طمأنة الحلفاء العرب مهمة عاجلة تحفظ لواشنطن دورها في المنطقة

الاثنين 2015/04/13
واشنطن بدأت تفقد مصداقيتها لدى حلفائها العرب بسبب ضبابية سياساتها تجاه قضايا المنطقة

واشنطن - يرى الباحثان في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، جيمس جفري ودينيس روس، أنّ السياسة التي تتبعها الإدارة الأميركية الحالية تجاه الأزمات التي يشهدها الشرق الأوسط تنطلق من نظرة ضيقة للأمور ربما تنعكس سلبا في المستقبل على الدور الأميركي في المنطقة، خاصّة إذا ما واصلت واشنطن تجاهل المخاوف العربية حيال الاتفاق النووي مع إيران التي لا تدّخر جهدا في استفزاز جيرانها وتهديد الأمن الإقليمي عموما.

أبطأت الأحداث الأخيرة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط كالعملية العراقية الأميركية المشتركة لتحرير مدينة تكريت من سطوة تنظيم “الدولة الإسلامية”، وقرار فك الحظر عن المساعدات العسكرية الأميركية لمصر ودعم الولايات المتحدة للتحالف الخليجي في اليمن، وفق جيمس جفري الخبير في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، مسار التدهور الذي يسير إليه الوضع في المنطقة لكنّها لم توقفه، خاصة أنّ الوضع الإقليمي الحالي يعدّ الأسوأ منذ عام 1979.

وقد تولت الولايات المتحدة وحلفاؤها، بعد الحرب العالمية الثانية، إلى حدّ كبير إدارة الأوضاع في الشرق الأوسط. ولكن العديد من التطورات الرئيسية في المنطقة بدأت تتحدى النظام الدولي، وفي مقدمتها الأحداث المعروفة باسم “الربيع العربي” وتصاعد الحركات الإسلامية في هذه الألفية (التي تسعى إلى إحداث تغيير جذري في المجتمعات)، بما فيها تنظيم “الدولة الإسلامية” وكذلك طموحات إيران التوسعية وبثها للبلبلة في دول المنطقة.

وبالتالي فإنّ نسيج الدولة الحديثة بحد ذاته آخذ بالاهتراء في كافة أنحاء المنطقة، حيث أضحت المصالح المحلية مثل العشائرية والدينية والأسرية، هي الطاغية على الولاء للأوطان. وعلى الرغم من الدور الهام الذي أدّته الولايات المتحدة، والذي يجب عليها أن تستمرّ في تأديته، إلاّ أنها لن تستطيع إصلاح جميع هذه الأمور بسياستها المتبعة الآن.

سياسات غير معهودة

عادة تملك الولايات المتحدة، وفق جيفري، عدداً من المبادئ التوجيهية في التعامل مع مثل الأزمات التي يشهدها الشرق الأوسط، وهي؛ الإصرار على شرعية الدول القومية ودعم الأصدقاء والحلفاء والبقاء على استعداد لاستخدام القوة العسكرية وإظهار التماسك السياسي.

الدول العربية ترى أن البرنامج النووي الإيراني إشارة إلى طريقة التفكير التوسعية الخطرة التي تنتهجها طهران

غير أنّ الإدارة الحالية قد فضلت مجموعة مختلفة من المبادئ التوجيهية، وركّزت على التوصل إلى اتفاق تحولي مع إيران ومواصلة الضغط على الإرهابيين مع تجنب التوسع في استخدام القوة العسكرية على نطاق أوسع وتفادي سقوط الضحايا، وهو ما يكسيها بنوع من الضبابية التي تقلق حلفاءها.

وقد أدى هذا التوجّه إلى إرباك كبير في صفوف صانعي السياسات والمحلّلين، فعادة ما يختار الرؤساء إحدى مقاربتين في تفسير السياسة الأميركية خلال الأزمات: الأولى هي التي اعتمدها الرئيس الأميركي، ثيودور روزفلت، والتي ترتكز على التحدث إلى الشعب الأميركي وتفسير أفعال البيت الأبيض وشرح أهداف الولايات المتحدة. أمّا الثانية فتبناها الرئيس الأميركي، جورج بوش الأب، وهي تعتمد على التّصرف من دون إشراك الجمهور. أمّا الإدارة الحالية فهي لا تعتمد أيّاً من هاتين المقاربتين.

