طلال أسد يفكك ثنائية الدين والدولة

الأحد 2016/07/17
طلال أسد من اليمين خلال أحد مؤتمرات الترجمة

محمَّد أسد كأحد مترجمي النص القرآني المحترفين إلى الإنكليزية، وكنت أفترض أن الرجل عربي مسلم، لكنَّني فوجئت بأنه أوكراني وقد تحوَّل من اليهودية إلى الإسلام، وأنه عاش مع النص القرآني لعقود عديدة حتى أتى إلى نقله إلى الإنكليزية ليصبح صنيعه الترجمي ذاك مرجعاً يُشار إليه بالبنان. وتراني اليوم أقرأ لشبل ذاك الأسد كتابه “جينالوجيا الدين”، إنه طلال أسد، الذي ولد في المملكة العربية السعودية، ودرس في الباكستان، وبعدها قرر الدراسة في جامعة أكسفورد، متخصصاً بالدراسات الأنثروبولوجية، ليبدأ رحلته العلمية كما كان والده.

قبل أسبوعين، تلقَّيت من الصديق سالم الزريقاني، مدير عام ومؤسس دار المدار الإسلامي في ليبيا ولبنان، مظروفاً أخبرني بأنه سيكون “مفاجأة”! وبالفعل، فقد كانت اللحظة الموعودة سارّة حيث يضم المظروف نسخة أنيقة من كتاب طلال أسعد “جينالوجيا الدِّين.. الضبط وأسباب القوة في المسيحية والإسلام”، بترجمة محمد عصفور (فلسطين)، ومراجعه الدكتور مشير عون (لبنان)، وكلاهما بذل جهدا مضنياً من أجل تقديم متن الكتاب إلى القارئ العربي بما يرقى إلى ما يريد قوله المؤلِّف فيه، لا سيما أن جوانب من فصوله تتعلَّق بسلوكيات المعتقد الديني في جغرافيات العالم الإسلامي، مراكزه وأطرافه.

خص طلال أسد الترجمة العربية بمقدمة جد مفيدة، أوضح فيها بأن كتابه هذا يضم دراسات متواترة الكتابة والنشر تعود إلى مطلع ثمانينات القرن العشرين، وراحت تنمو على مدار عقد من الزمان، حتى جمعها في كتابه هذا لتصدر باللغة الإنكليزية عن مطبعة جامعة هوبكيز في الولايات المتحدة الأميركية سنة 1993.

في مقدِّمته يؤكِّد المؤلِّف بأن الطريقة التي يفكِّر بها الشخص عن تجربته الدينية تبقى غير قادرة على تعريف الدين، فالتعريف من الناحية المعرفية هو فعل تاريخي، ومفردة “الدين” ليست منعزلة بل هي جزء من نظام مجتمعي، كما أن الدين ليس مجرد تجربة ذهنية خالصة، وهنا ينظر أسد إلى طابع الدراسات الأنثروبولوجية كونها ذات مساس بما يجري عملياً، لهذا يعتقد أن التجربة اليومية للفرد هي تجربة مجسَّدة، تتحرك في الأحشاء، وليست ذهنية مجردة.

الطريقة التي يفكِّر بها الشخص عن تجربته الدينية تبقى غير قادرة على تعريف الدين، فالتعريف من الناحية المعرفية هو فعل تاريخي

ولهذا، يمضي كتابه بكل فصوله نحو فهم جوانب من التراث الديني في أماكن وأزمنة عدة، وتطلَّب ذلك منه وصفاً لما هو مقبل عليه، وكان عنوان كتابه “Genealogies of Religion” خير معبر عن اهتمامه هذا؛ جينالوجيات وليس مجرد جينالوجيا؛ واللافت أن كتابه هذا لا يقدم تعريفاً للدين، إنما إيضاحات لممارسات وخطابات محددة تظهر فيها مشتقات الكلمة “Religio”، وهنا نشم رائحة لغة الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، لاسيما أن طلال أسد يحتفي بمفهومي “الحقيقة” و”القوة”، وكلاهما احتفى به فوكو من ذي قبل، لكن المؤلِّف سرعان ما نراه ينأى عن ذلك ظاهراً، أما باطناً فهو يتأثر بطريقة فوكو في تناوله لمشكلات تتعلَّق بالممارسات المجتمعية الثقافية الدينية وغيرها الخاصة بنظم الحياة لدى الشعوب، ولهذا لا يشمّر أسد عن سواعده ليأتي إلى تعريف للدين، لكنه يفرش فصول كتابه بالكيفيات التي تأتي بها التعريفات وتشيع لهذا القطاع الحيوي في مجتمعات وشعوب العالم، في القديم والحديث.

لهذا سيمضي كاتبنا في رحلة معقدة لكنها شائقة من النقاش للكثير من الرؤى الأنثروبولوجية والثقافية والفلسفية التي تصدّت لمناقشة مسألة الدين والتدين والممارسة الطقوسية الخاصة بذلك ومن خلالها يعرّج على السياقات التي تنتج التعريفات الخاصة بالدين.

