طموحات الصحافيين العراقيين تجهضها تشريعات البرلمانيين

يثير مشروع قانون “حرية التعبير عن الرأي وقانون جرائم المعلوماتية” موجة من التوتر والاستياء في الوسط الإعلامي العراقي، بسبب تضمنه مواد فضفاضة يمكن تأويلها، بهدف ملاحقة الصحافيين وتطبيق عقوبات قاسية عليهم، خدمة للسياسيين.
الأربعاء 2016/08/17
توافق أصحاب المهنة يقطع الطريق على السلطات لتقييد الحريات

بغداد - يشكل مشروع قانون “حرية التعبير عن الرأي وقانون جرائم المعلوماتية” الذي يناقشه البرلمان العراقي، إجهاضا لأحلام الصحافيين، بتوسيع هامش الحريات الإعلامية في البلاد بعد حقبة طويلة من التضييق، شهدت متنفسا بعد عام 2003 بتعدد المنابر المستقلة، وإتاحة الفرصة لطرح مواضيع لم يكن ممكنا الحديث عنها في السابق.

يعكس القانون الشرخ الكبير بين المسؤولين السياسيين، والوسط الإعلامي والثقافي في العراق، الذي مارس ضغوطا وحملات واسعة لمنع البرلمان من إقرار القانون، وتمكن من إجبار النواب على تأجيل مناقشة القانون.

يعتبر الصحافيون أن هذا القانون موجه بالأساس للحد من الانتقادات الشعبية لأداء الطبقة السياسية وتحجيم التظاهرات التي تشهدها البلاد منذ أكثر من عام، ووصفته لجنة الثقافة والإعلام النيابية، بعد إرساله من مجلس الوزراء إلى البرلمان لإقراره، بأنه “إعادة للنظام البوليسي إلى العراق” بحسب ميسون الدملوجي رئيسة لجنة الثقافة النيابية. وقالت الدملوجي “إن القانون أخذ في الإعتبار الجوانب الأمنية من دون الاهتمام بما نص عليه الدستور من الحريات المدنية للمواطن”.

وتساءلت رئيسة اللجنة “هل تريد الحكومة الإساءة إلى مجلس النواب بإرسال هكذا قانون إليه”. وأضافت “لن نسمح بأن يتحول العراق إلى منظمة بوليسية تراقب المواطن لأن الجانب التشريعي في القانون كبير جدا ولا يتلاءم مع الحق الفردي”.

القانون موجه بالأساس للحد من الانتقادات الشعبية لأداء الطبقة السياسية وتحجيم التظاهرات التي تشهدها البلاد منذ أكثر من عام

ويشير الصحافيون إلى أن مشروع القانون يعكس مخاوف الطبقة السياسية من تطور وسائل الإعلام، وتنوع وسائل الاتصال، وانتشار صفحات التواصل الاجتماعي، التي جعلت من الخبر والمعلومة والرأي في حلّ من قبضة السلطة، وصارت الحكومة تحت الأضواء، ويمكن كشف كل الأخطاء التي ترتكبها.

كما أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي بتكوين جماعات ضغط مؤثرة على الحكومة والسلطة، وبات مصدر قوة للمواطن، بحيث لا يمكن بعد اليوم، التكتم على أخطاء الحكومة أو السلطات الأخرى.

ويرى الصحافي علي حسين عبيد أن النصوص المثيرة للجدل، لا تزال تدخل ضمن هذا القانون، مما أثار مخاوف الإعلاميين والمثقفين، من التضييق على حرية الرأي، والعودة بالعراق إلى المربع الأول، بعد أن قطع مشوارا جيدا في هذا المجال، ومن حق الجميع الخشية على “الضوء” الذي من خلاله يستطيع العراقي وهو يعيش في “ظلام الفساد”، أن يرى بصيص أمل قادم، يجعل من حلم بناء الدولة المدنية الحامية للحقوق أمرا ممكنا.

