طلال النجار فنان يمني يعزّز حضور التراث العربي بلمسة واقعية

طلال النجار: الأزمات والحروب منعا حركة التشكيل في اليمن من مراكمة الخبرة.
الأربعاء 2021/03/31
استلهام شفيف من التراث اليمني برؤية حداثية

يُعدّ الفنان اليمني طلال النجار واحدا من رواد الصف الثاني في المحترف التشكيلي اليمني. فقد أسّس مع زملائه الفنانين ريما قاسم وآمنة النصيري ومظهر نزار جماعة الفن المعاصر وأتيليه صنعاء للثقافة البصرية. وله العديد من المشاركات اليمنية والدولية. وهذا حوار للفنان مع "العرب" حول منجزه الفني وموقع الفن اليمني في خارطة التشكيل العربي.

عدن - مرّت تجارب الفنان التشكيلي اليمني طلال النجار بالعديد من المراحل التي بدأها بشغف المُبدع، قبل أن يصقلها أكاديميا ثم ينطلق في رحلة للبحث عن هويته الفنية التي امتزجت إلى حد كبير بتفاصيل البيئة اليمنية، ممّا انعكس بشكل لافت على أعماله الفنية.

أعمال تُبرز مدى ارتباطه بتفاصيل الحياة اليومية لمدينة صنعاء القديمة التي عاش فيها جزءا كبيرا من حياته الفنية، قبل أن تُجبره الظروف على مغادرة اليمن إلى المهجر في محاولة للبحث عن الأمان العائلي الذي افتقده نتيجة الحرب اليمنية وتداعياتها الإنسانية المؤلمة.

وعن بداية ارتباطه بالفن والمراحل الإبداعية التي مرّت بها تجربته، يقول لـ”العرب”، “في بداياتي تعلمت أسس وقواعد الفن الواقعي على يد الفنان الراحل هاشم علي، ثم واصلت ذلك بالدراسة الأكاديمية في موسكو، لكن بعد تخرجي وعودتي إلى الوطن بدأت مرحلة البحث في إطار ما يسمى بالتجريب، وهو بحث في الهوية، أي كانت محاوﻻت للبحث عن بصمة أو أسلوب يميّزني انطلاقا من استلهام تراثنا اليمني (الفن اليمني القديم، والتراث العربي الإسلامي) برؤية حداثية تنتمي إلى عصرنا الراهن، هذا إلى جانب احتفاظي بما اكتسبته من الدراسة في فن الواقعية”.

تكرار للبدايات

طلال النجار: هجرة الفنانين أثرت بشكل سلبي على الحركة التشكيلية باليمن
طلال النجار: هجرة الفنانين أثرت بشكل سلبي على الحركة التشكيلية باليمن

لا يبدو النجار معجبا اليوم بما آل إليه واقع الفن التشكيلي في اليمن، حيث تفتقر العديد من التجارب الجديدة لحس الابتكار والبناء على ما تم إنجازه، نتيجة لعدد من الظروف التي تعصف باليمن، وعن ذلك يقول “للأسف ما يحدث عندنا هو تكرار متتال للبدايات، أي أننا لم نستطع السير بخط تصاعدي واحد نستفيد فيه من تراكمات الخبرة والبناء عليه، وذلك بسب اﻷزمات السياسية والحروب الدائمة التي تعصف بالبلاد وعدم الاستقرار. لكن الحرب الأخيرة والتي نعيشها اﻵن هي الأكثر تدميرا ليس على الفن والثقافة فقط، ولكن على كل مناحي الحياة”.

وعن انعكاسات الحرب على المشهد التشكيلي في اليمن ومدى تأثيرها على أعمال الفنانين اليمنيين من الناحية الأسلوبية والمضامين الفنية، يضيف “كان للحرب تأثير سلبي للغاية على المشهد التشكيلي من ناحية البنية التحتية واﻷنشطة، كما اضطر الكثير من الفنانين إما للهجرة وإما ببساطة تركوا ممارسة الفن، بسبب الظروف الصعبة وغير الملائمة لممارسة هذا النشاط”.

وعن تأثير ظاهرة هجرة التشكيليين اليمنيين، وكيف انعكست حالة الاغتراب المكاني على تجاربهم الفنية، يقول النجار “ﻻ شك أن هجرة الفنانين قد أثّرت بشكل سلبي على الحركة التشكيلية، ولكني ﻻ أرى مشكلة في ذلك، لأن الفنان يحمل رسالة يودّ إيصالها إلى الناس، وإذا عجز عن توصيلها في بلده فإنه يبحث عن مكان آخر يمكنه من توصيلها، مع ذلك يحمل الفنان وطنه معه أينما ذهب، واﻷهم أن وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت ساعدا في ربط الفنان مع مجتمعه في وطنه اﻷم”.

