طلاق بريطانيا المستحيل من الاتحاد الأوروبي

الاثنين 2015/06/15

رغم التهويل الإعلامي الواسع من خطورة الاستفتاء على بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، إلا أن التمعن في الحقائق والأرقام وتفاصيل الجبهات التي ستخوض معركة الاستفتاء تؤكد استحالة خروج بريطانيا من التكتل الأوروبي.

حجم الاهتمام بالاستفتاء مبرر تماما لأنه يمثل أبرز التحديات التي تواجه الاتحاد الأوروبي، بعد أن تمكن حزب المحافظين من الفوز بالأغلبية في الانتخابات البرلمانية التي جرت الشهر الماضي.

وتبدو حكومة البريطانيين في مأزق شديد، بعد أن تعهدت قبل الانتخابات بإجراء الاستفتاء بحلول عام 2017، بعد إعادة التفاوض على العلاقة مع الاتحاد، رغم أنها لا تؤيد الخروج، وتؤكد أنها ستدعو ناخبيها للتصويت بالبقاء داخل الاتحاد الأوروبي.

وقد أشعل فوز المحافظين وحتمية إجراء الاستفتاء، والموقف الشعبي المناوئ للاتحاد الأوروبي، الذي تذكيه التكتلات اليمينية، مثل حزب الاستقلال، جدلا واسعا في بريطانيا وأرجاء الاتحاد الأوروبي.

سبب القلق يكمن في أن خروج بريطانيا من التكتل يمكن أن يوجه ضربة شديدة إلى الاقتصاد البريطاني، وضربة مماثلة إلى مستقبل بقاء الاتحاد، قد تكون أقسى حتى من احتمال خروج اليونان من منطقة اليورو.

ويبدو أن تحرك الكثير من المؤسسات المالية الأوروبية والبريطانية لدراسة عواقب الاستفتاء، يهدف لثني البريطانيين عن التصويت للخروج من التكتل. وذهبت بعض المؤسسات العملاقة مثل دويتشه بنك ومصرف أتش.أس.بي.سي إلى تشكيل فرق لدراسة تأثير ذلك الخروج وإمكانية نقل مقراتها وأنشطتها من بريطانيا إلى داخل الاتحاد. بل إن مؤسسة ستاندرد أن بورز للتصنيف الائتماني قالت في الأسبوع الماضي، إن بريطانيا قد تفقد تصنيفها الممتاز بسبب إصرار لندن على إجراء الاستفتاء. بل إنها أرسلت إنذارا شديد اللهجة من خلال خفض تصنيف الديون السيادية البريطانية.

لكن ما مدى واقعية إمكانية تصويت البريطانيين بالخروج من الاتحاد الأوروبي؟

استطلاعات الرأي تشير إلى وجود تأييد شعبي واسع للخروج، لكنه تأييد عاطفي ويستند إلى الإشاعات ويتركز في الأوساط الشعبية الناقمة على تدفق المهاجرين من أوروبا الشرقية ومنافستهم للبريطانيين في سوق الوظائف.

الصورة يمكن أن تتغير بشكل كبير كلما اقترب موعد الاستفتاء لأن أوساط الأعمال الرافضة بالإجماع للخروج من الاتحاد الأوروبي، ستشعل جميع صفارات الانذار وستعرض للبريطاني العادي السيناريوهات الكارثية لتصويت من ذلك النوع.

ويشبه السيناريو ما حدث في استفتاء استقلال اسكتلندا، رغم أنه الأخير كان يلقى تأييدا قوميا واسعا، لكن معظم الأحزاب السياسية والأوساط الاقتصادية والمالية توحدت وبثت الرعب في أوساط الاسكتلنديين من سيناريوهات الاستقلال الكارثية.

وقد وجدنا أن الاسكتلنديين تراجعوا عن تأييد الحزب الوطني الاسكتلندري في ملف الاستفتاء، ثم عادوا ليؤيدوا الحزب في الانتخابات العامة في الشهر الماضي بأغلبية ساحقة، مما يؤكد أن المصالح الاقتصادية لها القول الفصل في نهاية المطاف في الاستفتاءات المصرية التي تمس مستقبل الشركات وجيوب المواطنين.

