طهران تسعى للتصالح مع الغرب والتقارب مع واشنطن يقلق الرياض

الجمعة 2013/10/18
ماذا يخفي روحاني في جرابه السياسي؟

لندن- خلال حملته الانتخابية الرئاسية ركّز الرئيس الإيراني حسن روحاني على نقطتين أساسيّتين أكّد أنهما ستكونان محور اهتمامه في حالة فوزه؛ وهاتان النقطتان هما في المركز الأول إصلاح الاقتصاد الإيراني المتأزّم والنقطة الثانية إعادة تحسين العلاقات الإيرانية – العربية، وبالتحديد مع المملكة العربية السعودية.

ويدرك روحاني، الذي شغل منصب كبير المفاوضين النوويين، أن إصلاح الاقتصاد يمرّ بالضرورة بأميركا وبالغرب الذي يفرض عقوبات اقتصادية قصمت ظهر إيران. وفي حال تحسّن العلاقة مع الولايات المتّحدة فإن الأمر سيفتح الطريق أمام دعم العلاقات الإيرانية العربية.

النقطة الفاصلة في هذه السياسة انطلقت إثر مشاركة إيران في الجمعية العامة للأمم المتّحدة، وكان من المنتظر أن يتم خلالها لقاء تاريخي بين الرئيسين الإيراني، حسن روحاني، والأميركي، باراك أوباما، لكن لم يتمّ ذلك اللقاء وعوّضته مكالمة هاتفية جرت بينهما، في أرفع اتصال بين البلدين منذ أكثر من 30 عاما، وحازت على كثير من الاهتمام.

هذه المكالمة كشفت عن ملامح تقارب أميركي إيراني، في سياسة شبّهها مراقبون بالصفقة، فيما اعتبرها آخرون محاولات من طهران لكسب الوقت، في ما يتعلّق ببرنامجها النووي وأيضا بسياستها في منطقة الشرق الأوسط الحيوية وفي الملف السوري.

إسرائيل بدورها لم تخف قلقها من «التودّد» بين واشنطن وطهران. واتهم الإسرائيليون إيران بمحاولة كسب الوقت والتخلص من العقوبات الدولية المشددة مع مواصلة جهودها لاكتساب أسلحة نووية.

جهة أخرى بدأت تدرس بريبة هذا التقارب، وهذه الجهة هي السعودية التي تربطها بأميركا مصالح وطيدة جدّا، يشكّك مراقبون في أنها يمكن أن تتأثّر بالتقارب المزعوم بين أوباما وروحاني.

السعودية، الحليفة التقليدية لواشنطن في المنطقة، ودول الخليج تتخوف من إمكانية زيادة النفوذ الإيراني في المنطقة. لذلك سارع الرئيس الأميركي -الذي لا يصبّ في صالحه الغضب السعودي خلال هذه المرحلة الصعبة التي تمرّ بها إدارته في الداخل والخارج- بإرسال تطمينات في كل الاتجاهات.

تمرّ العلاقات الأميركية السعودية بفترة حرجة على خلفية دعم واشنطن للأنظمة الإسلامية الصاعدة في بلدان «الربيع العربي»، وهو توتّر زاد من حدّته «الغزل» بين واشنطن وطهران؛ كما تشعر بقلق بالغ حيال التقدم الإيجابي في العلاقات الأميركية – الإيرانية.. وإن هذا التقارب من شأنه أن يدفع الرياض إلى ارتباط أكثر عمقا مع واشنطن، وفق تحليل لغيريغوري غوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة فيرمونت.

ويضيف غوس، في تحليله الصادر عن مجلّة «فورين بوليسي» الأميركية، أنه على الرغم من أن السعوديين يدركون أنه ليس لديهم حليف اّخر يمكنه لعب دور البديل للولايات المتحدة، إلا أن المسؤولين في الرياض وجدوا أنفسهم مجبرين على الإعلان عن استيائهم بعد صدور قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما الأخير بالتراجع عن توجيه ضربة عسكرية للنظام السوري، في الوقت الذي تبذل فيه تركيا ودول خليجية أقصى جهودهم لإزاحة الأسد عن السلطة في دمشق.

وظهرت حالة عدم الرضا السعودية على سياسات الإدارة الاميركية في الشرق الأوسط جلية عندما امتنعت الرياض من إلقاء خطابها السنوي في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

ويرى غوس أنه لا تجب المبالغة في درجة عدم الرضا هذه، لأن هذه ليست هي المرة الأولى التي يشعر فيها السعوديون بالقلق تجاه السياسات الأميركية في المنطقة. فيما أشار إلى أن المفارقة في العلاقة بين الرياض وواشنطن هي أنه كلما ازداد شعور السعوديين بالقلق تجاه هذه السياسات، تعمق تأثير منافسيها الإقليميين، وعلى رأسهم إيران، في المنطقة، وبالتالي فإنهم في هذه الحالة يجدون أنفسهم في حاجة إلى الولايات المتحدة بشكل أكبر من أي وقت مضى.