من جهته يستغرب مصطفى ناصر رئيس جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق من توقيت إثارة هذا القانون من قبل النواب، ويقول إن “مبررات هيئة رئاسة البرلمان بشأن طرح القوانين في هذا الظرف الذي يشهد توترا سياسيا وحراكا شعبيا محموما، أن البرلمان يشعر بالحرج لعدم إنجازه القوانين المعطلة منذ سنين، ولم يتبق من عمره سوى مدة سنتين تبدو غير مقنعة”.

ويشير ناصر أن توقيت إثارة هذا القانون، يأتي بعد تنامي النقمة الشعبية على الطبقة السياسية وتصاعد التظاهرات الاحتجاجية، ويضيف “نعتقد بوجود إرادة سياسية وراء توقيت مناقشة القانون بعد شعور جميع القوى السياسية بأنها مستهدفة بالنقد من قبل الجمهور.

مصطفى ناصر: نعتقد بوجود إرادة سياسية وراء توقيت مناقشة القانون

وكان العشرات من الناشطين والصحافيين، قد نظموا وقفة احتجاجية في العاصمة بغداد، ضد مشروع القانون. ورفض المحتجون “تشريع قوانين لمصادرة الحريات” وقالوا إن “أخطر مشروعين هما (قانون حرية التعبير) و(قانون جرائم المعلوماتية)، على جدول أعمال مجلس النواب”.

وتعود أول مسودة للقانون إلى عام 2006 وطرح حينها لمواجهة الدعاية الإعلامية لتنظيم القاعدة، ولكنه تضمن فقرات غير واضحة، يمكن تطبيقها للحد من حرية التعبير، مما أثار الرأي العام وقتها، كما أن رفض المنظمات الدولية التي كانت فاعلة في ذلك الوقت أجبر المشرعين العراقيين على إرجائه، وعادت مناقشته خلال عامي 2011 و2012 .

وعاد المشروع بمسودة أخيرة هذا العام، كانت أيضا محل انتقاد واسع بين الصحافيين والإعلاميين وخبراء القانون خصوصا ما تضمنه من عقوبات قاسية ونصوص يمكن تأويلها، إضافة إلى قيود للحريات العامة تتعارض مع الدستور، كما أنه يستند على مواد عقوبات مستنسخة من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، وتنسجم بعض مواده مع قانون 4 إرهاب وقانون مكافحة الاتجار بالبشر.

ومن أبرز مواد مشروع القانون المثيرة للجدل وفقا للخبراء ما جاء في المادة السادسة التي تعاقب بالسجن المؤبد وبغرامة مالية كبيرة، “كل من استخدم جهاز الكمبيوتر وشبكة المعلومات بقصد إثارة العصيان المسلح أو التهديد بذلك أو الترويج له أو إثارة النعرات المذهبية أو الطائفية أو الفتن أو تكدير الأمن والنظام العام أو الإساءة إلى سمعة البلاد”.

وعلق الصحافي مازن الزيدي “بالتأكيد هناك حاجة لتشريع قوانين تراقب الفضاء المعلوماتي ولا سيما مع التطور السريع لوسائله لكن هذه الضرورة لا يجب أن تتحول إلى غريزة بوليسية تسعى إلى تحديد الحريات الإلكترونية كما هو واضح من ثنايا بنود قانون جرائم المعلوماتية، فالجميع مع تشريع القوانين المنظمة لا القوانين القامعة، والمقوضة للحقوق والحريات”.

ويرى مراقبون أن عدم نجاح العاملين في الإعلام والصحافة والمنظمات المعنية بحقوق التعبير والحريات العامة في إيجاد ميثاق عمل إعلامي في البلاد بعد 2003 بسبب خلافات وتقاطعات بين أصحاب المهنة، شجع السلطات على سن وتشريع قوانين مقيدة للحريات العامة.

ويقول المحامي محمد علي العبودي “في الدول الديمقراطية يكون الهدف الأساسي من إقرار قانون جرائم المعلوماتية هو مكافحة القرصنة الإلكترونية لكن دول العالم الثالث تتجاوز فيها هذه المهمة لتمس بحرية التعبير بحجة الحفاظ على الأمن القومي، وسبق أن طرح مشروع مماثل في لبنان”.

18