طلال ديركي.. ما الذي يجري في عالم الجهاديين؟

مشروع السينمائي السوري لا علاقة له بالشأن السياسي،  كسينما تسجيلية، بل هو بحث سيكولوجي اجتماعي عن البيئة السلفية الجهادية في سوريا ومحاولة لفهم وجودها ومستقبلها وفشل برنامجها.
الخميس 2018/06/07
ديركي سينمائي سوري يدعي التطرف ويهرب لقطاته بالحمام الزاجل

شاب متمدن لا علاقة له بالجهاد والتطرفِ، لكنه يحمل قناعاته المتقدمة والرافضة لكل أشكال الاستبداد والتخلف،  يقرر فجأة العيش على تخوم الخطر بشكل يومي، في بيئة صارت بعيدة تماماً عما كان يعرفه، راصداً حيوات الناس وتغيراتها، والذين هم أبعد ما يكون عن عين المحايد، حاصدا مادة فيلمية غنية ووثيقة تسجيلية نادرة.

كان هذا ما قام به المخرج السينمائي السوري طلال ديركي في فيلمه “عن الآباء والأبناء” الذي حصل مؤخراً على جائزة “لجنة التحكيم الكبرى للسينما العالمية” في مهرجان سندانس السينمائي للعام 2018. هي الجائزة الثانية له، فقد حصد فيلمه السابق “العودة إلى حمص” جائزة السينما العالمية للسينما الكبرى في فئة الأفلام الوثائقية في مهرجان سندانس السينمائي ذاته للعام 2014.

قناع المتدين

بحث سيكولوجي اجتماعي عن البيئة السلفية الجهادية في سوريا
بحث سيكولوجي اجتماعي عن البيئة السلفية الجهادية في سوريا

ولد ديركي في دمشق ودرس السينما في اليونان وتخرج في قسم الإخراج من معهد “ستافراكوس العالي لفنون السينما والتلفزيون” وكان الأول على دفعته، ليعود بعدها إلى سوريا ليعمل في مؤسسة السينما. وبعد العام 2011 عمل مع قناة الأورينت، ليكون حاضراً مع بداية الانتفاضة السورية بين الناس، وقام بتدريب الناشطين على استخدام الكاميرات.

 وعمل مساعداً لعدد من المخرجين السوريين وكتب الشعر وعمل في الترجمة.

يتحدث ديركي لـ “العرب” عن عوالمه الداخلية التي رافقته أثناء تحضيرات فيلمه “عن الآباء والأبناء”، وعن تأثيرات العمل في بيئة مثل هذه على وعي صانع الأفلام. يروي الكثير عن كوابيسه محاولاً التعرف عليها معنا من جديد، يقول “في العام 2013 ظهر الرقيب الديني لأول مرة في كوابيسي وصرت أصطدم بوجوده”. ويضيف ديركي “لقد قام البعض بتحويل الثورة من فكرة الأرض والوطن إلى فكرة الدين والدعوة. وهذا لم يعد وأدا للحلم فقط، بل تحويلا له إلى كابوس”. كانت هذه الكوابيس تؤرقه، وتزعزع حياته، لذلك رغب في مواجهتها، وبدأ فيلمه بها.

تجربة ديركي لم تكن سهلة، فقد كان عليه العيش بين المتطرفين كمتدين لسنتين كاملتين أو أكثر، فكان عليه أن يتقمص شخصية ليست شخصيته، وأن يأكل بيده اليمنى وهو شخص يستخدم يده اليسرى، ويستيقظ صباحاً ليتوضأ ويصلي، دون أن يكون متديناً، وهي تفاصيل صغيرة لكنها خطيرة، أمام ما يمكن أن يحصل عليه ويقدمه للمشاهد لاحقاً، دون أن تلاحظ رأيه متجسداً في لقطة هنا أو هناك، بل إنه يسمح للمشاهد بأن يشاركه بحثه عما هو موجود لدى هؤلاء الناس -كعلاقة الفرد منهم بالخالق والكون، علاقته بأسرته، وعلاقته بمحيطه- وما هي مفاتيحهم وشيفراتهم؟ ما هو منطقهم ودوافعهم؟

كان ديركي خائفاً في تلك الفترة، أثناء تواجده في معسكرات جبهة النصرة، ليس من السوريين هناك وإنما من المهاجرين، الذين أتوا من تونس ومصر وغيرهما، فهؤلاء ليس لديهم ثقة بأحد ويخافون ممن يحمل الكاميرا ويدققون خلفه بالبحث في الإنترنت بعدة لغات، وهذا ليس مألوفاً عند السوريين في ذلك الوقت.