القلق السعودي، وفق المراقبين، لا يتوقف على التقارب في وجهات النظر بين الرئيسين أوباما وروحاني، أو على فحوى المكالمة الهاتفية التي دارت بين الجانبين، واستمرت نحو 15 دقيقة، ولكن محاولة فهم القضية تعود بنا إلى الخلف قليلا، حينما أعلنت الرياض دعمها الكامل لحركة التغيير التي تمت في مصر، بإزاحة الإخوان المسلمين من سدّة الحكم هناك، في الوقت الذي أخذت تبعث فيه الولايات المتحدة برسائل غامضة إلى القاهرة، لم تعلن فيها عن رفضها الكامل لهذا التغيير المفاجئ، على الرغم من قرارها الأخير بتعليق بعض المساعدات العسكرية للقاهرة.

السعوديون بدورهم لم يحبذوا تلك الخطوة من قبل الإدارة الأميركية تجاه مصر، كما لم يحبذوا أيضا تراجع واشنطن بخصوص التحرك العسكري تجاه سوريا. فالنظام السعودي يشعر بأنه ذهب بعيدا في دعم خطة الولايات المتحدة للقيام بعمل عسكري يطيح بالأسد، ولكن جاء التراجع الأميركي المفاجئ ليسحب البساط من تحت أقدامه في المنطقة.

استطلاع: التقارب السعودي – الإيراني يطفئ نار الفتنة الطائفية في المنطقة
باريس – أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز الدراسات العربي – الأوروبي، في باريس، أن حكمة العاهل السعودي ووجه إيران الجديد بقيادة الرئيس حسن روحاني قد يطفئان نار الفتنة الطائفية في بؤر الصراع في المنطقة. وتوقع 62.5 بالمئة من الذين شملهم الاستطلاع أن أيّ لقاءات قادمة بين العاهل السعودي والرئيس الإيراني لها انعكاسات سياسية إيجابية على المنطقة. أما 31.3 في المئة فلا يتوقعون من القمة السعودية – الإيرانية، إذا التأمت، أيّ شيء يخدم المنطقة طالما أن القوى الدولية هي من تتحكم في مسار الأحداث في الشرق الأوسط، فيما 6.2 في المئة من المستجوبين لا يتوقّعون ولا يعلمون عن أي تقارب سعودي – إيراني. وخلص المركز إلى نتيجة مفادها: كانت أنباء قد رشحت لقاء قمة محتملا أثناء فترة الحج بين العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز والرئيس الإيراني حسن روحاني، ولكن كثرة مشاغل الأخير حالت دون انعقادها وقد تحدث في المستقبل القريب.

وإذا كانت الأكثرية ممن شاركت في هذا الحوار، الذي طرحه مركز الدراسات العربي الأوروبي على موقعه الإلكتروني، قد تفاءلت بهذا اللقاء فإنها محقة لأنها تعي أن معظم ملفات المنطقة التي يسودها التوتر الآن إنما حدثت بسبب التباينات الخاصة في وجهات النظر بين السعودية وإيران، من موقعهما من بين المحركات الإقليمية في المنطقة، فمن سوريا إلى لبنان والعراق والبحرين واليمن وصولا إلى الملف النووي الإيراني يتبين مقدار الحاجة إلى حوار سعودي – إيراني شفاف وواضح وصريح لأن أي دولة منهما بمفردها غير قادرة على ضبط الأمور وتسوية الأوضاع. وإذا كان البعض ينظر إلى أي لقاء بعين المتشائم فمن المؤكد أنه غير محق في نظرته لأن الحوار إذا لم يثمر عن إيجاد تسويات فعلى الأقل قد يثمر عن تنظيم لهذه الخلافات.


قطر والجهاديون


مع بداية حركة التغيير الجامحة المسماة بـ»الربيع العربي» في 2011، كانت تصرفات السعوديين تتسم بالحرص الشديد من التدخل في هذه الحركات الراديكالية، لأنهم بطبيعتهم لا يميلون إلى التغيير المفاجئ. ولكن بعد مرور نحو ستة أشهر من الصراع في سوريا، واشتداد حدة المعارك على الأرض، واتخاذها منحى طائفيا بشكل واضح، قررت الرياض التحرك للحدّ من تمدد النفوذ الإيراني داخل سوريا.

ويشير أستاذ العلوم السياسية في جامعة فيرمونت إلى أن السعوديين لم يلعبوا الدور الرئيسي منذ البداية في سوريا، في المقابل كانت تركيا وقطر ممسكتين بزمام الأمور عبر حدود سوريا الشمالية مع تركيا. لكن دوائر صنع القرار في الرياض لاحظت أن الأتراك والقطريين يدعمون فصائل الإسلام السياسي، وعلى رأسهم تنظيم الإخوان المسلمين، فقط، ومن ثم قرر هؤلاء التدخل بثقلهم لتدعيم «الجيش السوري الحر» الأكثر اعتدالا، والذي يحظى أيضا بدعم الولايات المتحدة.

