طهران تحتمي بمظلة أوروبية مؤقتة لتجاوز الفخاخ الأميركية

في خطابه الأول أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، شدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أن إيران دكتاتورية فاسدة ودولة مارقة محذرا المجتمع الدولي من خطرها وحجم تهديدها لأمن الشعوب خاصة وتواصل دعمها للإرهاب وتحريضها على الفتنة والطائفية لبسط نفوذها بالمنطقة. ورغم أن ترامب بدا مستعدا لتمهيد الطريق لإلغاء الاتفاق النووي الذي وقع عام 2015 بين ست قوى دولية وإيران، بسبب مواصلتها تحدي المجتمع الدولي بإجراء تجربة ناجحة لصاروخ باليستي جديد، إلا أن حظوظ إلغاء الاتفاق تبقى ضئيلة أمام مخاوف المجتمع الدولي من تبعات تفكيكه في وقت تتصاعد فيه أزمة كوريا الشمالية.
الاثنين 2017/09/25
الاحتماء بباريس لن ينقذ طهران من مأزقها

القاهرة – تصاعدت حدة المواجهة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أخيرا، ولم يكتف كل طرف بالسعي للترويج لسياساته إزاء الملفات الخلافية الأبرز، ولا سيما الاتفاق النووي والدور الإقليمي الإيراني، وإنما حرص الطرفان على محاولة استقطاب قوى دولية أخرى معنية بهذه الملفات، مثل الاتحاد الأوروبي.

اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب إيران بأنها دكتاتورية فاسدة، مشيرا إلى أن الاتفاق مع طهران من أسوأ الصفقات التي دخلت فيها الولايات المتحدة، وأن الحكومة الإيرانية حولت بلدا غنيا وذا تاريخ وثقافة عريقين إلى دولة مارقة مرهقة اقتصاديا تصدر بشكل أساسي العنف وتسفك الدماء وتنشر الفوضى، في إشارة إلى التدخلات التي تقوم بها طهران في المنطقة والتي أدت إلى تعزيز نشاط الكثير من التنظيمات الإرهابية وتفاقم الأزمات الإقليمية.

وسارعت إيران إلى الرد على هجوم ترامب، وحاول الرئيس حسن روحاني الدفاع عن مواقفها في خطابه أمام الجمعية العامة، مؤكدا أنها “لا تسعى لتصدير ثورتها أو استعادة إمبراطوريتها”، محذرا من أن لديها خيارات أخرى في الملف النووي، ما يفيد أنها يمكن أن تعود إلى تنشيط برنامجها من جديد في حالة انسحاب واشنطن أو تجميد العمل بالاتفاق لأي سبب آخر.

لم يتوان المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي عن تجديد هجومه على واشنطن، معتبرا في تعليقه على هجوم ترامب أن “لغة رعاة البقر ورجال العصابات لم تكن نابعة من شجاعة، بل من انفعال وفشل وقصر نظر”، مستغلا انتقادات الأخير لفرض المزيد من الضغوط على روحاني وتحميله المسؤولية عمّا آل إليه الاتفاق النووي، الذي يبدي التيار المتشدد تحفظات عديدة تجاهه رغم المزايا العديدة التي يوفرها لطهران.

في هذه الأثناء، سعت بعض دول الاتحاد الأوروبي، مثل فرنسا، إلى محاولة تقليص مساحة الخلاف بين الطرفين، من خلال عقد اجتماع لوزراء خارجية إيران ومجموعة “5+1” في نيويورك، وهو اللقاء الأول المباشر بين وزيرى الخارجية الإيراني محمـد جواد ظريف والأميركي ريكس تيلرسون، أو عبر طرح أفكار جديدة لمعالجة ثغرات الاتفاق، بشأن ما يرتبط ببرنامج الصواريخ الباليستية والقيود التي سترفع بعد عشرة أعوام، في مجال تخصيب اليورانيوم، ودور إيران في المنطقة.

