طلاسم دول الجماعات الإرهابية في المنطقة

لا حكومة بغداد ولا حكومة دمشق في إمكانهما أن تستأنفا حياة السكان المدنيين من لحظة الصفر التي تغيب فيها الجماعات الظلامية التي لا يصدق أحد أن زمن غيابهما سيطول.
الخميس 2018/11/22
على الشعوب المبتلاة بشرور التنظيمات الإرهابية أن تفك طلاسمه

ما يجري في أجزاء من العالم العربي يمكن تلخيصه في الواقع بأن جماعات الإسلام السياسي صارت تتحدث باسم الشعوب، بعد أن خطفتها وأخرستها وهيمنت على مصائرها وفرضت عليها وجودها الشاذ وسلاحها غير القانوني في ظل صمت دولي مريب.

لا يزال جرحا سوريا والعراق مفتوحين على الكثير من الألغاز.

ففي العراق استلم الحشد الشعبي الراية من تنظيم داعش الذي هُزم في ظل مشاركة جوية أميركية كان لها الدور الأكبر في حسم المعارك التي ربحها الحشد الشعبي. وفي سوريا اتخذت جبهة النصرة اسم هيئة تحرير الشام بعد أن تعرضت لهزائم ساحقة فلاذت بـ”إدلب” ملجأ أخيرا آمنا، مع ضمان استمرار التمويل الخارجي الذي جرى الاعتراف به علنا.

لا حكومة بغداد ولا حكومة دمشق في إمكانهما أن تستأنفا حياة السكان المدنيين من لحظة الصفر التي تغيب فيها الجماعات الظلامية التي لا يصدق أحد أن زمن غيابهما سيطول.

لقد انزلقت الحياة إلى موقع، صار أمرا طبيعيا فيه أن لا تكون الدولة موجودة وليس لقوانينها من تأثير على سبل العيش. لذلك استعادت أنظمة ما قبل الدولة، وفي مقدمتها العشائرية، نفوذها القوي.

ذلك يعني أن الخروج من زمن الجماعات الإرهابية المسلحة لا يعني بالضرورة العودة إلى زمن الدولة الحديثة.

العودة الميسرة إنما تجري إلى زمن ما قبل الدولة الحديثة. وهو زمن يفقد فيه المواطنون مقومات وعناصر مواطنتهم ليتحولوا إلى أفراد في تجمعات قطيعية يقودها، في الغالب، فرد أو مجموعة قليلة من الأفراد الذين يمسكون بأيديهم خيوط المصائر التي صارت معلقة في الهواء.

في ذلك السياق يمكن النظر إلى ظواهر من نوع حركة حماس في غزة، أو حزب الله في لبنان، أو جماعة الحوثي في اليمن، كونها تنظيمات فئوية ضربت عرض الحائط بمفهوم الدولة الشرعية، لتحل محلها رافعة شعارات دينية هي في حقيقتها مجموعة منتقاة من تراخيص العمل الشعبوي التي تجيز لها الاستيلاء باسم شرعية ملفقة على كل ما كانت الدولة تعنيه من صفات.

اليوم لدينا دولة حماس التي لا تمتّ بصلة إلى المشروع الفلسطيني، بالرغم من أنها تتاجر بأكثر من مليون نسمة من الفلسطينيين تبتز بهم العالم حين تشعر بالحاجة إلى ذلك.

هناك أيضا دولة حزب الله التي هي في طريقها إلى الاستيلاء على لبنان كاملا، حالمة بأن ترفع عَلَمها على الموانئ والمطارات والمباني الرسمية، في انتظار رفعه في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وهناك دولة الحوثيين التي صارت بمثابة اليمن الأخرى التي تُستدْعَى إلى السويد للتفاوض مع حكومة اليمن التي تمثل الدولة الشرعية ليتم التوصل وبرعاية دولية إلى صيغة الدولة في إطارها الجديد.

تلك الظواهر التي باتت كما لو أنها نجحت في تكريس واقعها، إنما يهدد التعامل معها انطلاقا من ذلك الواقع مفهوم الدولة الحديثة، وهو ما يضع الشعوب في مواجهة مصير أقل ما يُقال في وصفه أنه محكوم بالفشل.

وهو ما ترغب في حدوثه تلك التنظيمات الإرهابية التي تقوم علاقتها بالشعب على أساس القمع الذي تمارسه، إما بشكل مباشر أو عن طريق غسل العقول، حين تستسلم الشعوب لقَدَرها.

ومن المؤسف أن النظام السياسي العربي تأخر كثيرا في معالجة تلك الظواهر التي تمت رعايتها من قبل نظام الملالي في إيران.

غير أن ما حدث خطأً لا يعطي مسوّغا للمجتمع الدولي للتعامل مع تلك التنظيمات على أساس كونها تمثل شعبا ما. فهي أولا جماعات عقائدية تابعة للنظام الإيراني، ممولها الرئيس وصانع عقيدتها، وهي ثانيا ليست جزءا من التركيبة السياسية الطبيعية للبلد التي تتحكم بشعبه، وثالثا فإن تلك التنظيمات استغلت ضعف الدولة وهشاشتها لتقيم دولتها التي هي دولة عقائدية لا تمت بصلة إلى مفهوم الدولة الحديثة.

الغريب فعلا أن المجتمع الدولي الذي غضب يوم أقام الدواعش دولتهم وسارع إلى محوها يظهر رضاه عن دولة الحوثيين ويغض النظر عن دولتي حزب الله وحماس. وهو لغز صار على الشعوب المبتلاة بشرور التنظيمات الإرهابية أن تفك طلاسمه لتكون على بينة من أمرها.

8