طلاق بائن بين المدنيين والمحاكم العسكرية في المغرب

الثلاثاء 2014/03/18

تجلت الحلقة القوية والرائدة في العناية واستكمال النهوض بآليات حقوق الإنسان بالمغرب في المصادقة على مشروع قانون مهم ومتطور من طرف المجلس الوزاري برئاسة الملك محمد السادس. وهو مشروع قانون يتعلق بإخراج الأشخاص المدنيين من اختصاص المحكمة العسكرية بشكل نهائي، للقطع مع عهد كان يحاكم المدني بقانون عسكري يفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة. حيث لم يعد هناك من مبرر قانوني ولا حقوقي لمثول المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وهي خطوة في اتجاه تعزيز دولة مؤسسات القانون وجاءت استجابة لتطلعات المجتمع بعد نقاشات مستفيضة خاضها الجسم الحقوقي بالمغرب تأكيدا للعدالة والمساواة.

غالبا ما كانت الوضعية الحقوقية بالمغرب تحت مجهر المنظمات الحقوقية الدولية، وتعاطت بعض تلك المنظمات مع السلبيات الحقوقية التي عرفتها البلاد وضخمتها لاعتبارات سياسية محضة، وتغاضت عن المكتسبات التي استطاعت المملكة أن تراكمها عبر سنوات من نضال المجتمع المدني والأحزاب والمنظمات المغربية التي تعنى بحقوق الإنسان، وقد استطاع المغرب أن يُضَمِّنَ النصوص الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان في الوثيقة الدستورية لسنة 2011 وهو امتياز يحتاج إلى تنزيل مقتضياته بشكل أكثر جرأة.

ونجد أن محاكمة المدنيين في محاكم مدنية وليست عسكرية تمثل ضربة استباقية للهيئات الدولية الحقوقية وغيرها التي كانت تؤاخذ المغرب على سلوكه هذا النهج، ونقطة إيجابية في سياق تحقيق انتظارات المواطن المغربي المرتبطة بحياته المدنية.

إن تحقيق العدالة والإنصاف والمساواة بين الأفراد كتجسيد حيوي للحق ومفهوم للمواطنة، لا يمكن تصوره خارج ترسيخ مناخ وثقافة حقوقية بين طرفي المعادلة، مؤسسات الدولة والمجتمع، لتمكين الناس من حقوقهم من خلال التأكيد على قوانين العدالة واحترام المواطنة الكاملة المبنية على فلسفة الحق والواجب وتحمل المسؤولية.

وبالحديث عن محاكمة المدنيين أمام هيئة القضاء المدني نجد أن هذا التوجه يتماشى مع حرمة القضاء واستقلاله، وإشارة من الدولة المغربية إلى أنها لن تتراجع عن تدعيم وترسيخ دولة القانون واحترام المواثيق الدولية التي تقر بحق محاكمة المدنيين في المحاكم المدنية، وهي مبادرة جاءت في إطار تفعيل الفصل بين الاختصاصات، وتعميقا للقضاء العادل، ومنح الفرصة لاستئناف الحكم.

باعتبار أن المغرب أصبح عضوا رسميا في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لفترة تمتد بين 2014-2016، فقد صار لزاما عليه ملاءمة قوانينه مع المواثيق الدولية في مجال حقوق الإنسان، ولن نغفل هنا أن هذا المسعى الحقوقي لم يعد ترفا أمام تربص كل المناهضين للوحدة الترابية، الذين يجتهدون من أجل التدخل في السيادة المغربية بحشدهم كل الإمكانيات للتضييق على المغرب في قضية الصحراء داخل المحافل الدولية والحقوقية منها على الخصوص.

ونحن على مشارف شهر أبريل، سوف يقدم كريستوفر روس، المبعوث الشخصي للأمين العام الأممي إلى الصحراء، تقريره السنوي عن عمل البعثة والأوضاع الحقوقية في الصحراء الغربية، وتصويت مجلس الأمن على تجديد بعثة المينورسو حيث هناك من ينادي بتوسيع اختصاصاتها من مراقبة إطلاق النار إلى مراقبة حقوق الإنسان بالأقاليم الجنوبية، نرى إلزامية تكثيف الجهود وتنويع الدبلوماسيات الموازية وتعميق الحقوق واختيار الوفود المناسبة للدفاع عن مكتسبات المغرب وبالخصوص الورشات الإصلاحية التي دشنها المغرب في خدمة التنمية ومنها خاصة تكوين رجال الأمن في المجال الحقوقي.

تكملة لهذا السياق، أعلنت الحكومة المغربية الخميس الماضي عن إجراءات لـ”ضمان حماية واحترام حقوق الإنسان” في الأقاليم الجنوبية، حيث ورد في بيان لوزارة الاتصال “تعيين نقاط اتصال دائمة ومخاطبين محددين داخل الوزارات المعنية بشكل أكثر بشكايات المواطنين، وتحديد مدة معينة للإجابة عنها في مدة أقصاها ثلاثة أشهر، مع العمل على نشر الردود المتعلقة بها”.

قد يجادل البعض حول طبيعة هذا الامتياز للأقاليم الجنوبية، لكن بالنظر إلى وضعية الرقعة الجغرافية الحساسة وبالإضافة إلى مناورات الانفصاليين سواء في الداخل أو الخارج، نجد أن هذه المبادرة لها ما يبررها، ولا خوف على الحقوق في الداخل ما دام الجسم الحقوقي يواكب تطبيق مقتضيات الميثاق العالمي للحقوق كما عبر عن ذلك المجلس الوطني لحقوق الإنسان بـالقول إن واجبه الدستوري يحتم عليه “ضمان حماية واحترام حقوق الإنسان على الصعيد الوطني”.

بالمناسبة ثبت أن الدولة المغربية تعتمد سياسة التدرج في الإصلاح، لكن المطلوب أمام التحديات الموضوعة في طريق الورشات المفتوحة حقوقيا وتنمويا وسياسيا واقتصاديا داخل التراب الوطني، هو الإسراع في تنزيل مقتضيات الدستور والدفع في اتجاه الشفافية وبناء الثقة وتعزيز أسلوب الحكامة وذلك للقطع مع الممارسات السابقة في مجال حقوق الإنسان والسير قدما نحو بناء دولة القانون وحماية حقوق الإنسان. هنا لابد من الإشارة إلى أن التكوين وإعادة تأهيل الأطر المغربية في أساسيات ومبادئ حقوق الإنسان يدخل في إطار الحكامة الجيدة والدفاع الأكثر احترافية أمام المنظمات الدولية على مكتسبات المغرب الحقوقية.

يمكن للبعض أن يتساءل هل فقط الظرفية الإقليمية والدولية هي التي حتمت القيام ببعض التحركات من قبيل تشريع قوانين تحمي المواطن؟

نقول إنه لا أحد يستطيع الإنكار أن وضعية حقوق وحريات الإنسان بالمغرب هي أكثر تقدما من أقطار أخرى تمعن سلطاتها في مصادرتها، لكننا نرى أن هذا المكسب الحقوقي الذي كان ثمرة نضالات وتوافقات بين المجتمع بأطيافه من جهة، وإرادة دولة تريد أن تنفتح أكثر على نموذج ديمقراطي أكثر رسوخا من جهة أخرى، هو مكسب يحتاج إلى جهد واقعي وجدي من كافة الفاعلين لترسيخه من أجل تخطي سلبيات الماضي والتعامل مع المشاريع والمقترحات الحقوقية وغيرها بنظرة استراتيجية لا من منطلق ردود أفعال فقط.

كاتب مغربي

9