وفي العودة إلى واقع الحركة التشكيلية اليمنية، التي شهدت فترة ازدهار خلال عقد التسعينات على وجه التحديد، سألت “العرب” الفنان اليمني طلال النجار، كواحد من أهم وجوه التشكيل اليمني، عن أبرز مدارس الفن التشكيلي الموجودة في اليمن؟ وهل يمكن الحديث عن نشوء ملامح لمدرسة يمنية خاصة؟

فأجاب “اﻷبرز والسائد هي مدرسة الواقعية إلى جانب التعبيرية، وهناك محاوﻻت من بعض الفنانين في التجريب والعمل ضمن إطار المدارس الحداثية أو التجريدية، وبالنسبة للشق الثاني من السؤال، فإنه لم توجد ولن توجد ملامح لمدرسة يمنية خالصة، وهذا ليس عندنا فقط. ولكن عموما في أي دولة في العالم، فقد اختفت هكذا اتجاهات منذ بداية القرن العشرين، إذ خرج الفنانون من تحديدات الفنون القومية أو الاتجاهات السائدة، وانطلقوا باحثين عن خصوصياتهم الأسلوبية على المستوى المكاني والزماني،  وأصبح التراث الإنساني منذ عصر الكهوف وحتى اليوم في الفن هو تراث لكل فنان على وجه البسيطة”.

خصوصية أسلوبية

Thumbnail

يبدو أثر البيئة اليمنية واضحا على أعمال معظم الفنانين التشكيليين اليمنيين، وهو ما يعد أحد أهم المصادر التي زادت من ثراء تجربة المبدعين اليمنيين في الفن التشكيلي، وعن البصمة التي تركتها الطبيعة والحياة وفن العمارة اليمني في أسلوبه الفني وفي التشكيل اليمني عموما، يقول النجار “اليمن زاخر بطبيعة ساحرة وتراث عريق ومتفرّد في فن العمارة واﻷزياء والفنون الشعبية، ومجموع هذه العوامل جعلها تطغى بشكل كبير وتهيمن على موضوعات الفن المعاصر عند كل الفنانين اليمنيين بلا استثناء، وربما لهذا كان التوجه العام في الفن التشكيلي يتجه نحو فن الواقعية، ﻷنه القادر على تصوير كل هذا الجمال في إبداعاتهم”.

ودرس طلال النجار التصوير الزيتي منذ أن كان في العاشرة من عمره، على يد الفنان اليمني الراحل هاشم علي من 1974 إلى سنة 1983، ثم من سنة 1983 إلى سنة 1992 درس التصوير الزيتي في المعهد العالي للفنون موسكو، وحصل على الماجستير في التصوير الزيتي.

وبعد عودته إلى اليمن عمل مديرا عاما في وزارة الثقافة اليمنية في إدارة الفنون التشكيلية. وهو عضو مؤسس في جماعة الفن الحديث وعضو مؤسس في جمعية الفنانين التشكيليين ونقابة الفنانين التشكيليين. ومؤسس جماعة الفن المعاصر في اليمن.

شارك في العديد من المعارض الفردية والجماعية داخل اليمن وخارجها. فاز بالجائزة الأولى للفنون التشكيلية لمسابقة مجلة دبي 2009، ونشرت لوحاته كأغلفة كتب وروايات ومجلات أدبية. وهو يعدّ اليوم من أهم الفنانين المعاصرين وأكثرهم كفاءة، حيث تدرب على يديه الكثير من الفنانين الشباب.

وعنه قال الناقد التشكيلي السوري عبود سلمان “يعدّ الفنان التشكيلي العربي اليمني طلال النجار أحد عباقرة فن التصوير اليمني المعاصر، وصاحب تجربة الرسم الكلاسيكي الصارمة والمشوبة ببعد نفسي كبير التي ارتكزت على الوضوح والاتزان والتنظيم، ورسم ضياء اليمن السعيد في حياة شبه الجزيرة العربية”.

ويُضيف “وهب موهبته لتجسيد نماذج بشرية يمنية وعالمية وإنسانية، حيث صوّر الرجال والنساء والأطفال والبيوت من أجواء صنعاء القديمة والحديثة، فظهرت جماليات مهارته الإبداعية الخلاّقة. وسكب روحه فيها بالمزيد من الحركة والتعبيرية والرشاقة ذات الصرامة أحيانا. فتجسّدت ملامح التعب والتاريخ والأصالة في عمق أخاديد وجوه أبطاله المرسومين في روايته التشكيلية، حيث هو سارد تشكيلي وروائي بارع يذوب في أعماله وينصهر في بوتقة أسلوبيته في مشاهداته الخاصة لحياته في اليمن”.

رسم بالقلم لوجوه من صنعاء القديمة
رسم بالقلم لوجوه من صنعاء القديمة

 

16