طلعت زكريا مبدع بسيط رأى ما لم يره الساسة

الموت يغيب الفنان المصري عن عمر يقارب الستين عاما، فبكاه المحبون والعشاق، وشمت في موته مَن تصوروا أنفسهم يوما ثوارا ومقاومين للاستبداد.
السبت 2019/10/12
طباخ الرئيس الوفي يرحل رافضا السباحة مع التيار

يُخطئ مَن يقرأ المشهد بالمقلوب. يتصوّر البعض أن الفنان، المبدع أو المثقف النابه هو الذي ينجو بنفسه عن وحل السياسة، وهذا صحيح، لكن مَن قال إن الاعتراف بالجميل سياسة، والمحبة سياسة، والوفاء تجاه أصحاب الجميل سياسة.

ذلك رأي موجز يحاول قراءة موقف الرأي العام من الفنان المصري الكوميدي طلعت زكريا، الذي غيبه الموت الثلاثاء الماضي عن عمر يقارب الستين عاما، فبكاه المحبون والعشاق، وشمت في موته مَن تصوروا أنفسهم يوما ثوارا ومقاومين للاستبداد.

كان لزكريا موقف متطرف تجاه المتظاهرين المطالبين بإسقاط الرئيس الأسبق حسني مبارك في 25 يناير 2011، حيث وصفهم بـ”المخدرين والمُسيرين”، واعتبرهم “عملاء وخونة”، ما دفع بعضهم إلى وضعه في قائمة مقاطعة فنية بعد سقوط مبارك لم يخرج منها إلا قبل رحيله بحوالي عامين.

ندامة الكوميدي

بطولة زكريا الحقيقية في السينما تعود إلى دوره في فيلم “طباخ الرئيس”. صحيح أنه قدم قبله بطولة مشتركة مع ياسمين عبدالعزيز في فيلم “حاحا وتفاحة”. لكنه لم يرق لزرع الثقة في نفوس المنتجين والنقاد
بطولة زكريا الحقيقية في السينما تعود إلى دوره في فيلم “طباخ الرئيس”. صحيح أنه قدم قبله بطولة مشتركة مع ياسمين عبدالعزيز في فيلم “حاحا وتفاحة”. لكنه لم يرق لزرع الثقة في نفوس المنتجين والنقاد

تصور البعض أن الفنان أخطأ عندما تورط في السياسة، وانتقد الثائرين ضد مبارك، وربما هو نفسه حمل التصور ذاته عندما ذكر في لقاء تلفزيوني سابق مع المذيعة راغدة شلهوب بأنه نادم عن الحديث في السياسة، في إشارة لذلك الموقف. لا علاقة لموقفه ذاك بالسياسة التي لم يتورط أو يسقط في فخاخها، وإنما عبر عن شعور إنساني بحت.

فزكريا لم يكن من أصحاب التوجه السياسي الصاخب، ولم يكن معروفا عنه مع أو ضد سياسة أو نظام، لا هو عضو في حزب ولا حتى الحزب الوطني الحاكم في زمن مبارك كان يرحب به، ولم يخرج يوما مطالبا الناس بالتصويت للرئيس الأسبق، ولم يسبق له تبني رأي مؤيد أو معارض للسلطة، ولم يتجاوز أبدا حدود المصري البسيط غير المكترث كثيرا بالتطورات السياسية وهمومها.

عندما انتقد زكريا ثوار يناير في ميدان التحرير الشهير بوسط القاهرة، انطلق من محبة طاغية ومبررة حملها لمبارك على المستوى الإنساني وليس السياسي. محبة لم تتغير حتى بعد سقوطه، وظلت حاضرة تؤكد أن المبدع الحقيقي أكبر من أن ينجرف مع التيار العام، وأصلب من أن يسير خلف القطيع.

ومنذ بدأ مشواره الفني، لم يُقدر له موقع البطولة إلا متأخرا بعد أكثر من عشر سنوات من ممارسة دور السنيد لممثلين أصغر منه سنا، مثل كريم عبدالعزيز، وهاني رمزي، وتامر حسني، ومصطفى قمر. ولكن جاءت البطولة الحقيقية في دوره في فيلم “طباخ الرئيس”. صحيح قدم قبله بطولة مشتركة مع ياسمين عبدالعزيز في فيلم “حاحا وتفاحة”، لكن ذلك الدور رغم تفرده، لم يرق لزرع الثقة في نفوس المنتجين والنقاد بقدراته الفردية على جذب الجمهور.