ثمة تغير ملحوظ في الموقف الفرنسي لتأكيد ماكرون على أن أنشطة إيران في المنطقة تثبت أن الاتفاق النووي ليس كافيا

عراقيل أميركية

رغم إعلان دونالد ترامب أنه اتخذ قراره في ما يتعلق بمصير الاتفاق، مفضلا عدم الإفصاح عنه في الوقت الحالي، إلا أن ذلك لا ينفي أن ثمة تباينات واضحة مازالت قائمة بين أركان الإدارة الأميركية حول الموقف من هذا الملف تحديدا. وانعكس ذلك في مطالبة وزير الخارجية ريكس تيلرسون بتعديل الاتفاق رغم إقراره بأنه يطبق تقنيا خلال اجتماع وزراء خارجية إيران ومجموعة “5+1”، ثم اعترافه بأنه فوجئ بتصريحات ترامب.

هذا التباين يشير إلى أن ثمة نقاشات تجري داخل الإدارة الأميركية للوصول إلى موقف واضح إزاء الاتفاق قبل حلول 15 أكتوبر القادم، وهو الموعد الذي سوف تقرر فيه واشنطن ما إذا كانت طهران ملتزمة بتطبيق الاتفاق أم لا، وهو ما سيترتب عليه تحديد سقف العقوبات التي سوف تقوم واشنطن بفرضها على طهران في المرحلة المقبلة.

وهناك اتجاه داخل الإدارة يبدي تحفظات إزاء خيار الانسحاب من الاتفاق والذي يفرض تداعيات سلبية على مصالح واشنطن، لا تنحصر فقط في تحمل المسؤولية الدولية عن انهياره، وإنما تمتد إلى دفع إيران إلى تطوير برنامجها النووي من جديد وربما الوصول إلى مرحلة امتلاك القدرة على إنتاج القنبلة النووية.

فضلا عن أن هذا الخيار سوف يلقي بظلال قاتمة على أزمة كوريا الشمالية، باعتبار أنه يضعف التكتل الدولي الذي تحاول واشنطن حشده للتعامل مع بيونغ يانغ، ويدفع الأخيرة إلى رفض أي محاولة للوصول إلى تسوية سياسية، لأن الصفقات الدبلوماسية قد لا تدوم طويلا في عهد إدارة ترامب، على غرار الصفقة النووية مع إيران.

بدأت واشنطن وقبل الوصول إلى هذا الموعد بتبني خيارات ثلاثة: الأول، الدعوة إلى تعديل الاتفاق من أجل فرض قيود أكثر شدة على إيران، خاصة في ما يتصل بتجاربها الصاروخية والمكاسب التكنولوجية التي سوف تحصل عليها بشكل أكبر بعد عشرة أعوام ولا سيما في مجال تخصيب اليورانيوم.

والثاني، محاولة دفع إيران نفسها، والتيار المتشدد داخل النظام الإيراني خاصة إلى تجميد العمل بالاتفاق، بشكل يحقق هدف الإدارة ويعفيها في الوقت نفسه من تحمل تبعات المسؤولية الدولية عن ذلك، من خلال تصعيد حدة الخلافات معها ورفع مستوى العقوبات المفروضة عليها ووضع عقبات أمام توسيع نطاق شراكاتها الاقتصادية والسياسية مع الدول الغربية.

أما الخيار الثالث فيتعلق بالربط بين الصفقة النووية ودور إيران في المنطقة، عبر اتهام طهران بـ”انتهاك روح الاتفاق”، الذي كان، وفقا للرؤية الأميركية، من المفترض أن يساهم في تعزيز الاستقرار، إلا أن التدخلات الإيرانية فرضت نتائج عكسية في هذا الصدد.