وفي ما يتعلق بتنظيم “الدولة الإسلامية”، يقول جفري إنّ البيت الأبيض أعلن عن هدفه القائم على تدمير هذا التنظيم بدلاً من محاولة إدارته، مُتخذاً بالتالي القرار الصحيح. غير أنّ الوقت هو جوهر المسألة، خاصّة أنّ تطوّر الديناميات الإقليمية يعني أنه يتوجب على واشنطن التّصرف بسرعة.

فالمُحاولات الجارية لوقف عمليات التمويل التي يحصل عليها “داعش” ومكافحة التطرف القائم على العنف ومعالجة الظاهرة الخطرة للمقاتلين الأجانب، تشكّل جميعها خطوات جيدة تكمّل مهمتها الأساسية، ولكنّ هذا التنظيم لا يزال يشكّل “دولة زائفة” تمتلك قدرات عسكرية، يجب بالتالي الردّ عليها باستخدام القوة العسكرية.

لقد كان قرار الإدارة الأميركية إعطاء الأولوية لمحاربة “داعش” في العراق صحيحاً، وقد كُللت جهودها، رفقة حلفائها الدوليين، هناك بنجاح نسبي حتى الآنً.

دينيس روس: الاتفاق سيسمح لإيران بالحفاظ على جزء كبير من بنيتها التحتية النووية

أما في سوريا حيث يشكل الوضع تحدياً أصعب بكثير، فالحالة تغذي ميل الإدارة الأميركية إلى عدم التدخّل، فمن وجهة نظر البيت الأبيض، يستمرّ نظام الأسد بحربه الوحشية ضد الجماعات المعارضة سواء تلك المعتدلة أو الأخرى المتطرفة. وفي الوقت نفسه، لا تزال تركيا غير ملتزمة، ولا تملك واشنطن أيّ تطلع حول سيناريو “الغد” في سوريا.

ولذلك يبقى الأمر أكثر تعقيداً مع اتخاذ الإدارة الأميركية قراراً بعدم “استفزاز إيران”، التي تعتبر دمشق حليفاً أساسيّاً لها في المنطقة. وفي النهاية، ستنتقل هذه المشاكل إلى الرئيس المقبل.

ولكنّ السؤال الحقيقي الذي يطرحه جيفري هو كالتالي: هل ستنتظر الجهات الفاعلة الأخرى في المنطقة حتى ذلك الحين؟ وإلى أيّ حدّ ستصبر؟ خاصة في ظل عدم رضا البلدان العربية عن سياسات واشنطن التي يرون أنها تطلق يد إيران في المنطقة وتبحث عن تسوية معها على حساب أمن حلفائها العرب القومي.

ويقول المستشار في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، دينيس روس، إنّ جلّ الإدارات الأميركية تعاملت، خلال ربع القرن الماضي، على الأقل مع أزمة واحدة في الشرق الأوسط. أمّا اليوم، فقد اندلعت مجموعة غير مسبوقة من الأزمات في كافة أنحاء المنطقة، قد تشكّل كلّ واحدة منها بمفردها تحدياً كبيراً للولايات المتحدة.

ضرورة طمأنة الحلفاء

الأمر الذي يعد مقلقا أكثر من غيره في نظر المحللين، يتعلّق بالأساس بتعرّض مفهوم الدولة في الشرق الأوسط إلى الانتهاك. فإذا فشلت دول المنطقة، فسيتم ملء الفراغ الناتج عن ذلك من قبل مجموعة متنوعة من الجهات الفاعلة من غير الدول. ولا يعتبر تنظيم “الدولة الإسلامية” السبب الوحيد لهذا الانهيار، فإيران أيضاً تتحدى جيرانها عن طريق استخدام أذرعها الشيعية لخلق نفوذ لها في المنطقة.

وقد أدّى ذلك إلى رد فعل من قبل السعوديين وغيرهم من السنة، الذين يرون أنفسهم محاطين على نحو متزايد بالنفوذ الإيراني.

وعلى عكس إسرائيل التي تشعر بالقلق أوّلاً حيال البرنامج النووي الإيراني وثانياً حيال أهدافها التوسعية، تعتبر الدول العربية البرنامج النووي الإيراني إشارة إلى طريقة التفكير التّوسعية الخطرة التي تنتهجها طهران. وبالتالي، يُشير القرار السّعودي باستخدام القوة في اليمن- إلى أنّ الرياض لن تنتظر أكثر من ذلك للتصدي لأي تهديد إيراني يسعى إلى تقويض أمن المنطقة واستقرارها، وهي مدعومة هذه المرة من قبل قوة عربية موحّدة.