من الناحية المفاهيمية، لا يؤمن أسد بالفكرة القائلة إن الدولة الحديثة تتطلَّب فصلاً بين الدين والسياسية، فهل هو إسلامي أو إسلاموي؟ بالطبع: كلا. إنه لا يؤمن أيضاً بأيّ ثنائية، بالشرق كما الغرب، تلك التي تتحكَّم بالعلاقة بين النظامين، الدين والسياسة، وهو بذلك يضطلع بنقد مزدوج “كل ما أدعو إليه هو ضرورة التفكير في السياسة بمنأى عن الثنائيات التي لجأنا إليها زمناً أطول من اللازم؛ ففكرة الدولة الإسلامية وليدة التفكير القائم على الثنائيات، وهو تفكير يعتقد بأن الدين يجب أن يسود الدولة الحديثة ويوجّهها، كذلك فإن دُعاة الدولة العلمانية يقدمون أفكارهم على أساس هذه الثنائيات، ويصرون على أن الدولة يجب أن تكبح لجام الدين”.

لقد ضم هذا الكتاب بالإضافة إلى مقدِّمة المترجم محمد عصفور، ثمانية فصول هي على التوالي: الدين موضوعاً أنثروبولوجياً، تطور مفهوم الطقوس، الألم والحقيقة في الطقوس المسيحية في العصور الوسطى، الضبط وإنكار الذات في الرهبنة المسيحية في العصور الوسطى، مفهوم الترجمة في الأنثروبولوجيا، التعددية الثقافية، الأثنوغرافيا والأدب والسياسة.

نحو فهم جوانب من التراث الديني في أماكن وأزمنة عدة

لا يلقي المؤلِّف مزيد ضوء على استخدامه مصطلح “جينالوجيات”، لكن المترجم محمد عصفور يوضّح المعنى في ذلك فيقول “الكتاب الذي بين أيدينا يتكون من مجموعة مقالات نشر معظمها في السابق، لذا فإنها قد لا يبدو عليها، في الظاهر، ما نتوقعه من ترابط محكم تتوالى فصوله بين الموضوعات، فهو: جينالوجيات الدين وليس جينالوجيا الدين”، ويضيف عصفور “قد استوقفتني كلمة “Genealogies” كثيراً لأن معناها بصيغة المفرد هو تسلسل الأجيال من الأسلاف إلى الأحفاد إذا أطلقناها على البشر، أي وبعبارة أخرى شجرة العائلة.

وقد نقول عند نقل المصطلح إلى مجال الدين أصول الفكر الديني أو تطوره، لكن هذا الكتاب لا يبحث في ذلك. لذا فقد وجدت أنّ أنسب معاني هذا المصطلح ما نجده عند ميشيل فوكو في تتبعه لبعض المظاهر الثقافية من أمثال تتبعه لظاهرة الجنس أو السجن أو الجنون، فميشيل فوكو لا يكتب تأريخاً لفكرة معينة على غرار ما كان يفعله ويدعو له غيره، بل كان يدرس الأفكار التي لا تخضع للفكر المنطقي المجرد قدر خضوعها لعوامل القوة”.

في هذا الكتاب يقدم المؤلِّف جملة من المفاهيم التي تجري مفاعيلها في صلب النقاشات الفكرية والفلسفية والاجتماعية الخاصة بالتجربة الدينية. قد تبدو مناقشاته جديدة في مجالها، لكنه لم يتجاوز راهن الفكر الفلسفي الحديث، بل والمعاصر، على أن الممارسة الدينية الراهنة وقد تغيرت إثر حادث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وهو ما لم يصل إليه الكتاب، ما يلقي على عاتق الباحث الأنثروبولوجي المعاصر تجديد علاقته الدراسية بما يجري في راهن الواقع؛ واقع الممارسة الدينية في الشرق والغرب، ذلك أن فاعلية الإرهاب باتت تلقي بظلالها على الممارسة الدينية في عالمنا المعاصر، بل بدأت تغيّر مجرى علاقة الفرد بالدين ليس كقيمة روحية وإنما كممارسة مجتمعية، وهذا بالضبط ما يدرسه كتاب طلال أسد.

يبدو لي أن الأستاذ محمد عصفور قدم لنا نصاً عربياً لكاتب غربي تطرق إلى مشكلات تخص الدين الإسلامي وممارساته الطقوسية، ولذلك تبدو الترجمة مذعنة لصوت الكاتب والكتاب، لكنها، وفي الوقت نفسه، تذعن لصوت القارئ العربي، فكان تقريب دلالات اللغة التي يكتب بها أسد إلى ذهنية ومخيال القارئ العربي مجدّا، لا سيما أن عصفور زوّد القارئ العربي بشروحات وتوضيحات للكثير من الدلالات المصطلحية التي جاء بها المؤلِّف في كتابه هنا، والأكثر من ذلك تبدو مسارد الكتاب الخاصة بالأعلام والمفاهيم والحدود المصطلحية الواردة في الكتاب ذات أهمية للباحثين في مجاله.

كاتب من العراق

13