إيران تندفع إلى إتباع سياسة حذرة سعت من خلالها إلى تفادي التورط في الفخاخ الأميركية، وسارعت إلى رفض إجراء أي تعديلات على الاتفاق

سياسة حذرة

تبدو إيران مدركة لحدود الخيارات المتاحة أمام إدارة ترامب في ما يتعلق بالموقف من الاتفاق النووي ودورها الإقليمي، وهو ما دفعها إلى اتباع سياسة حذرة سعت من خلالها إلى تفادي التورط في الفخاخ الأميركية، وسارعت إلى رفض إجراء أي تعديلات على الاتفاق، وقال الرئيس حسن روحاني إنه تم إبلاغ الدول المعنية بهذا الموقف في نيويورك، كما أكدت أنها لن تكون البادئة بنقض الاتفاق، وهاجمت الربط بين الاتفاق ودورها في المنطقة.

هذه المواقف سعت من خلالها إيران إلى تحقيق عدة أهداف، منها: تفويت الفرصة على الأميركيين من أجل سد الثغرات التي يتضمنها الاتفاق، خاصة في ما يتعلق ببرنامج الصواريخ الباليستية والقيود التي سترفع عن إيران تدريجيا بعد عشرة أعوام، بمعنى آخر، فإن إيران ترى أن أي تعديل للاتفاق يقلص المزايا العديدة التي حصلت عليها إن لم يقض عليها تماما، ولن يمنع واشنطن في الوقت نفسه من فرض عقوبات جديدة عليها.

عدم المجازفة بتحمل المسؤولية عن انهيار الاتفاق، والتي يمكن أن تفرض تداعيات وخيمة على طهران لا تنحصر فقط في العودة إلى فرض عقوبات دولية عليها من مجلس الأمن، وإنما تمتد إلى احتمال دخولها في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة تبدو في أمس الحاجة إلى تجنبها.

وإحداث انقسام بين دول مجموعة “5+1” قد يساعد في زيادة الضغوط على إدارة ترامب من أجل عدم الانسحاب من الاتفاق، وفي هذا السياق تعوّل طهران على مواقف الاتحاد الأوروبي وفرنسا تحديدا، ورفضت منسقة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني فكرة تعديل الاتفاق، واعتبرت أن “الاتفاق يحقق الهدف منه.. والمجتمع الدولي لن يتحمل تفكيكه في وقت تتصاعد أزمة كوريا الشمالية”.

وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال اجتماعه مع الرئيس الأميركي على أهمية مواصلة العمل بالاتفاق النووي، مشيرا إلى أن “خروج الولايات المتحدة من الاتفاق يفتح الباب أمام انتشار السلاح الذري في المنطقة”، وأبدى استعداده لزيارة طهران للوصول إلى حل وسط ينهي الأزمة الحالية.

لكن ثمة تغيرا ملحوظا في الموقف الفرنسي لن تتعاطى معه إيران بإيجابية، ويتلخص في تأكيد ماكرون على أن أنشطة إيران في المنطقة تثبت أن الاتفاق النووي ليس كافيا، وهذا إشارة إلى أن باريس ليست راضية عن التدخلات التي تقوم بها إيران في الأزمات المختلفة.

ويكمن الحذر الأوروبي في مواصلة إيران تخطي نهجها البراغماتي وتدخلها في شؤون المنطقة من خلال حروب تخوضها بالوكالة في سوريا والعراق، ما يلقي بظلاله سلبا على مستقبل الاتفاق النووي أمام محاولات الولايات المتحدة لمساومتها على دورها في المنطقة بالتهديد بالانسحاب من الاتفاق. وترى الأخيرة أن اتهامها بانتهاك روح الاتفاق يهدف إلى فرض ضغوط عليها لتقليص دعمها لحلفائها. لذلك دخلت أزمة الملف النووي مرحلة جديدة بعد انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في ظل الانتقادات المتبادلة والمواقف التي اتخذتها القوى المعنية ما سيدفع كل طرف إلى إعادة ترتيب أوراقه وحساباته مرة أخرى.

رئيس تحرير دورية "مختارات إيرانية"

6