الخبز الأسود

 في “طباخ الرئيس” الذي كتب قصته يوسف معاطي، قدم زكريا ببراعة قصة مواطن عادي بلا أي إنتماءات سياسية، لديه عربة طعام في الشارع، وفي أحد الأيام يقرّ رئيس الجمهورية لمن حوله رغبته في السير وحيدا بالشارع دون موكب، لكن عندما يهبط بنفسه لا يجد أحدا، بسبب إعلان الحكومة عطلة ذلك اليوم تحت دعوى وجود كسوف للشمس لمنع الناس من الخروج من بيوتهم، وبالتالي يتمكن الرئيس من التجول بسهولة.

يلتقي الرئيس خلال سيره بصاحب عربة الطعام ويأكل من يديه دون أن يتعرف عليه لأنه يرتدي نظارة شمس غير معتادة، وفي اليوم التالي يطلب الرئيس إحضاره للعمل طباخا في الرئاسة، بعد أن اكتشف أمانته وإخلاصه بنفسه.

تتعدد طرائف الطباخ عندما يطلب منه الرئيس أن يطعمه من الخبز الطبيعي للناس، فيحضر له خبزا أسود اللون. ثم تتكرر اكتشافات الرئيس لمعاناة الناس من خلال طباخه الذي لا يخفي عليه الأمور مثلما تفعل حاشيته، إلى أن يضج منه كبار رجال الدولة ويطردونه من الخدمة ويخبرون الرئيس أنه اعتذر عن استمرار العمل نظرا لمرضه.

اعتراف بالجميل

آخر أدواره، بعد مشاركته للنجم عادل إمام في مسلسل «العراف»، بطولة فيلم “حليمو أسطورة الشواطئ”. وقدم فيه زكريا دور منقذ غرقى، وهو عمل مارسه بالفعل صغيرا قبل أن يحوز الشهرة ويحقق النجاح.
آخر أدواره، بعد مشاركته للنجم عادل إمام في مسلسل «العراف»، بطولة فيلم “حليمو أسطورة الشواطئ”. وقدم فيه زكريا دور منقذ غرقى، وهو عمل مارسه بالفعل صغيرا قبل أن يحوز الشهرة ويحقق النجاح.

لم تكن إجازة عرض الفيلم وقتها يسيرة لما يحمله من إسقاطات سياسية واجتماعية واقتصادية، وإنما استدعت أن يراه مبارك بنفسه، ورغم رفض مسؤولين كثيرين عرض الفيلم، لكن الرئيس اعتبره قريبا جدا من الحقيقة وأجاز العرض، بل أثنى عليه، ثم استقبل طلعت زكريا ليخبره بإعجابه بالفيلم مباشرة ويشيد بالدور الذي أداه، ما اعتبره الفنان أعظم تكريم له في حياته.

وصلت إشادة مبارك إلى حد تشجيعه على إنتاج جزء ثان من الفيلم يحمل اسم “سواق الرئيس” بل وثالث يحمل اسم”حارس الرئيس”، على غرار الفنان الراحل إسماعيل ياسين الذي قام ببطولة سلسلة من الأفلام في مجال الجيش والبوليس.. إلا أن اندلاع حراك شعبي في يناير 2011 كان بمثابة حكم بتجميد المشروع الفني.

لم تقتصر علاقة زكريا بمبارك على محبة فنان لرئيس دولة معجب به ومعترف بموهبته ومقدر لها، وإنما تجاوزت ذلك للشعور بالفضل والجميل تجاه الرجل.

أصيب زكريا في 2007 بمرض غريب ونادر ضرب شرايين في المخ، وأدى إلى دخوله في غيبوبة طويلة، وتحمله مصروفات علاج باهظة لم يتمكن من توفيرها، ولم يقم الفنانون بجمع تبرعات لتغطيتها.

