طلال سلمان من العروبة الرومانسية إلى المشهدية الإيرانية

الأحد 2016/12/18
عامل المطبعة الطموح الذي فشل في إقناع نصرالله

بيروت - مسيرة طلال سلمان تختصر سيرة الصحافة اللبنانية من مرحلة صعودها، ونموها، وازدهارها، وتحوّلها نموذجا يحتذى به، ومثالا أعلى للصحافة العربية، وصولا إلى مرحلة النهاية المرة والقاسية التي تشهدها حاليا، والتي سبقتها حالة من التردي العام المهني قبل السياسي.

شهدت “سفير” سلمان على مراحل عديدة، وكانت قادرة على التقاطها وتوثيقها بحرفية ومهنية تختفي معها ملامح الانحياز الواضح لقضايا العروبة والمقاومة الفلسطينية وتوجهات الحركة الوطنية.

نجح سلمان في أن يسبغ، من خلال مهنية صارمة، على هذه القضايا صفة البداهات التي لا تحتاج إلى نقاش بل إلى توثيق، وعرض وشرح. المهنية العالية التي اتسمت بها السفير خلقت صيغة خاصة في ممارسة الصحافة، بدا فيها سلمان الذي اقتحم عالم الصحافة من خارجها بمثابة روح تجديدية في الصحافة اللبنانية، ونمطا مختلفا من الأشخاص العصاميين الذين دفعوا العمل الصحافي نحو المأسسة والبناء على أسس ثابتة وقيم مهنية رفيعة.

الصحفي وزمن القتلة

كان زمن سلمان السابق هو زمن الصحافة وزمن الكلام الذي تنطلق فيه السجالات من الفكر وتستقر فيه وتبقى ضمن حدوده. ولكن زمنه الحالي والذي صنع نهاية جريدة السفير هو زمن نهاية الكلام ووظيفته، كوسيلة للتواصل أو للسجال.

أنهى زمن القتل جريدة السفير، وأنهى زمن سلمان الجميل كذلك، ولعل خياراته التي لجأ إليها في الفترة الأخيرة والتي تكشف عن انحياز واضح لمنظومة القتل كانت الاعتداء الشرس والمنهجي الذي قاده ضد نفسه وضد تاريخه، وما كان قد زرعه في عالم الصحافة.

☚ الصفحة الأولى من "السفير" صباح الـ16 من يناير عام 1979 تنشر باللغة الفارسية مانشيتا يرحب بثورة الخميني في إيران آنذاك. ويعني بالعربية "بعزيمة الخميني أصبح الشاه مشردا".

ارتسم مشهد السفير ومشهد نهايتها الوشيكة وكأنه نتيجة محتومة لانتحار مهني وسياسي لسلمان. الانحياز المطلق إلى طرف سياسي لا يؤمن بالكلام ولا بالصحافة، كان لا بد له أن يفرض عليه وعلى السفير لغة تقع خارج لغة الصحافة، وتعتدي عليها وتعاديها. هكذا تضاعفت مأساوية سلمان الذي تحول إلى ناطق رسمي باسم نهايته، مع تحول السفير ليس إلى صوت الذين لا صوت لهم كما يقول شعارها الشهير بل إلى صوت الجهات القاتلة.

عنونت السفير مؤخرا احتفاء بمشهد الدمار والقتل الذي شاع في حلب “حلب تعود إلى حضن دمشق”. يمكن للمرء أن يفهم الانحياز السياسي، ولكن المسألة الحلبية لا يمكن مقاربتها انطلاقا من تحديد سياسي وحسب، فقد تعدت حدود السياسة بكثير لتتحول إلى قضية إنسانية وعربية عامة، لطالما كانت السفير أول وأبرز المنحازين لها والمنافحين عنها.

لم يلتقط سلمان البعد الإنساني والرمزي لسقوط المدينة العربية في أيدي الميليشيات الإيرانية الطائفية، كما خانته بصيرته التي لطالما كانت ثاقبة، ولم تستطع قراءة روح الطرف الممانع الذي انحاز له والذي أسقط مهنيته ومزق تاريخه.

لم يعرف أن هذا الطرف لا يستثمر في الكلام ولا في الصحافة، وأنه مهما انحاز له فإنه يبقى في نظره صحافيا يمتلك تاريخا صنعه بنفسه، انطلاقا من مشهديات عروبية وفلسطينية، وليس مصنوعا بالكامل من طين “الممانعة” في لحظتها الإيرانية في لبنان.

