طمس الذاكرة الجزائرية

الجمعة 2017/12/08

خلال الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للجزائر الأربعاء الماضي طرحت من جديد مشكلة الطمس المنهجي الذي تعرضت ولا تزال تتعرض له الذاكرة التاريخية الجزائرية، والثقافة جزء عضوي منها بطبيعة الحال. ويبدو واضحا أن المسؤولين الجزائريين يعلقون، منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، محنة هذه الذاكرة بكل مكوناتها على مشجب الاستعمار الفرنسي فقط، وهم بذلك يتنصّلون من تحمل مسؤولية المشاركة في هذا الطمس.

لا أحد ينكر أن الاحتلال الفرنسي قام بدك حصون الذاكرة التاريخية الجزائرية المادية والثقافية والحضارية وتخريب العناصر التي تتأسس عليها وفي مقدمتها البنية الأسرية التي فكَّك الاستعمار الفرنسي أوصالها، واللغة العربية واللغة الأمازيغية اللتان تعرضتا للقمع حينا وللاغتيال المادي أحيانا كثيرة، وشكل الملكية الجماعية للأرض وللإنتاج الزراعي والفلاحي الذي دمَر نموذجها المحلي المتميز وذلك بواسطة تطبيق فرنسا الاستعمارية لسلسلة من القوانين منها قوانين 8 سبتمبر 1830 و10 يونيو 1831، والقوانين التي ناقشها ثم أقرَها المجلس الوطني الفرنسي المركزي بباريس في أعوام 1851 و1873 وغيرها من القوانين التي وظفتها الإدارة الاستعمارية لإضفاء الشرعية على إسقاط مكونات الهوّية الجزائرية.

لكن هذا التدمير الكولونيالي تواصل بطرق وأشكال متنوعة ومختلفة على أيدي المسؤولين الجزائريين الذين حكموا البلاد منذ الاستقلال 1962، حيث تعرض التاريخ الجزائري ومكوناته الثقافية واللغوية والسياسية، التي تشكلت ونمت في مراحل تاريخية قديمة سابقة للقرن السابع الميلادي، للتأجيل حينا ولحذف عناصر مهمة وأساسية منه حينا آخر، ولإقصاء متعمد لصناع ذلك التاريخ من المناهج التعليمية، وللنبذ في السياسات المتبعة حينذاك والتي فرضت تحديدات تعسّفية معيّنة لمكونات الهوية الوطنية.

وفي هذا الخصوص فقد تنكّر النظام الجزائري للبعد الثقافي واللغوي والتاريخي الأمازيغي على مدى سنوات طويلة وجراء ذلك اندلع الربيع الأمازيغي في عام 1980، وأجبر حزب جبهة التحرير الوطني والحكومة على إعادة النظر في مثل هذا الموقف الظالم ومن ثم أعيد بعض الاعتبار تدريجيا للغة الأمازيغية غير أنها لم تطوّر إلى لغة واصفة قادرة على إنتاج الفكر والعلم بل بقيت مبعدة عن الوظيفة الإدارية والعلمية، وزيادة على ذلك فإنَ الإبداعات الثقافية والأدبية الأمازيغية لا تزال مسجونة في أقفاص “الشفوية” المعرضة للنسيان وتعامل وكأنها أسقطت من كوكب غريب على التراب الجزائري.

أما اللغة العربية فهي مسجونة في القوالب التقليدية والمتخلفة ولم تشهد أي تحديث يذكر حتى يومنا هذا، وبطبيعة الحال هناك الكثير من الممارسات الأخرى التي يلعب أصحابها الدور المفصلي في طمس الذاكرة الجزائرية بأبعادها التاريخية والثقافية والحضارية ولكن لا أحد يحرك ساكنا لوضع حد لها.

كاتب جزائري

15