طلاسم رامي مخلوف

رامي مخلوف، في طلاسمه، يعتبر أن ما يتعرض له، يُعدُّ منهجية تؤدي إلى خراب البلد، وإلى كارثة اقتصادية. فقبل أن تقع مشكلته، لم تكن هذه المنهجية قائمة والخراب لم يكن جاريا وكان الاقتصاد ناهضا.
الخميس 2020/05/21
التعرض لشركة مخلوف هو وحده الذي ينذر بالخراب

تتطلب فيديوهات رامي مخلوف، دخول عدد من العلماء في نظرية الدولة، وآخرين من علماء النفس، ومجموعة من الراسخين في العلم بخفايا وأحوال الدولة السورية، لكي يقدموا تقريرا يفسر ما يتفوه به المذكور، ويتجاوز التفسير الشعبي العام والمختزل، الذي يؤكد على وقوع الشقاق بين عناصر الأسرة في عمومتها وخؤولتها!

رامي مخلوف، يقدم أنموذجا غير مسبوق، على مستوى رجال الأعمال في العالم الثالث، وهو رجل الأعمال والأفعال والأفاعيل. ومن موقعه هذا، وبجمع كل ملاحظاته، يعطي السوريين والعرب المتعلقة أفئدتهم بسوريا ومصيرها؛ صورة تقريبية للنظام الذي يزعم أن لولاه لفقدت سوريا وحدتها وذهبت مع الريح.

ذلك على الرغم من التزام رجل الأفاعيل، أسلوبا أشبه بالطلاسم، لكنها هي الأخرى غير مسبوقة في نوعها، إذ يتلقاها السوريون والعرب والعالم، بصيغة تجهيل الفاعل المضاد، بينما ليس أسهل على المتلقين، من أن يعرفوا هذا الفاعل المقصود بالتجهيل. وبدا واضحا أن رامي مخلوف، يستند إلى هذه الحقيقة.

هو يكرر الإشارة إلى “جهات”، وفي هذا إخلال بأحد أهم وأقدم ثوابت النظام الحاكم في سوريا وأعمقها رسوخا، حيث تحسم جهة واحدة، كافة الأمور، وهي جهة عائلية لها رأس هو رئيس البلاد، الذي لن يقبل جهة أخرى تحسم، وما دون ذلك الموت الزؤام.

والأنكى، في إشارته إلى “جهات”، زعمه أن ما تقرره بخصوصه وبخصوص شركته، ليس رسميا ولا نظاميا، وهنا يضرب في جدارة الرئيس الذي يؤكد في السياق على طاعته له، بحكم وجود آخرين يمارسون أعمالا سلطوية، بحجم ما يُمارس عليه، وهو من هو، نفوذا وثراء وقربا من العصبية العائلية الحاكمة، بينما هم غير رسميين!

لا يختلف اثنان، على أن كلام مخلوف، في هذه النقطة، بلا معنى. لأنه بتجهيل الفاعل وبحديثه كذبا عن “جهات” إنما يقصد بشار الأسد حصرا، ومن ورائه وبجانبه، قرينته السيدة أسماء الأخرس، أم “حافظ الثاني” الوريث المرتجى، بعد عمر طويل لوالده، حسب منهجية كوريا الشمالية!

والأطرف، أن رامي مخلوف، في طلاسمه، يعتبر أن ما يتعرض له، يُعدُّ – في نظره – منهجية تؤدي إلى خراب البلد، وإلى كارثة اقتصادية. فقبل أن تقع مشكلته، لم تكن هذه المنهجية قائمة والخراب لم يكن جاريا وكان الاقتصاد ناهضا، لأن أرباح الشركة التي “تصب في صالح المجتمع” أي المجتمع نفسه، الذي جُنيت منه الأرباح.

لكن صاحب الطلاسم، يرى هذه المرة، أن “الجهات” قد ازداد جشعها، فتطلبت أكثر، وبمليارات الليرات السورية، ولم يكن ما تطالب به ضرائب، لأن وصفها كضرائب، نوع من التدليس، فهي “خُوّات” بلا حق وبلا قانون، ومع ذلك هو يتقبلها على مضض، وجاهز لدفعها و”تكرم عيونهم”، فقد أرسل كتابا “رسميا” يؤكد فيه استعداده للدفع “دعما للدولة”!

