طلب خارج المألوف

السبت 2014/10/25

لم يطلب المبعوث الأممي لسوريا ستيفان دي مستورا، منذ استلامه منصبه قبل أكثر من ثلاثة أشهر، من أي طرف من الأطراف المؤثرة في الأزمة السورية حتى الآن أي شيء، لا من النظام ولا المعارضة، لا من روسيا وإيران، ولا من الولايات المتحدة ودول الخليج. جميع أحاديثه تدور حول الأمنيات، لكنّه وبشكل مخالف للأعراف الدولية، طلب من تركيا فتح حدودها مع سوريا أمام المقاتلين من أجل الدخول إلى الأراضي السورية للدفاع عن مدينة ذات غالبية كردية تسعى «الدولة الإسلامية» للسيطرة عليها.

دي مستورا خالف الأعراف الدبلوماسية والآمال المرتقبة منه، وتجاوبت معه دول غربية في هذا الطلب، وعلى رأسها فرنسا والولايات المتحدة، وبدلا من أن يطالبوا بإغلاق الحدود التركية- السورية أمام تسرّب المقاتلين، طالبوا بعكس ذلك، وحق للسوريين أن يضعوا إشارات استفهام أمام غرابة الباب الذي فتحه المبعوث الأممي المكلّف بإيجاد حل سياسي لأزمة بلدهم.

المبعوث الأممي لسوريا ارتكب، في رأي المعارضة السورية، خطأين، الأول أنه طالب بفتح الحدود أمام المقاتلين، وهو أمر في المفهوم العام فيه عدم احترام لسيادة الدول ودعوة إلى فوضى الانتقال بينها، والثاني أنه طالب بدخول مقاتلين دون أن يحدد من هم، وهو أمر لا يختلف -من حيث المبدأ- عن فتح الحدود أمام المقاتلين المتشددين والإرهابيين من تنظيمات القاعدة وغيرها.

في حقيقة الأمر، هذا المطلب هو مطلب كردي، طالب به أكراد سوريون وعراقيون وأتراك عندما أوشكت ثالث أكبر مدينة يتجمع فيها أكراد سوريا على السقوط في يد تنظيم الدولة، لأن سقوطها سيُسقط حلما يعمل عليه الكثير من الأكراد في المنطقة، سوريون وعراقيون وأتراك وإيرانيون، أو على الأقل سيُسقط مشروع الفيدرالية الذي يخططون له في سوريا، ويُطلقون عليه منذ الآن تسمية “إقليم غربي كردستان”، رسموا خارطته من أقصى شرق سوريا وحتى المتوسط.

يؤكد معارضون سوريون، ومن بينهم أكراد، على أن المقاتلين الذين ينتظرون وراء الحدود السورية للدخول غالبيتهم ليسوا سوريين، هم مقاتلون أكراد من العراق وتركيا وإيران، مستعدّون لدعم “وحدات حماية الشعب الكردي”، الذراع العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري المرتبط بحزب العمّال الكردستاني التركي الذي تُصنّفه تركيا حزبا إرهابيا، وغالبيتهم من جبال قنديل الواقعة في المثلث بين العراق وتركيا وإيران، ويهيمن عليها حزب العمال الكردستاني، وتتغلغل فيها تاريخيا الاستخبارات الإيرانية والسورية، فضلا عن إمكانية دخول كل عاشق لـ”لعبة” السلاح، ولـ”متعة” الحرب من كل جنسيات العالم.

وفق هذه المعطيات، إن كانت دقيقة، يمكن الاستنتاج بأن من سيعبر الحدود التركية- السورية هم في واقع الأمر معادون لتركيا، وربما لهم ارتباطات مع إيران والنظام السوري، وفي الغالب لا يهمهم سوى مشروعهم الكردي ولا تعنيهم الأزمة السورية إلا بقدر ما تخدمهم، وهذا يعني بالتالي دخول جحافل لا يختلف ضررها ومساوئها عن مساوئ دخول تنظيم الدولة الإسلامية مع اختلاف الأيديولوجيا والأهداف.

تركيا سارعت إلى إعلان رفضها للدعوة، وهي بالتأكيد رفضت ذلك ليس دفاعا عن مبدأ إنساني أو حقوقي، أو حرصا على أمن سوريا وضبط حدودها، وإنما لأنها لا تريد مساعدة الأكراد حلفاء حزب العمال الكردستاني المعارض لتركيا، ولأن لها مصلحة في تهجير الأكراد من مدينة عين العرب (كوباني) لتقضي على التواجد الكردي قرب حدودها أو لتشتته على الأقل، وبعد ضغوط أميركية عليها، وافقت بخجل على الطلب، وأعلنت أنها ستفتح الحدود أمام عدد من قوات البشمركة الكرديةـ العراقية المقاتلة للدخول إلى سوريا.

المعارضة السياسية السورية الخارجية (الائتلاف) وقفت شبه صامتة أمام طلب المبعوث الأممي، وكعادتها أمام كل خطوة تحتاج إلى قرار جريء أصدرت بيانات خجولة لا رافضة بشكل قطعي ولا موافقة بشكل قطعي، فالائتلاف لا يريد إزعاج تركيا التي تعتبر مقر الائتلاف المعارض وأكبر داعم له، كما أنه لا يريد إزعاج الأكراد السوريين شركائه. أما المعارضة السياسية الداخلية (هيئة التنسيق) فقد رحّبت بطلب دي مستورا رغم أن هذه الدعوة تُخالف ليس (لا) واحدة، بل كل لاءاتها التي بُنيت عليها (لا للتدخل العسكري الأجنبي ولا للتجييش الطائفي ولا للعنف)، وهي تدخل عسكري خارجي وتجييش عرقي قومي وعنف مطلق.

واهم من يعتقد أن الهم الوطني السوري يقع في رأس سلم أولويات تركيا، فلتركيا مصالحها وأجندتها التي تقودها، فهي، التي ترفض فتح حدودها مع سوريا لدخول المقاتلين، قد توافق في وقت ما وظرف ما على ذلك، عندها سيدخل كل من يهوى عبثية الحرب، وكل من يحلم بحمل السلاح، لتصبح سوريا مستنقعا لكل المهووسين بالمعارك والعنف والقتل، وهذا كله سيُسعد النظام السوري، لأن العين الدولية لن يكون لديها وقت لرؤية عنفـه وسيُبعد عنـه شبح السقوط.

إن لم يكن تنفيذ اقتراح دي مستورا موزوناً بميزان ذهب، فإنه سيفتح الباب أمام صراع مفتوح في سوريا مع فوضى حرب أهلية طويلة، وسيؤدي إلى تفكك الدولة وانتشار نزعات الانفصال الكردية ونزعات الانفصال العلوي، ونزعات الخلافات الإسلامية، وسيبرر للنظام- بالحجة والقياس- طلب فتح حدود العراق أو لبنان أمام مقاتلين من دول صديقة له لمؤازرته.

قد تكون غلطة دي مستورا “غلطة الشاطر”، قد تؤدي بعد تبنيها إلى كارثة، وهذا ما يدفع إلى التمني بألا تكون النتائج التي يمكن أن يصل إليها المبعوث الأممي في حل أزمة سوريا مشابهة لمقدمات مهمته.


إعلامي سوري

9