كما أن من المرجح أن يحصل رئيس الوزراء ديفيد كاميرون على بعض التنازلات، مهما كانت شكلية، في مجال حقوق المهاجرين في الحصول على الإعانات الاجتماعية، ليقوم بتسويقها للناخبين على أنها تنازلات أوروبية، لكي يعزز موقفه الرافض للخروج من الاتحاد الأوروبي أمام الناخبين.

كل ذلك يرجح أن القوى السياسية والاقتصادية والمالية ستتوحد كلما اقترب موعد الاستفتاء، لتصور للبريطانيين حجم الكارثة التي تنتظرهم في حال الخروج من الاتحاد الأوروبي، سواء كان ذلك واقعيا أم لا.

ولن يتورع البعض عن تصوير أن الشمس لن تشرق على بريطانيا إذا خرجت من الاتحاد الأوروبي.

ذخيرة الجهات الرافضة للخروج أكبر من كل الأرقام التي يمكن عرضها على الناخبين البريطانيين، إذ أن أكثر من 70 بالمئة من التبادل التجاري للمملكة المتحدة يتم مع شركائها في الاتحاد الأوروبي، وسيتم عرض الشلل الذي سيصيب الاقتصاد البريطاني في حال الخروج.

كما أن المركز المالي في لندن وهو أكبر مركز مالي في العالم، ويساهم بحصة كبيرة من الناتج المحلي البريطاني، يمكن أن يتعرض لزلزال كبير إذا نقلت المؤسسات الكبرى مقراتها من لندن إلى المركز المنافسة في أوروبا مثل فرانكفورت ولوكسمبورع وغيرها.

وستتوحد كل تلك الماكنة الاقتصادية والمالية لمنع ذلك الخروج، مثلما لوحت مجموعة بريتش بتروليم ومؤسسات مالية مثل رويال بنك أوف سكوتلند وسكتش ويدوز بنقل مقراتها من اسكتلندا، وتمكنت فعلا من ثني الاسكتلنديين عن التصويت للاستقلال عن بريطانيا في سبتمبر الماضي.

أما الماكنة السياسية فحدث ولا حرج، حيث ستتوحد أحزاب المحافظين والعمال والليبراليين الديمقراطيين، إلى جانب الحزب الوطني الاسكتلندي وأحزاب ويلز وايرلندا الشمالية، وصولا إلى حزب الخضر في حث ناخبيهم على رفض الخروج من الاتحاد الأوروبي.

يكفي أن نشير أن الأحزاب التي ستدعم الخروج من الاتحاد الأوروبي لديها مقعد واحد في البرلمان البريطاني هو مقعد حزب الاستقلال، مقابل 649 مقدا للأحزاب الرافضة للخروج.

وحتى على صعيد التصويت الشعبي، فإن نحو 30 مليون ناخب صوتوا في انتخابات الشهر الماضي لأحزاب ترفض الخروج من الاتحاد الأوروبي، مقابل نحو 4 ملايين صوتوا لأحزاب تؤيد الخروج.

بعبارة أخرى، ستكون هناك جبهة هائلة من القوى السياسية والاقتصادية والمالية مسلحة بالحقائق والأرقام، في مواجهة صوت وحيد يعتمد خطابا عاطفيا، ليس مدعوما بالحقائق والأرقام.

هناك هوامش كثيرة يمكن أن تتمرد على إرادة تلك الأحزاب، خاصة من ناخبي حزب المحافظين، لكن يصعب تخيل تمرد واسع يمكن أن يقود نتيجة الاستفتاء الى الخروج من الاتحاد الأوروبي في مواجهة تلك الجبهة السياسية والمالية والاقتصادية الواسعة.

وستحشد تلك الجهات، التي تهيمن على وسائل الإعلام من تلفزيونات وصحف ومجلات وفضاءات إلكترونية، جميع إمكاناتها لإيصال رسالتها عن خطورة الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وتمتد ذخيرة تلك الجبهة العريضة الرافضة للخروج، إلى حقيقة أن عدد البريطانيين الذين يعملون في دول الاتحاد الأوروبي يفوق عدد الأوروبيين الذين يعملون في بريطانيا، وأن أولئك البريطانيين سيفقدون حق العمل والحصول على الإعانات في البلدان الأوروبية.

وقد تمتد حملة التخويف إلى أن البريطانيين قد تفرض عليهم بعض دول الاتحاد الحصول على تأشيرة لدخول أراضيها.

كل ذلك يجعل إمكانية التصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي من المستحيلات.

10