ليس أدلّ على حال سلمان من عدم اهتمام أقطاب الممانعة والمقاومة بإنقاذ السفير من أزمتها. فقد جاء الإعلان النهائي عن إغلاق السفير في نهاية هذا العام بعد ورود معلومات تفيد بأن سلمان طرق أبواب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله ونجيب ميقاتي، وسليمان فرنجية الذي سعى إلى إقناعه بتوظيف علاقته بالملياردير جيلبير الشاغوري، دون أن يلقى أيّ استجابة.

تركوه يغرق

لا تحتاج الممانعة إلى صحافيين بل إلى مقاتلين، ولعل طلال سلمان وعلى الرغم من كل الخلاف الكبير معه في توجهاته وآرائه، يبقى صحافيا. لا أحد يريد أن يستثمر الآن في الصحافيين ولكن في الجنود وفي الإعلام الحربي.

ربما يحسب لسلمان أنه فشل في تحويل جريدته إلى إعلام حربي خالص النقاء، فقد بقيت آثار الصحافة تطلّ ولو بخجل من وراء الأخبار والسياقات التي تعرضها، وربما كان هذا الأمر خطيئته التي لا تغتفر.

يقرأ الكاتب السابق في جريدة السفير وسام سعادة تجربة طلال سلمان معتبرا أنه “شكّل ظاهرة في تاريخ الصحافة في لبنان. تطور الأحداث في المنطقة قد يصعّب تقديم قراءة موضوعية لهذه التجربة. الإعلان عن قرب إغلاق السفير في نهاية العام هو مشهد يجبرنا على تقديم قراءة عاطفية، وهو يتناقض مع ما أسّسته لحظة السفير السياسية من مشهدية تدفع إلى مقاربة تجربتها في مرحلتها الأخيرة بقدر كبير من السلبية”.

يضيف سعادة “لقد عملت في صفوف السفير بين عامي 2002 و2008 وطردت منها بشكل تعسّفي، ورفعت دعوى ضدها وربحتها. الآن بعد مرور عدد من السنوات يمكنني أن أقرأ تجربة طلال سلمان بوصفه رجلا عصامياً دخل إلى عالم الصحافة من مداخل غير مألوفة. فهو لا يحمل شهادات عالية، ولم يدرس الصحافة، ولكنه نجح في أن يتحوّل من عامل مطبعة بسيط إلى رجل خبير بأبعاد اللعبة الصحافية، ويعلم بدقة من أين تؤكل الكتف في هذا الميدان.

لقد نجح في إطلاق جريدة بارزة لا تمكن محاكمتها انطلاقا من مصادر تمويلها وتنقلها بينها، ولا على عناوينها السياسية التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى عناوين تكشف عن انحياز واضح لأحد قطبي الصراع اللبناني وهو فريق 8 آذار، على الرغم من أنه كان يصرّ دوما على إعلان حياديته”.

يلفت سعادة إلى أن “قومية جريدة السفير التاريخية لم تمنعها من الانحياز إلى صفوف جهات معادية للأكثريات في المنطقة. ولكن ذلك لم يمنحها احتضانا من قبل إيران وحزب الله بل تعاملوا مع سلمان وكأنه ليس منتجا أصليا. ووضعوا في مقابله جريدة أخرى ورئيس تحرير آخر، واستثمروا فيها وفيه. ما يبقى من السفير ومن تجربة سلمان في نظري هو أرشيفها الضخم، والذي يضمّ حشدا كبيرا من الكتاب والصحافيين البارزين. هذا الأرشيف هو ما يمكنه أن يعطي سلمان شهادة تقديرية على الرغم من الورطات الكبرى، والخروج عن المهنية في التعاطي مع الأمور في عهد الوصاية السورية، وصولا إلى مشهد الانحياز التام لحزب الله”.

مأزق سلمان وفق سعادة يكمن في أنه “لم يستطع أن يجدد العناوين الكبرى التي رفعتها جريدة السفير، مثل عنوان العروبة. فقد بقيت هذه العروبة في إطار جامد ولم ينجح في أن يحوّلها إلى عروبة أكثر تعددية، وانفتاحا على الشعوب العربية، وأكثر نقدية. كان ينظر إلى العروبة بوصفها صيغة تضم الأنظمة التي كان يعتبرها ثورية مثل ليبيا، والعراق، وسوريا، وذلك قبل أن تختلف تلك الدول وتتصارع. كانت تلك الفترة مسرحا أنتج شخصيات عروبية كان يمكن تسويقها في إطار رومانسي، وقد تبع سلمان هذا البعد الرومانسي، وحرص على أن يكون الناطق باسمه عبر ابتداعه شخصية “نسمة” رومانسية الملامح والخطاب. مع تطور الأحداث بات الأمر افتعالا خالصا، وتحوّل إلى سياق نافر دفع إلى تحول كل هذا المشروع إلى تجربة لا يمكن الاستمرار فيها”.

