حلم الدراسة يتلاشى على وقع رسوم تسجيل مكلفة

يتزايد الضغط المفروض على الشعب السوري، رغم ما تسبّبه الحرب الدائرة من نقص في المواد الضرورية وآثار سلبية على البنى التحتية، ويتجلى في أبرز صوره من خلال ما يعيشه طلاب الجامعات من معاناة وظروف دراسية مقيتة، عكسها مؤخرا فرض رسوم إضافية على التسجيل شملت جل الجامعات الحكومية بمختلف المراحل الدراسية.
الثلاثاء 2018/01/23
آمال مسحوقة

دمشق - يعتبر ملف كلفة التسجيل في الجامعات السورية من أبرز الملفات التي أرّقت الطلاب ودفعت بالعديد منهم إلى الانقطاع أو اللجوء إلى مهن هامشية أو الهجرة نحو البلدان المجاورة بحثا عن ظروف أفضل لمواصلة دراستهم. وفي الوقت الذي تزداد فيه الحاجة إلى أبسط المرافق الضرورية في ظل وضع مضطرب بسبب الحرب الدائرة، من تيار كهربائي ومياه شرب ونقص في المواد الاستهلاكية، أعلنت وزارة التعليم العالي السورية عن زيادة رسوم التسجيل بنحو الضعف في كل الجامعات الحكومية وفي مختلف المراحل الدراسية.

وجاء القرار مفاجئا لطلاب الجامعات، حيث تم رفع قيمة رسوم التسجيل في السنوات الدراسية، فوصل بعضها إلى 18 ألف ليرة سورية (34.95 دولار)، أي بارتفاع بمعدل النصف مقارنة مع السنوات الماضية.

وتحدث عدد من الطلاب عن ارتفاع الرسوم في كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية مثلا وفي كلية الكيمياء أيضا، حيث اعتبر البعض منهم أن ذلك لا يتناسب مع ظروفهم المادية، الأمر الذي يزيد من أعبائهم الدراسية وينعكس سلبا على استمرار تحصيلهم العلمي في ظل ظروف صعبة يفرضها النظام. وإضافة إلى أزمة الرسوم، يشتكي طلاب الجامعات من طريقة التعامل غير اللائق والمهين أحيانا، التي ينتهجها الموظفون في ما يخص عملية التسجيل وقبول الطلبات وتسهيل معاملات الطلاب وأخذ ظروفهم بعين الاعتبار.

وقال محمد مازن محايري، عميد كلية الهندسية الميكانيكية والكهربائية في جامعة دمشق، إن الرسوم الجامعية ترتبط بقرار صادر عن وزارة التعليم العالي وهو معمم على جميع الكليات الجامعية. وأشار إلى تقاضي 2700 ليرة سورية (5.24 دولار) من الطالب سنة أولى حديث، و2700 ليرة (5.24 دولار) للطلاب من السنوات الثانية والثالثة والرابعة، أما الطالب المستجد من السنة الخامسة، فيدفع 7700 ليرة (14.95 دولار) من ضمنها رسم الشهادة بمبلغ 5 آلاف ليرة.

الوزارة تبرر قرار زيادة الرسوم بأنه جاء نتيجة لارتفاع تكاليف الخدمات التي تقدم إلى الطلاب كأوراق الامتحانات والمواد المخبرية

وقال رياض طيفور، معاون وزير التعليم العالي لشؤون الطلبة، إن “الزيادة الطارئة لا تشكل نسبة 20 بالمئة من ارتفاع أسعار بعض المواد التي يستهلكها المواطن، كما أنها لا تقارن برسوم الجامعات الخاصة أو أي نظام أو برنامج تعليمي آخر”.

وأضاف محايري أن الطالب الراسب لمرة واحدة سيدفع 5400 ليرة (10.48 دولار)، والراسب مرتين 10900 ليرة (21.16 دولار)، والراسب 3 مرات سيدفع 13400 ليرة (26.02 دولار)، أما الراسب 4 مرات فسيدفع 18900 ليرة سورية (36.70 دولار)، كما أن الرسم من خارج الملاك لكل مقرر فيقدر بـ2000 ليرة (3.88 دولار)، وسيدفع طالب المرسوم (المستنفد) 3000 ليرة (5.82 دولار) لكل مقرر.

وتعالت الأصوات المنتقدة لقرار وزارة التعليم العالي الأخير على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، فيما لم تبد الأخيرة أي نية لمراجعته أو تغييره، مخيّرة الصمت.

وقالت لارا، وهي طالبة وافدة من كلية التجارة في حلب إلى جامعة دمشق، “لا يبدو المبلغ كبيرا بالنسبة للمسؤولين في الوزارة، لكنه كبير جدا بالنسبة إليّ أنا وزملائي النازحين من مدن أخرى. أنا بالكاد أوفر مصاريف مواصلاتي للجامعة”، مضيفة أن “الدراسة اليوم باتت ترفا للكثيرين.. نقضي ساعات طويلة بلا كهرباء ومن دون أي وسيلة تدفئة، ومؤخرا بات علينا شراء المياه للشرب ولا توجد مياه في بيوتنا للاستحمام أو الغسيل ثم يرفعون رسوم الدراسة الجامعية وينتظرون منا أن ندرس ونتخرج!”.

