طلاق في الخريف

الاثنين 2016/10/24

سنوات دراستي الجامعية كانت قاتمة، كاحلة كالصحراء، لم أعش فترة مراهقة كتلك التي تعيشها الفتيات أو أستمتع بحياتي كما أسمع ممن هن في مثل عمري. فقد كانت الدراسة الجامعية والتحصيل العلمي هما شغلي الشاغل، ليست لي صداقات أو علاقات من أي نوع حتى مع الفتيات اللاتي كن يعتبرنني فتاة منغلقة ثقيلة الظل “لزجة”، وبالأحرى مع الشبان، فبالرغم من جمالي الملفت إلا أنه كان مكفّنا خلف نظارة طبية سميكة وخجل ومسافة بعيدة تفصلني عن الجميع.

التقيته في السنة الدراسية الأخيرة لي وكان معيدا بالكلية وبدأت أشعر من نظراته الخجولة بشيء مشترك بيننا. أشعرني بأنني إنسانة طبيعية مثل الأخريات من حقي أن أحب وأجد من يبادلني حبا بحب، كشف النقاب عن أنوثتي المدفونة وبدأت أعشق صورتي في المرآة.

تقدم لخطبتي، تعلمت معه معنى الحياة والحب وكل شيء، تزوجنا سريعا ومرت سنوات الزواج الأولى لطيفة دون منغصات، ولم يحول عدم إنجابي بوصلة مشاعره عني رغم تأكده، عن طريق التحاليل الطبية، من أنه لا يمكنني الإنجاب بأي وسيلة علاجية ممكنة.

لم يشعرني بالنقص يوما، ولكنني كنت أستنشق شوقه للأطفال من أنفاسه الحارقة التي كان يزفرها بصدري وهو يضمني حبا وشفقة. كانت دموعي من أجله وليست من أجلي، ألعن عجزي عن تحقيق حلمه، وسنوات عمري تفر هاربة دون جدوى. أختبئ خلف صمتي، وقلبي يشتعل حبا وحنينا، لم أجد بدا من زواجه بأخرى، ولكنها غيرة المرأة تشعل النار في قلبي وتتعالى ألسنة اللهب لعنان السماء. صارحته برغبتي في الانفصال، كاذبة، لكنني كنت أبحث عن سعادته هو دون النظر لشيء آخر.

حاول أن تستمر حياتنا معا على وعد أن تكون الأخرى مجرد “رحم”، قارب صغير يعبر به إلى شاطئ أحلامه، ويحمل له أطفالا يخلّدون ذكراه. لكنني لم أستطع رؤية حبيب العمر ممزقا بين قلبين غارقا في إرضاء امرأتين معا.

خشيت أن ينشطر إلى نصفين كلاهما يبحث عن دفء. أعترف أنني أخطأت بحق نفسي حين تركته، وفي حقه حين ظل إلى جواري خمسة عشر عاما بلا أطفال. آثرته على نفسي وفي الحقيقة فقد خشيت أن يخذلني نضجي وتعقلي، فأغار عليه غيرة تفسد عليه حياته.. خشيت أن يحمل رحم غيري حلمي في طفل يحمل اسمه وملامحه وبعضا مني.

استمعت لتلك المرأة بقلبي وليس بأذني تختنق في حلقها الكلمات، ويغالبها الدمع كثيرا، كنت أستوقفها حتى لا تغالبني دموعي أنا الأخرى، فلا شك أنها تحمل الكثير من النبل والنضج العاطفي إلا أنها خرجت من حياة كاملة، بيت، وزوج، وكيان إلى برودة تامة وتجمد الحياة من حولها.

أرفض الطلاق أو الانفصال بكافة أشكاله، سواء الانفصال في حالة بقاء الزوجين تحت سقف واحد حفاظا على مصلحة الأبناء أو الخرس الزوجي وهو انفصال عاطفي معنوي يوجع المرأة أكثر مما يوجعها الطلاق ذاته، إذ أنها تشعر بطعنة غائرة في أنوثتها كونها غير مرغوبة، والطلاق الطبيعي بالأخص وهو ما يشرد الأبناء ويدمر أسرة قائمة، لبنة هامة وضرورية في بناء المجتمع، ولكنني أفرق بين حالتين، الأولى، حالة الطلاق في ظل وجود أبناء وهو أخف وطأة ـ على عكس ما يردد البعض ـ إذ أن المرأة في هذه الحالة تجد حياة، أسرة كاملة “أم وأبناء” أسرة لا ينقصها سوى الأب فقط، وتجد المرأة رسالة تؤديها وواجبا مقدسا تعيش من أجله، يكبر الأبناء ويتزوجون وينجبون وتكبر الأسرة وتتفرع شجرة العائلة، ويكون الرجل هو الخاسر الوحيد، إذ أنه يخرج من المشهد كليا ويقابل أبناءه كضيف، يلفظه كادر الأسرة ويكون في الصورة مجرد ظل باهت.

أما المرأة المطلقة في خريف العمر، التي لم تنجب ولم تعمل فماذا تفعل في ما تبقى من سنوات عمرها وقد تركها الزوج وليس لها مصدر دخل وفرصها في الزواج تكاد تكون منعدمة إلا البعض من رجال منهم من يريد مربية بديلة لأبنائه أو يتخذها ممرضة له في خريفه هو الآخر؟ أطالب الجهات المعنية بسن قانون يحمي المطلقات سواء أنجبن أم لم ينجبن، وأن يرفق بهن المجتمع.

كاتبة من مصر

21