جاءت المفاجأة، وفقا لحوار أجراه الصحافي صفوت دسوقي في جريدة الوفد مع الفنان الراحل عام 2016، أن الرئيس مبارك علم بظروف مرض الفنان وحاجته للسفر خارج البلاد للعلاج، فقرر أن لا يتم ذلك على نفقة الدولة كما كان يتم مع معظم الفنانين والمبدعين المشاهير، وإنما على نفقة مبارك شخصيا. وذكر زكريا أن الرئيس تبرع من ماله الخاص بثمانية ملايين جنيه، أي ما يعادل نحو مليون دولار وقتها، لعلاج الفنان.

موقف طلعت زكريا يبدو في هذه اللحظة أنه كان متطرفاً جداً تجاه المتظاهرين المطالبين بإسقاط الرئيس الأسبق حسني مبارك في 25 يناير 2011، حيث وصفهم بـ"المخدرين والمُسيرين"، واعتبرهم "عملاء وخونة"

يمكن القول إن هذا التصرف لم يقم به مبارك مع أي من الفنانين الآخرين من قبل تقريبا، إذ كان المتبع في حالات مرض المبدعين أن تقوم الحكومة بتحمل العلاج من مخصصات محددة لذلك، والطبيعي أنه كانت هناك حدود قصوى لتكاليف العلاج، وربما كان ذلك دافعا للرئيس أن يقدم تكاليف العلاج من أمواله الشخصية، لأنه يعلم أن مخصصات علاج الحكومة قد لا تفي بعلاج الفنان.

عكس هذا الموقف محبة خالصة من رئيس لفنان مبدع لا يمكن أن تقابل بنكران. وعند التظاهر لإسقاط مبارك لم تكن السياسة في عقل طلعت زكريا، ولم يكن محركه تجاه الغاضبين والثائرين سياسيا، لكنه كان محركا أخلاقيا تجاه أب أو رئيس يقدم المساعدة بتلقائية وسرعة وتواضع.

وقتها فكر زكريا كيف لا يساند رجلا اعترف بموهبته وآمن بها وتعاطف معه وشجعه وأثنى عليه، وسانده عندما تعرض لمحنة مرض غريب نادر ومفاجئ.

ومثل الصمت في ظل أجواء مشحونة بالنسبة لزكريا انتهازية مرفوضة. ربما قدم له الكثير من النقاد والفنانين النصيحة بأن يسكت، ويُطأطئ رأسه حتى ينتهي الحدث، وأكد له صحافيون ونقاد قريبون منه أنه مهدد بخسارة جمهوره إذا ظل متمسكا بالإشادة بالرئيس الأسبق، لكنه لم يخضع وظل ماسكا على جمر مواقفه، وراضيا أن يدفع الثمن انصرافا متعمدا من الجمهور تبعه عدم عرض أعمال فنية عليه لعدة سنوات، ونفي فني استمر بضعة سنوات.

بعد فبراير 2011 لم يكن غريبا أن تتلون أقلام وتتبدل وجوه وتتغير كلمات وتتجدد إطلالات وينقلب مصفقون إلى لاعنين، ويتحول مؤيدون إلى فاضحين وشاتمين. ولم يكن الأمر مقتصرا على أهل الفن، فهناك ساسة وكتاب ونواب برلمان وأدباء ومشاهير، كلهم انقلبوا على أنفسهم نفاقا للمجتمع أو إرضاء للرأي العام أو تقربا من فصيل سياسي معين.

رغم الانتقادات التي تعرض لها زكريا، لكن يذكره كثيرون باحترام تقديرا لصموده ووفائه الكبير. وهو يتشابه مع مواقف البعض الذين صمدوا أمام العواصف وحافظوا على عدم التخلي عن مبارك بعد سقوطه من على كرسي الرئاسة.

ومثل هؤلاء لم يعتذروا عن مواقفهم ولم يتبدلوا، ولم ينافقوا أي جهة مثلما فعل عشرات الكتاب والصحافيين والفنانين، وآثروا أن يفقدوا مناصبهم ومميزاتهم دون أن يفقدوا نبلهم الإنساني.