وقال سامر الآغا، طالب سوري كان يدرس الحقوق في دمشق ويعيش حاليا في مدينة الزرقاء الأردنية، “لم أتمكن من استكمال دراستي في الأردن لأنني لا أمتلك وثيقة تثبت دراستي الجامعية السابقة. بالطبع استخراجها اليوم مكلف بالنسبة إلي، لكن المشكلة الأكبر تكمن في أنه لا أحد من عائلتي مازال في سوريا لمساعدتي على الحصول عليها”. وقالت سناء، طالبة في كلية الصيدلة في جامعة دمشق، “كنا ننتظر قرارات تسهّل دراستنا كتخفيض معدلات النجاح أو تقديم قروض طلابية ميسّرة دون فوائد أو حتى زيادة استيعاب الطلاب في السكن الجامعي. لا أحد يعبأ بحياتنا فمن سيعبأ بدراستنا”.

الالتحاق بدراسة الماجستير والدكتوراه في سوريا يتطلب الخضوع لامتحان في اللغة الإنكليزية، والذي زادت تكلفته أيضا لتصل إلى ثلاثة آلاف ليرة سورية عوضا عن ألف ليرة

وتلخّص مختلف وجهات النظر والمواقف التي يطرحها الطلاب حول قرار الوزارة الأخير ظروف عيشهم وطموحاتهم في مواصلة تعليهم، لكنهم في المقابل يصطدمون بوضع قاس تتزايد معه مخاوفهم على مستقبلهم الذي يعمل النظام على طمسه بلا هوادة.

وعن شكاوى الطلاب من ممارسات خاطئة مرتكبة من قبل البعض من أعضاء الهيئة الطلابية، أكد محايري أنه تم ضبط بعض الحالات واتخاذ الإجراءات القانونية بحق من ثبت ارتكابهم لمخالفات.

وحول امتحانات الكلية ونسب الحضور، أكد محايري أن الكلية تضم نحو 14 ألف طالب وطالبة يتوزعون على 8 أقسام، علما وأن هناك تقسيما للعمل في مختلف الأقسام، مبينا أن نسب حضور الامتحانات تتجاوز الـ95 بالمئة في بعض المقررات. وقال عبيدة الأحم، طالب في السنة الثانية في كلية العلوم جامعة دمشق، “لا أحد يهتم بأمرنا، يزيدون الرسوم ونحن بالكاد نتمكن من الدراسة”.

وعلى الرغم من استمرار عمل الجامعات الحكومية في غالبية المدن السورية التي تخضع لسيطرة النظام، إلا أن الظروف المعيشية القاسية التي تشهدها سوريا تجعل من الدراسة أمرا غاية في الصعوبة في ظل استمرار انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة وغياب وسائل التدفئة وارتفاع أسعار المواصلات نتيجة النقص في مادتي البنزين والمازوت، بالإضافة إلى انخفاض سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي بشكل غير مسبوق، وهو ما يضاعف الأزمة المعيشية في البلاد التي تشهد صراعا مستمرا منذ نهاية 2012، وترتفع نسبة الفقر لتصل إلى 83 بالمئة، بحسب تقرير الأمم المتحدة في مارس من 2017.

وبرّرت الوزارة قرار زيادة الرسوم كنتيجة لارتفاع تكاليف الخدمات التي تقدم للطلاب كأوراق الامتحانات والمواد المخبرية.

وأضاف طيفور أن “ما يدفعه الطالب خلال أعوام دراسته لا يتجاوز 25 دولارا بسعر الصرف الحالي (514 ليرة للدولار الواحد)، مما يدل على أن التعليم مازال مجانيا في الجامعات السورية”. وبلغ عدد النازحين داخل الأراضي السورية 6.5 مليون شخص، بحسب إحصائية صادرة عن الأمم المتحدة العام الماضي. فمنذ اندلاع الحرب في العام 2011 وحتى الآن تشردت الآلاف من الأسر، بمعدل 50 عائلة في كل ساعة، وهي نسبة النزوح الأعلى والأقسى عالميا، وفي العام 2016 وحده بلغ عدد النازحين أكثر من 1.2 مليون شخص، نزح أغلبهم للمرة الثانية أو الثالثة على التوالي.

ويتطلب الالتحاق بدراسة الماجستير والدكتوراه في سوريا الخضوع لامتحان في اللغة الإنكليزية، والذي زادت تكلفته أيضا لتصل إلى ثلاثة آلاف ليرة سورية عوضا عن ألف ليرة. كما تم رفع رسوم التسجيل في التعليم الموازي لتصبح 70 ألف ليرة، بدلا من 35 ألفا للكليات النظرية، و100 ألف بدلا من 50 ألفا للكليات التطبيقية.

17