على الرغم من أن السعوديين تعلموا الدرس القديم عقب تقديمهم الدعم للجهاديين المتشددين في أفغانستان ضد قوات الاتحاد السوفييتي، الذين عادوا بعدها لتأسيس ما يعرف بـ «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب»، إلا أنهم على ما يبدو قبلوا بالتحول مجددا تجاه بعض فصائل الإسلاميين الأقل تشددا في سوريا. فقد صدرت تقارير تتحدث عن أن الرياض تقوم بتدعيم الجبهة الجنوبية التي أنشئت حديثا تحت مسمى «الجيش الإسلامي»، والمتكونة من مجموعة من الفصائل الإسلامية المتشددة، ولا تضمّ في صفوفها «جبهة النصرة» أو ما يعرف بـ»الدولة الإسلامية في العراق والشام» المرتبطين بتنظيم القاعدة، بحسب غوس.


صراع النفوذ


يرجع غوس السبب الرئيسي الذي يقف وراء رغبة السعوديين الملحة في التخلص من بشار الأسد إلى العلاقات الوطيدة التي جمعتهم مع والده، حافظ الأسد، من قبل، رغم ما تخللها أحيانا من شدّ وجذب، وقد تحولت هذه العلاقة إلى النقيض منذ أن تولى السلطة الأسد الابن، الذي فضل الارتماء في أحضان الإيرانيين. إذن يبقى المحتوى الرئيسي للمشكلة هو الصراع السعودي – الإيراني، الذي ينظر إليه البعض باعتباره صراعا طائفيا بالدرجة الاولى، بالنظر إلى أن السعوديين سنة، والإيرانيين شيعة، والأسد علوي. لكن الحقيقة هو أن المسؤولين على رأس منظومة صنع القرار السعودي ينظرون إلى المسألة برمتها على أنها صراع نفوذ أكثر منه أي شيء اّخر. لكن هذا لا يعني أننا يجب أن نتجاهل البعد الطائفي بشكل كامل أيضا، لأن هذا البعد بدأ، بشكل أو بآخر، يحدد ملامح الصراع على الأرض في سوريا.

على الجانب الاّخر، فإن الأميركيين لا يريدون التدخل عسكريا في سوريا، ولكنهم في الوقت نفسه لا يرغبون في الإعلان عن ذلك. ورغم تقديمهم الدعم المستمر للمعارضة في أشكال متعددة، إلا أن التدخل عسكريا يبقى بالنسبة إليهم خطا أحمر.

ويرى مراقبون أن عدم الرغبة في التدخل عسكريا في سوريا لا يعني أن الإدارة الأميركية أصبحت غير مهتمة في وضع سياساتها العليا بمنطقة الشرق الأوسط بشكل عام، لكن هذا الاهتمام تحول بطريقة أكثر براغماتية ناحية طهران، وسعي واشنطن لانتهاج سياسة جس النبض تجاهها، وهو ما أثار حفيظة الرياض، التي يصب في مصلحتها أن ترى اتفاقا نهائيا بين الولايات المتحدة وإيران حول برنامجها النووي، غير أن القلق يبقى مسيطرا عليها حول ما إذا كانت واشنطن ستسمح لإيران بالتمدّد داخل منطقة الخليج بعد اتمام هذا الاتفاق. ويضيف هؤلاء المراقبون أنه قد يكون من المبالغة التفكير بهذه الطريقة التي يطرحها السعوديون، فسياسة الإدارات الأميركية المتعاقبة واضحة في هذا الشأن، وهي تتبلور في عدم السماح لأي قوة أخرى بالسيطرة على منابع النفط، لذلك لم تتردد إدارة الرئيس جورج بوش الأب في التدخل عسكريا عندما قرر صدام حسين ضمّ الكويت إلى العراق في 1990 – 1991، وتطبيقا لهذه السياسة أيضا تحرص الولايات المتحدة على الإبقاء على قواعد وإمكانيات عسكرية كبيرة في المنطقة. واختتم غوس بأن دول منطقة الخليج تشبه في وضعها الجيوسياسي خلال المرحلة الحالية، حلفاء واشنطن في غرب أوروبا أثناء الحرب الباردة، عندما كاد الصراع بين أميركا والسوفييت يتحول إلى كارثة. وقتها كانت حالة القلق نفسها تسيطر على الحلفاء الأوروبيين من دخولهم في حرب مفتوحة هم لم يسعوا إليها. وعندما تمكن الأميركيون والسوفييت من التوصل إلى اتفاق للتهدئة، شعر الأوروبيون بأن الولايات المتحدة من الممكن أن تتخلى عنهم لحساب موسكو.

وأكد على أن هذا القلق يسيطر عادة على الحليف الأضعف، وهو أمر لا يمكن توفير حلول له، بقدر ما يمكن توفير طريقة لإدارته بشكل جيد.

7