الإعلان عن إغلاق السفير نهاية هذا العام يأتي بعد ورود معلومات تفيد بأن سلمان كان قد طرق باب الأمين العام لحزب الله وغيره دون جدوى.

السفير كمعجزة

فيصل سلمان الصحافي المعروف وشقيق طلال سلمان كان أحد أبرز الوجوه التي واكبت مسار الأخير وجريدته السفير لفترة طويلة، قبل أن يفرض تضارب الخيارات السياسية خروجه من الجريدة. يعرض سلمان الأخ لتجربة السفير التي تشبه المعجزة، حيث أنها “خرجت إلى النور في ظروف صعبة للغاية، تزامنت مع انفجار الحرب الأهلية” ويضيف “عشنا مع السفير في أصعب الظروف وخسرنا مجموعة كبيرة من كبار الكتاب. ما يمكن أن يقال في هذا الموضوع يرتبط بطلال الذي كانت انطلاقته مشابهة للمعجزة، فهذا الشاب خرج من بيئة فقيرة جدا، وعانى من عذابات مريرة قبل أن ينجح في الوصول إلى موقعه على رأس السفير، وأن يقود هذه التجربة الصحافية المميزة وأن يضمن استمرارها في أقسى الظروف”.

تجربة السفير كما ينظر إليها فيصل سلمان أنتجت “كوادر صحافية ممتازة للغاية، وهؤلاء يتوزّعون الآن على أهم المؤسسات الصحافية في العالم. بنت هذه الجريدة على مدار تاريخها خطا سياسيا كانت مؤمنة به، وقد قاتلت دفاعا عنه، وهذا محط تقدير بغض النظر عن الموقف من هذا الخط. لقد قدمت السفير دفاعا عن مواقفها تضحيات جمة، وكاد إصرارها على عدم التراجع عمّا تؤمن به أن يودي بحياة مؤسسها طلال الذي تعرّض لمحاولة اغتيال شهيرة. مستوى تأثيرها في البلد وفي العالم العربي كان ممتازا، ويشهد لطلال أنه كان وبقي حريصا على حقوق العاملين لديه. فخلال كل عمر الجريدة أبدى حرصا كبيرا على تأمين رواتب العاملين في الجريدة قبل كل شيء. لم تتأخر الرواتب في السفير في أحلك الظروف ويشهد الجميع أن كلّ العاملين في الجريدة تلقّوا كل حقوقهم على خلاف مؤسسات أخرى.السفير كانت جريدة ممتازة مهنية، وكان من اللافت أنها كانت تحضن الكتاب الشباب. يمكن القول إن السفير شكلت تجربة مميزة وفريدة بغض النظر عن مدى التوافق السياسي معها”.

الولاءات السياسية ولغتها

يرصد فيصل سلمان أثر الولاءات السياسية على جريدة السفير ويعترف أن “الجريدة أعلنت بشكل مباشر عن خطها السياسي في الفترة الأخيرة، وقد استجلب هذا الخط لغته ومفاهيمه. الحكم على مدى المهنية وقدرة طلال على الحفاظ عليها صعب للغاية. فقد أجبرت الأزمة المالية جريدة السفير على التخلي عن الكثير من الكوادر الصحافية البارزة، وبرز جيل جديد من الكتاب معظمه من الناطقين بلسان التوجه السياسي العام للجريدة في صيغته المستجدّة. هؤلاء لا يمكن الحكم من خلالهم على مهنية السفير، لأنه لا يمكن اعتبارهم جيلا من إنتاجها، بل هم نتيجة التردّي السياسي والإعلامي العام، والذي حرص فيه كل طرف على أن يدخل إلى عالم الصحافة لغته وتعابيره التي لا تنتمي إلى عالمها وقيمها”.

يصف فيصل سلمان مشهد نهاية السفير مؤكدا أن” لكل شيء نهاية، ونحن نعيش في لبنان وسط ظروف قاسية، ويبدو أن الصحافة الورقية في لبنان ككل قد حان أجلها، وما يبقى منها هو الذكريات وحسب”.

يطلق رسالة ختامية إلى شقيقه طلال يقول له فيها “لقد بنيت مؤسسة صحافية عريقة استمرت أكثر من أربعين عاما، وأقول لك آن لك أن تستريح الآن وقد بلغت من الحبر عتياً”.

9