وليس غريبا أن يتجرأ رجل الأفاعيل، على المجاهرة بكون الدولة التي أتاحت له ولنفر قليل من المحسوبين على العائلة، التحكم في اقتصاد البلاد؛ قد أصبحت في حاجة إلى الدعم من أشخاص لا يزيد عددهم عن عدد أصابع اليد الواحدة. فالليرة السورية، فقدت ثلاثين ضعفا من قيمتها، ووفق أسعار صرف الأيام الأخيرة، تكون العملة السورية قد فقدت أكثر من 29 ضعفا من قيمتها أمام العملات الأميركية والأوروبية واليابانية والصينية، وأصبح الدولار في السوق الموازية يساوي 1805 ليرات، بينما كان لا يزيد عن 50 ليرة في العام 2011.

فخلال السنوات التسع الماضية، لم يكن هناك أي خراب – حسب ذاكرة مخلوف – وعندما اختار بشار الأسد، الحل الأمني لمواجهة مشكلة درعا، لم تكن هناك منهجية تدمر الاقتصاد والبلاد والعباد. ويعلم رامي أكثر من غيره، أن المصرف المركزي السوري، قد أصبح قبل أن تنفجر مشكلته خاليا من النقد الأجنبي، وهذا الذي اضطر “الجهات” التي يقصد بها جهة واحدة، مضطرا إلى اللجوء إلى المصرف المركزي “المخلوفي”، لانتشال المصرف المركزي السوري، ولا غرابة في ذلك، على قاعدة “وداوني، بالتي كانت هي الداءُ”!

يتشكى رامي مخلوف ويستهجن طلب “الجهات” إزاحته شخصيا عن رئاسة شركة الاتصالات، ويقول مستغربا ومستهجنا إن وجوده قد أصبح مزعجا، بينما هو لم يتخلّ عن بلاده وعن رئيسه في الحرب. وأيّ حرب وعلى مَن؟ إنها الحرب على الشعب الذي منه أحد عشر مليون مشترك لديه، يدفع للشركة كُلفة اتصالاته كما يقررها رامي مخلوف. والمتحدث أصبح في محنته يعرف معنى الخيانة، ويقول إن التنحي عن رئاسة الشركة، بمثابة خيانة. أما الوفاء المألوف للوطن وللشعب، في أعراف النظام والعائلة، فهو أن ينفرد حضرته، ومجموعة صغيرة من أمثاله، باقتصاد البلاد، ولا يتيح لمجتمع اقتصادي فيها أن يتشكل، ولا لدورة اقتصادية طبيعية أن تدور، ولا أن تتحقق أرباح تتناسب ودخول المواطنين، وأن تُجنى بشرف وتواضع.

لذا كان منطقيا أن دُمر الاقتصاد مع العمران، وتفشى الخراب، وأن “يميل” صاحب الفضل، على المستفيدين من فضله، لاسيما وأن المال عندهم قد فاض وتحول صرفه واستهلاكه إلى ابتذال، ليس أبلغ تعبيرا عنه، من تمظهر “محمد” نجل رامي في دبي، مستعرضا طائرته الخاصة وأسطول سياراته التي لا تملكها أسرة ملكية في أوروبا، وقواربه السريعة وقصره المنيف!

لا شيء من قبل، حسب طلاسم مخلوف، كان ينم عن انهيار للاقتصاد السوري. التعرض لشركته هو وحده الذي ينذر بالخراب. ومن المفارقات، أن هكذا دجل، يحاول رامي تغليفه بتفوهات إيمانية ارتجلت الكثير من الجمل القَدرية دون أيّ معرفة سابقة بالديانة. فالحساب عنده، إن لم يكن عند أهل الأرض، فليكن عند “أهل السماء” وكأن السماء لها أهل عديدون، وليس ربا واحدا، إن كان المتحدث مؤمنا.

غير أن التلميح الأخطر، الذي لم يستطع المجاهرة به، فهو الطلسم المتعلق بـ”أم حافظ”، ويقصد به، استثارة الطائفة، على اعتبار أن قرينة الرئيس سُنيّة، بل إنها هي أهل السُنة الصابرين العابدين، وليس السبعة مليون سوري، المشردين في أربع رياح الأرض.

9