مغامرة بين براثن جبهة النصرة

في فيلمه "الآباء والأبناء" يسمح ديركي للمشاهد بأن يشاركه بحثه عما هو موجود لدى هؤلاء الناس
في فيلمه "الآباء والأبناء" يسمح ديركي للمشاهد بأن يشاركه بحثه عما هو موجود لدى هؤلاء الناس

قبل أن يخوض هذه التجربة قام بتنظيف كامل لكل ما هو موجود على الإنترنت، وتحدث في مقابلتين على إحدى القنوات بوجهة نظر تتقاطع معهم، وتلقى الكثير من النقد من أصدقائه بعدها.

 لكن أحدا لم يدرك أبعاد إجابات ديركي حينها، وهذا ما سهّل قبول جبهة النصرة له كمصور حربي. كان لديركي هدفان، يقول لـ “العرب” إن “الأول كان أن يرتاحوا لي بحيث أتمكن من التصوير دون خطوط حمر ودون تحديد للزمن حتى لا يقوموا بتصدير البروباغندا التي تخصهم، ويجعلوني أصور فقط ما يرغبون هم في تصويره” وبالتالي لن يتمكن من الحصول على مادته السينمائية الخام من خلال تصويره ليوميات الأب وعائلته الصغيرة. أما عن الهدف الثاني، فيضيف ديركي “حتى أضمن سلامتي ضد الخطف والتصفية”.

لدى هذا المخرج السينمائي رغبة شديدة في إيقاف تصدير فكرة أن أطفال جبهة النصرة وداعش يتبنون هذا الفكر وأنهم جزء منه. بل إنه يرى أنهم جزء من الطفولة، وضحايا آبائهم الذين صادروا طفولتهم، ووضعوهم في قوالب لا ذنب لهم فيها؛ فمنذ الولادة تتم تسمية الطفل بناء على قناعة الأب، وفي الفيلم يقوم الوالد بتسمية ابنه بأسامة تيمناً بأسامة بن لادن والثاني سماه أيمن تيمناً بأيمن الظواهري، وكأنه يخط مصير ولديه ليكونا جهاديين ويحملان الرسالة نفسها.

حاول ديركي أن يكون موضوعياً، باشتغاله على فهم هذه البيئة وتناقضاتها ونقلها سينمائياً إلى المشاهد الذي ليس لديه هذه الفرصة ليفهم ما هي السلفية الجهادية؟ وما هي الخلافة؟ معلوماته مستقاة من الإعلام الذي قد لا يكون محايداً.

المخرج المغامر يروي لـ{العرب} كيف قام بتصوير لقطات كان يمكن لها أن تودي بحياته، سواء من حصار قوات الأسد والميليشيات الموالية له، أو من الفصائل الجهادية، حتى أنه اضطر إلى تهريب تلك اللقطات عبر {فلاش ميموري} مربوطة إلى أرجل الحمام الزاجل
المخرج المغامر يروي كيف قام بتصوير لقطات كان يمكن لها أن تودي بحياته، سواء من حصار قوات الأسد والميليشيات الموالية له، أو من الفصائل الجهادية، حتى أنه اضطر إلى تهريب تلك اللقطات عبر "فلاش ميموري" مربوطة إلى أرجل الحمام الزاجل

حتى السينما لم تتناول من قبل الجانب الاجتماعي لهذه الفئة، ولم يظهر من قبل أن الأب الحنون الذي يحب أولاده يريد أن يبعثهم إلى الجهاد وأن يضحي بهم لأنه مؤمن بفكرة الخلافة. من المهم بالنسبة لديركي نقل هذه التناقضات إلى السينما من داخل هذه المنظومة بين الجيلين الأهل والأبناء وتحكم المؤسسة البابوية.

“هذا الأب الشرقي الذي يمتلك السلطة المطلقة، والابن المرتبط عاطفياً بالأب”، يؤكد ديركي لو كان أسامة الصغير هذا في بيئة مختلفة لأصبح فنانا، إما رساما وإما موسيقيا، لكن انتهى به المطاف إلى إرضاء والده وتحقيق حلمه بالانضمام إلى معسكرات جبهة النصرة.

يضيف ديركي “شاهدت كيف تتم تربية الابن على لغة الحقد والكراهية، رأيت أولادا مراهقين في سن الـ16 والـ17 يحملون البنادق لأراهم في اليوم الثاني يدفنون. وسواء كان الهدف نبيلا أو غير نبيل، لا يوجد أي سبب لتجنيد القاصرين”.