وقد قدمت الولايات المتحدة الدعم اللوجستي للتحالف الذي تقوده السعودية، كما أنها رفعت مؤخراً الحظر عن المساعدات العسكرية الأميركية لمصر، موجّهة بذلك رسالة مهمّة إلى حلفائها.

ولكن إذا أعطت واشنطن أيّ إشارة على أنّها تنظر إلى إيران باعتبارها شريكة في الحرب ضدّ تنظيم “الدولة الإسلامية”، فعليها أن تعلم بأنّها ستفقد حلفاءها العرب السنة لا محالة.

فلا يمكن للسعودية أن تدع تنظيم “داعش” يصوّر نفسه على أنّه حامي السنة في جميع أنحاء العالم، كما أنها لن تدع إيران تصور نفسها على أنها القوة الكبرى في المنطقة التي تحارب الإرهاب. كما أن السياسة الحالية للإدارة الأميركية، التي تتجنب اتخاذ إجراءات ضدّ نظام الأسد حتّى لا تغضب إيران، إلى تداعيات كبيرة على مصداقيتها كحليف للعرب.
الصفقة بين البيت الأبيض وطهران بشأن الاتفاق النووي تحمل أهدافاً مختلفة

أما بالنسبة لقضية النووي الإيراني، فقد كان التركيز خلال الولاية الأولى للرئيس أوباما يتمحور حول الضّغط على إيران لدفعها إلى تحويل برنامجها النووي نحو الاستخدام المدني السّلمي التام، بالإضافة إلى تمكين الفصائل المعتدلة في النظام الإيراني من البروز.

لكن يبدو أنّ للصفقة الآخذة في الظهور حالياً أهدافاً مختلفة، إذ خلص المسؤولون الأميركيون إلى أنّ المفاوضات لن تسفر أبداً عن برنامج سلمي.

ويبدو أنّ الهدف الأميركي الحالي بدأ يسير في سياق تقييد البرنامج النووي الإيراني، فيما أمسى مقياس النجاح هو فترة تجاوز العتبة النووية، التي يبلغ أمدها عاماً واحداً، وهي عبارة عن فترة عازلة ترى الإدارة الأميركية أنها توفّر المدة الكافية للردّ إذا ما قرّرت طهران انتهاك الاتفاق والسعي لامتلاك أسلحة نووية.

ونتيجة لهذا التحول، سيسمح لإيران بالحفاظ على جزء كبير من بنيتها التحتية النووية، وهو ما يراه البعض صبّا للزيت على نار القلق العربي من طبيعة هذا الاتفاق.

ونظراً لهذه الأهداف الجديدة، يجب على الأميركيين معالجة عنصرين أساسيين هما؛ التحقق والعواقب.

ويتوجّب على البيت الأبيض في ما يتعلق بالتحقق شرح الجوانب التقنية لتقييم فترة تجاوز العتبة النووية البالغة عاماً واحداً. والأهم من ذلك، يجب على أيّ صفقة أن تعطي المراقبين الدوليين إمكانية الوصول الكامل إلى جميع المواقع النووية في إيران، الرسمية وغير الرسمية منها.

أمّا بالنسبة للعواقب، فينبغي للاتفاق أن يوضّح كيف ستردّ الولايات المتحدة إذا ما تمّ انتهاك الاتفاق. ويسري هذا الأمر على بند انتهاء مدّة الاتّفاق، إذ يجب على الإدارة الأميركية أن توضح أنّه إذا ما بدأت إيران بإعادة بناء برنامج نووي واسع النطاق بعد انتهاء الاتفاق، فلن يكون هناك شيء يحول دون قيام الولايات المتحدة الأميركية باستخدام القوة العسكرية للاستجابة إلى هذا الأمر.

وبالنظر إلى جل هذه المعطيات يُفهم، وفق روس، أنّ الولايات المتحدة الأميركية لن تتخلّى عن الشرق الأوسط في أي وقت قريب، لكن ينبغي على الإدارات الأميركية المستقبلية طمأنة الحلفاء العرب، بشأن ذلك.

6