طماطم.. حمراء غامضة!

عادت الطماطم في العراق إلى سيرتها الأولى؛ شحة وغلاء وقلّة ذات اليد للمستهلك الذي تعب من مطاردة السلع الغذائية التي تغيب من دون إنذار في وطن الأراضي الخصبة.
السبت 2018/10/13
تنتظر الحالم في حياة الصحو

في كل مرّة تحل فيها عطلة نهاية الأسبوع، تراودني نفسي لصنع طبق الطفولة المفضل؛ بيض مقلي وطماطم بالفلفل الحار والسماك الحامض؛ الإفطار الصباحي المرتبط بالعطلات والكسل ثم الاستيقاظ المتأخر من النوم وأفلام كارتون توم وجيري.

ورثت ابنتي هذه العادة الصباحية وصارت تطالبني بصنع الإفطار العراقي، لتتناوله مع أفلام الرعب التي تفضل مشاهدتها في عطلة نهاية كل أسبوع تقريبا. وفي كل مرّة أنتهي فيها من صنع البيض بالطماطم، تحضرني صورة صديقتي من زمن بعيد وهي تغالب دموعها وتترحم على زميلها في الجامعة، الذي كان يتغزل بهذا الإفطار دائما قبل أن يذهب مأسوفا على شبابه في حادث سير مروّع، في الأيام القليلة التي كانت فيها الحرب عاطلة عن العمل.

أما ما تلا ذلك من شهور الحرب، فكانت سنوات طويلة من الحصار الاقتصادي حيث شحت الطماطم في أوقات كثيرة من الأسواق العراقية مثلها مثل الكثير من المواد الغذائية، أو أنها كانت تتوفر بجودة أقل وأسعار غالية جدا لا تتناسب ومدخول المواطن البسيط.

كنت أراني في أحد المشاهد المزعجة بابتسامة عريضة، وأنا أحمل طبقة (كرتونة) كاملة من البيض حصلت عليها كمنحة في العمل، فكنت اختال بها في الشارع أمام أنظار المارة وكأني أحمل جائزة نوبل؛ إذ أن الحصار كان قد مر عليه سنوات طويلة وبدأت المواد الغذائية تتداعى في ذاكرة الناس، حتى بعد أن باعوا أبواب منازلهم وشبابيكها في محاولة لسدّ جوع الأبناء!

لم تكتمل فرحتي في ذلك اليوم، الذي بدا مختلفا مع وفرة البيض والخطط التي رسمتها في مخيلتي لقضاء صباح عطلة نهاية الأسبوع، فبعد أن وصلت إلى المنزل اكتشفت غياب الطماطم من سلّة الغذاء. كانت الطماطم تختبئ أحيانا خلف ستار من الغياب بسبب عوامل غامضة لا يعرفها العراقيون في الغالب، ثم ترتفع أسعار ما يصل منها بمشقة إلى نوافذ التوزيع في الأسواق المحلية حتى تصبح عصيّة على أصحاب الدخل المحدود أو المعدوم، لا فرق.

حتى القدرة على الشراء في الحلم، تصاحبه دلالات على قدرة الرائي على أن يتجاوز محنته ومتاعبه

هذه الأيام أيضا، عادت الطماطم في العراق إلى سيرتها الأولى؛ شحة وغلاء وقلّة ذات اليد للمستهلك الذي تعب من مطاردة السلع الغذائية التي تغيب من دون إنذار في وطن الأراضي الخصبة والمياه الوفيرة، كما يقول التاريخ طبعا، قطعة أرض من المفترض أن تكون بلادا سعيدة لقبائل من المزروعات من خضروات وفواكه.

لكن المثير للاهتمام، ولمعرفتنا بأن الطماطم نبات حولي تتجدد زراعته سنويا من البذور أو حتى الشتلات الصغيرة، فإن فرص الزراعة المنزلية ما زالت خيارا ممكنا خاصة أن زراعتها لا تحتاج إلى عناية كبيرة، ويمكن ببساطة الحصول عليها طازجة طوال الوقت، بل إن بعض المنازل في معظم أنحاء العالم حققت الاكتفاء الذاتي لزراعتها محاصيل غذائية عدة منها الطماطم. فلماذا لا تلجأ ربات البيوت إلى هذا الخيار؟ ربما يكون السبب غامضا كالعادة.

مع أن أغلب مصادر تفسير الأحلام لم تتعامل إلا بوضوح وشفافية مع هذه المخلوقة الحمراء معتدلة المذاق. وفي جملة تفسيرات كثيرة للدور المهم الذي تلعبه الطماطم في الحديقة الخلفية لحياتنا النفسية، فإن الطماطم في الرؤى أكلها محمود والخير فيها إن كانت حمراء وناضجة؛ فإذا رأى المريض في أحلامه أنه يأكل حبة طماطم حمراء، فهو دلالة صريحة وقوية على تماثله للشفاء.

وحتى القدرة على الشراء في الحلم، تصاحبه دلالات على قدرة الرائي على أن يتجاوز محنته ومتاعبه، أما إذا كانت باهظة الثمن (في الحلم) فيدلّ ذلك على صعوبات كبيرة تنتظر الحالم في حياة الصحو، ليس آخرها شحّة الطماطم من الأسواق ومن إفطار عطلة نهاية الأسبوع!

21