طهرانية بعض المثقفين

الخميس 2017/11/30

تناقلت المواقع الاجتماعية منذ بضعة أشهر “بوست” لمثقف تونسي يتمنى فيه لأحد المغنين الشبان ممن سطع نجمهم في الأعوام الأخيرة الموت في أبشع صورة، حين علم أن هذا الشاب بُترت رجله بسبب مرض ألمّ به.

وقد أثار ذلك استنكار الكتاب والمثقفين وحتى عامة الناس، لا سيما أن صاحب “البوست” أكاديمي يدرّس علم الاجتماع، وروائي من أبرز كتاب الرواية في تونس. فما الذي يضيره من صعود هذا الشاب؟

شهرته السريعة، أم لغة أغانيه المبتذلة، أم انتماؤه إلى المنحرفين الذين عرفوا السجون لارتكابهم جنحا يأتي تعاطي المخدرات في مقدمتها، وكلها قدر مشاع لدى مشاهير فناني الراب في أميركا، من سنوبي دوغ إلى فيفتي سنت، بل إن حربا حقيقية لا تزال قائمة بين فناني الساحل الغربي في سان فرنسيسكو ولوس أنجلوس ونظرائهم من الساحل الشرقي في نيويورك وميامي، وكثيرا ما يجنِّد هذا الفنان أو ذاك كوماندوس لتصفية خصم تقوّل عليه، أو غريم نافسه، أو غرّ انتحل منه لحنا أو كلمات؟

ثم لماذا هذا الفنان بالذات، وأغلب أغانينا من زمن رديئة، سواء من جهة ألحانها الرتيبة أو من جهة كلماتها النابية التي تجري في العادة على ألسنة الزعران، ثم صار الجميع لا يجدون حرجا في استعمالها حتى في المنابر الإعلامية والمسلسلات التلفزيونية وهم لا يدركون في الغالب معناها؟

ألم يكن حريّا به، بوصفه عالم اجتماع، أن يتوقف عند هذه الظاهرة، لتفكيك مفرداتها ومساعدتنا على فهم العوامل التي أفرزتها؟ ألم يتعلم من أستاذه إميل دوركايم أن “علم الاجتماع لا يستحق ساعة تعب إن لم يُفِد في تحسين مصير البشر”؟ ثمّ هل يمكن أن يبلغ إنكارنا نمطا معيّنا من الفن حدّا نكره فيه صاحبه، وندعو عليه بالموت؟ ألا يعرف صاحبنا، وهو الروائي الخبير بتصوير المجتمع في شتى تجلياته وتحولاته، أن من واجبه الانتصار للإنسان، وأن دوره إجلاء القيم الإنسانية حتى في أكثر المظاهر بشاعة؟

صحيح أن فن اليوم غير فن الأمس، ولكن هذا الشاب يعبر عن مشاغل الناس، بلغة الناس، في موسيقى صارت اليوم موسيقى شرائح واسعة من المجتمع، وإن تشبهت بموسيقى الراب في الغرب، ومن الحيف أن نتجنى عليه بدعوى أن فنه رديء، إلا إذا كنا نسعى لإقامة مجتمع الطهر على الطريقة الأصولية، حيث السعادة نفسها مبعث للريبة.

يقول المفكر الأميركي الساخر هنري لويس مينكن (1880-1956): “إن الطّهرانيّ المتشدد يسكنه الخوف من أن يوجد في مكان ما شخصٌ سعيد”.

كاتب تونسي

14