طليطلة مدينة التسامح

الأربعاء 2015/08/12

إنها طليطلة أو توليدو حفيدة دمشق، ووجهها الآخر في مرآة الزمن، مذ تدخلها يمسك التاريخ بيدك ليأخذك في جولة إلى ملامحك القديمة، وليعيدك إلى نفسك سالما.

تقع هذه المدينة الساحرة على بعد سبع وسبعين كيلو مترا عن العاصمة الحالية مدريد، لكنها مدينة تتباهى دوما بأنها كانت العاصمة الأقدم والأغنى والأجمل، مثلما تتباهى بالصوت العربي الذي يصرخ في كل زاوية منها ويقول لك تعال أيها الغريب القريب، فأنا أعرفك أكثر مما تعرفني، تعال وتعرف على نفسك مرة ثانية هنا.

أول ما تمرّ به هي بوابتها الكبيرة والتي لم تزل تحفظ اسمها العربي الأصيل “بوابة القنطرة”، وفيها عليك أن تحني قلبك أمام بوابات دمشق التي تستفيق في دمك رغما عنك، إذ يأخذك التشابه إلى بوابة باب شرقي وقد يتركك هناك. تسير في المدينة، ويسلمك شارع إلى شارع لتشرب من طرقاتها الضيقة صوت ورطوبة حارات باب توما، ولتهرب ياسمينة من شرفاتها المتقاربة إلى أصابعك.

هناك رواية تقول إن “توليدو” هو اسم قادم من الرومانية، ومعناه مدينة الأقوياء أو المدينة المحصنة، إذ أن أصل الاسم هو “تولودوث” ويعود هذا الاسم نسبة إلى ملوك القوط الشهيرين الذين حكموها، أما الرواية الثانية فتقول إن “توليدو” هي اللفظ الأسباني لـ”طليطلة” وهو الاسم الأساسي العربي والذي يعني المدينة ذات الإطلالة المذهلة، إذ أن توليدو تطل من هضبتها المرتفعة على نهر “التاج” الذي لم يزل يحفظ اسمه العربي وللماء فيه ذاكرة لا تموت.

لقد سمعت توليدو اسم الله يعلو من المساجد ومن الكنائس ومن المعابد بنفس الوقت، ولقد عاش اسم الله فيها كما يحب أن يعيش، لتشهد هذه المدينة أجمل تعايش حقيقي وموثق على صفحة التاريخ، ولتصبح مدينة التسامح بلا منازع.

يباغتك في توليدو مسجد المردوم بتطريزاته الفنية التي تذكرك بقصر الحمراء في غرناطة، كما أن عبارة “لا غالب إلا الله” تملأ جدرانه وتردد ماضيه بلا كلل، أما كاتدرائية توليدو الشهيرة فإنها تأخذك من نفسك بواجهاتها التي لن تشبع أبدا من النظر إليها، وبمكتبتها الأشهر في أوروبا والتي تحفظ مئات الآلاف من المخطوطات للتجمع الكنسي الأكبر الذي كان موجودا فيها، كما أن المعبد اليهودي أيضا لم يزل قائما بحضوره القديم، ولم تزل لوحات الفنان أل غريكو تملأ قاعته الكبيرة.

لقد تعاقبت على هذه البقعة الفريدة حضارات كثيرة لونت الحياة فيها لكن اللون العربي الإسلامي لم يزل طاغيا على لوحتها ونابضا، يعيش بالكلمات العربية المكتوبة على لافتات المحلات وخاصة مشاغل الداماسكينو التي لم تزل ترصع بخيوط الذهب الأساور والعقود والسيوف الدمشقية مثلما رصعها أجدادنا الأوائل في دمشق، ويطل أيضا هذا اللون العربي مع ظله في المصابيح الدمشقية التي تملأ المحلات والتي تعيد صناعة عالم كامل من الضوء.

كانت توليدو عاصمة منطقة “كاستيا لامنشا” وقد افتتحها طارق بن زياد بعد معركة “لكة” الشهيرة عام 712 لتصبح في عهد القائد عبدالرحمن الناصر مدينة حضارية هامة وليحكمها بعده بنو النون ثم ليتسلم الحكم بعدهم بنو يعيش، لكنها سقطت عام 1085، ليستلمها الملك “ألفونسو السادس” ولتصبح عاصمة ملكه قبل أن تنتقل العاصمة إلى مدريد، لكن الملامح العربية فيها لم تسقط فالملامح العربية لا تسقط عن حاملها، مثلها مثل الوشم على الخاصرة.

توليدو حفيدة دمشق تقول للدمشقي القادم إليها لا تخف، دمشقك تعيش في كل حجر، ولن تستطيع الطائرات هناك أن تقتل اسمها فيها.

كاتبة من سوريا مقيمة في مدريد

14