البساطة والتلقائية

إشادة مبارك بفيلم زكريا وصلت إلى حد تشجيعه على إنتاج فيلمي “سواق الرئيس” و”حارس الرئيس”. لكن اندلاع ثورة ٢٥ يناير جمد المشروع
إشادة مبارك بفيلم زكريا وصلت إلى حد تشجيعه على إنتاج فيلمي “سواق الرئيس” و”حارس الرئيس”. لكن اندلاع ثورة ٢٥ يناير جمد المشروع

 أبرز ما يميز الفنان الراحل، المتخرج من قسم التمثيل والإخراج بالمعهد العالي للفنون عام 1984، البساطة والتلقائية والصراحة، وعرف أن طريق الشهرة في الفن طويل وشاق ومتعرج، خاصة في ظل ذوق عام متقلب ومتغير، وسوق مزدحم بخليط من المواهب وأصحاب العلاقات والمصالح المشتركة.

لذا لم يكن الرجل يشعر بغضاضة عندما اعترف بعمله في مهن بسيطة متنوعة خلال رحلة الصعود، طالت حتى العقد الخامس من عمره، من بينها عمله كسائق، ومنقذ غرقى في الشواطئ، وطبال مع بعض الفرق الغنائية.

إذا كان البعض يتصور أن تلك السنوات مثلت سنوات عذاب ومعاناة للفنان البسيط، إلا أن هناك جانبا إيجابيا لا يمكن إنكاره يتمثل في جني الفنان لسمات شخصية عديدة متواجدة في رجل الشارع العادي، بدءا من اللهجة الشعبية الجذابة للعامة إلى تعبيرات الوجه المُضحكة في المواقف الصعبة أو عند المفاجأة.

كان من الأدوار المبكرة لزكريا دوره في مسلسل “الضوء الشارد”، لكنه لم يكن دورا لافتا، مثلما كان ظهوره السابق في مسلسل “النوة”، وربما لا يتذكره الناس جيدا، لكن صعوده تجلى في الأدوار الكوميدية المساندة للفنان كريم عبدالعزيز في أفلام “حرامية كي جي تو”، ثُم “حرامية في تايلاند”، و”أبوعلي”، بالإضافة إلى “حريم كريم” مع الفنان مصطفى قمر، و”سيد العاطفي” مع تامر حسني.

وواكب حضوره هنا مع صورة المواطن البسيط، “صاحب صاحبه” بتعبير المصريين، خفيف الظل، ابن البلد، والذي تتقافز من ملامحه وكلماته وحركاته الضحكات بصورة طبيعية.

عندما كان يقدم دور الشرير، مثلما في فيلم “أوعى وشك” بطولة أحمد رزق وأحمد عيد، وجدناه شريرا ساذجا مثيرا للضحك بسمته الغريبة وملابسه غير المتناسقة وغضبه المختلط بالغباء.

ولأنه فنان حقيقي، فاستهدافه بالمقاطعة من قبل نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي لم يطل، فمع تحولات المجتمع قفز الإسلاميون إلى حكم مصر بعد سقوط مبارك، ثُم تم تصحيح المسار بحراك شعبي آخر في 30 يونيو 2013.

وهدأت حدة الغضب تجاه الرجل، واقتنع كثيرون بأن موقفه المعارض بحدة لتظاهرات يناير كان في محله. وكُتب للفنان أن يعود للإطلال فنيا على جمهوره عبر أعمال عظيمة، كان أبرزها مسلسل “العراف” مع عادل إمام وحسين فهمي، وقصة يوسف معاطي، وإخراج رامي إمام، ثُم مسلسل “الزيبق” في العام التالي بطولة كريم عبدالعزيز، وإخراج وائل عبدالله، وكان آخر ما قام بتمثيله فيلم “حليمو أسطورة الشواطئ” من بطولته وإخراج محمد ماهر، وقدم فيه دور منقذ غرقى في شواطئ التصييف، وهو عمل مارسه بالفعل صغيرا قبل أن يحوز الشهرة ويحقق النجاح.

رحل طلعت زكريا وهو صادق مع ذاته ومن حوله وثابت على مواقفه، ولم يرتد قناع الغضب ليرضي جمهورا يتغير مزاجه بسرعة، ورأى ما لم يره مفكرون وكتاب ومحللون سياسيون، وحافظ على أخلاق الفرسان البسطاء وهي أسمى من السياسة وتحولاتها وألاعيبها.

12