يقدم ديركي من خلال فيلمه التسجيلي أو الوثائقي والذي مدته 99 دقيقة، فرصة لفهم هؤلاء الناس كما هم، وليس كما نرغب في أن نراهم. وهو يدعو المشاهدين إلى ألا يتم التعامل مع هذه التجربة الخاصة كأبيض أو أسود، لأنه كان يرصد الأمل في نهاية قصة أيمن، الأخ الأصغر المتدين، الذي استطاع أن يشق طريقه بعد الكثير من الألم، ليدرس في مدرسة عادية بجانب بيته، ويغني في مدرسته “سفينة الفضاء تعود إلينا بالعلوم”، على عكس المنهج السلفي، على بعد مئات الأمتار عن قلعة الوالد الذي ذهب للتقاعد بعد إصابته.

ثلاثية الحرب

لا يغفل ديركي عن غياب دور المرأة المختفية في الغرف المغلقة، وما يحدث في مجتمع هي غير فاعلة فيه، ودورها معطل فيه تماما. في فيلمه يتعرف المشاهدون على كيفية تشكل الشخصية، ومقاومة الطفولة لمثل هذا المشروع الأيديولوجي، كان هذا الفيلم عن الآباء والأبناء، في تجربة عن عائلة صغيرة في الريف، موجودة تحت سيطرة جبهة النصرة أو القاعدة.

يخبرنا ديركي عن مشروعه ثلاثية “سوريا والحرب” أو الحرب السورية، والتي ليست لها تسميات واضحة، بدأها بفيلم “العودة إلى حمص” الذي تناول فيه الجيل الذي أنتج الثورة، متحدثاً عن تسليحها وما الذي نتج عن هذا التسليح.

انتهى الفيلم بمدخل إلى المجهول، باتجاه حمص مع أغنية جهادية، والثلج الأبيض يتساقط على المدينة، والذي أشار به المخرج إلى الدخول الإسلامي بعد الدمار والخراب، يقول ديركي “كان لهم مد كبير وصار هناك خطاب موجه بأن السنة مستهدفون كونهم سنة، علماً أن الكثير من السنة غير مستهدفين، وبعضهم من الداعمين لنظام الأسد”.

أطفال ضحايا آبائهم الذين صادروا طفولتهم، ووضعوهم في قوالب لا ذنب لهم فيها
أطفال ضحايا آبائهم الذين صادروا طفولتهم، ووضعوهم في قوالب لا ذنب لهم فيها

يجد ديركي أن ما وصلت إليه سوريا هو مسلسل شارك الجميع في كتابته “الكل يريد ذلك إلا الحالمين بالديمقراطية” ويضيف “لا يوجد اعتبار لفكرنا، نحن منفيون من النظام ومن المعارضة”.

 كسينما تسجيلية، مشروعه لا علاقة له بالشأن السياسي، كما يقول ديركي. هو بحث سيكولوجي اجتماعي عن البيئة السلفية الجهادية في سوريا ومحاولة لفهم وجودها ومستقبلها وفشل برنامجها، يقول “لقد رأيت مشاريع لألف دكتاتور مثل بشار الأسد. لكنهم ينتظرون الفرصة سواء في جبهة النصرة أو في أحرار الشام أو في الفصائل المسلحة الجهادية وحتى القومية”.

ولا يخفي السينمائي السوري تخوفه من انتقام من الممكن أن يتعرض له، مع أنه لم يتلق أي تهديدات بعد عرض الفيلم. يقول “أنا لا أعلم ماذا يحاك الآن في أروقة جبهة النصرة، ومن الممكن أنهم لم يشاهدوا الفيلم حتى الآن، أو لم يستطيعوا الوصول إليه”.

 أما مشروع الفيلم الثالث، فلدى ديركي رغبة في الذهاب إلى السينما الروائية ليتحدث فيها عما جرى في العام 2015، لكنه لم يقدم تفاصيل عنه.

يروي المخرج المغامر كيف أنه قام بتصوير لقطات كان يمكن أن تودي بحياته، سواء من حصار قوات الأسد والميليشيات الموالية له، أو من الفصائل الجهادية، حتى أنه اضطر إلى تهريب تلك اللقطات عبر “فلاش ميموري” مربوطة إلى أرجل الحمام الزاجل. وكان على تلك الطيور أن تعبر الحدود السورية لتخزين تلك المشاهد واللقطات المصورة التي شكلت أفلامه.

 أخيراً يعتبر ديركي أن النقلة المهمة في السينما الإيطالية الواقعية لم تظهر حتى ظهر موسيليني ومعه نفسه العنصري وفاشيته التي شبهها المخرج بفكر البعث وفكر داعش، آملاً أن تترك السينما السورية بصمتها بالرغم من قلة مخرجيها وأفلامها، وليتعرف العالم على الإنسان السوري ويتعاطف معه.

12