طهران صديقة للبيئة حلم بعيد المنال

"ثلاثاء  دون سيارات".. مبادرة لإقحام الدراجة الهوائية كوسيلة نقل بديلة.
الأربعاء 2020/11/25
دراجة الهواء النظيف

طهران مدينة مكتظة بالناس ودخان السيارات القديمة، وهي من العواصم التي توجد على قائمة أكثر المدن الملوثة، رغم المحاولات القليلة التي تعمل على خفض انبعاث ثاني أكسيد الكربون. مبادرة “ثلاثاء دون سيارات” تجربة نادرة لاستخدام الدراجات الهوائية كبديل للنقل تسعى للانتشار بالاعتماد على وعي الإيرانيين.

طهران – يستخدم عمدة طهران بيروز حناجي دراجته الهوائية كل ثلاثاء لبلوغ مقر عمله، في محاولة لإعطاء دفع لمسعاه الهادف إلى جعل العاصمة الإيرانية صديقة لوسيلة النقل هذه، وهي مهمة شائكة في مدينة تعرف بطرقها المنحدرة وزحمة السير فيها وتلوث هوائها.

أسفل سلسلة جبال ألبرز، يستخدم سكان طهران الذين يتجاوز عددهم 8 ملايين نسمة، مئات الآلاف من السيارات والحافلات والدراجات النارية للتنقل يوميا، في بيئة تنقصها بنية تحتية ملائمة لوسائل نقل غير تقليدية.

لكن حناجي أطلق بعيد توليه مهامه في أواخر عام 2018، مبادرة “ثلاثاء  دون سيارات”، ودعَمَ مبادرة لتأجير الدراجات الهوائية من منصات مخصصة لذلك في طهران، آملا بذلك في تغيير واقع الازدحام والتلوث في العاصمة.

ويسعى حناجي والآتي من خلفية التنظيم المدني، لتعزيز ثقافة ركوب الدراجة. يقول، “رسمنا اتجاها جديدا.. لا نقول إن هذا حل، لكنه خطوة على المدى القصير، متاحة، زهيدة الثمن، ومنتجة”.

وتقوم مبادرة “ثلاثاء من دون سيارات” على استخدام العمدة ومعاونيه دراجاتهم للحضور إلى مقر عملهم ومغادرته.

ويضع المسؤول ما يقوم به ضمن خيارات “للحد نسبيا من الازدحام والتلوث”، مضيفا، “لا يمكن أن نقارن أنفسنا بالمدن الأوروبية. لن يصبح (استخدام الدراجات في طهران) مثل أمستردام (عاصمة هولندا)، لكن يمكن أن يشكل ذلك تجربة جديدة”.

ويشدد على أن السلطات تقوم “بزيادة عدد المسارات الخاصة بالدراجات الهوائية لجعل استخدامها أسهل”. وتعرف شوارع طهران بازدحامها الذي غالبا ما يظللها ضباب دخاني ملوِّث.

ويشير عمدة المدينة إلى أن أسبابا كهذه وغيرها دفعت بالبلدية لدعم خدمة “بيدود” (“بلا دخان” بالفارسية) لاستئجار الدراجات الهوائية. وانطلقت الخدمة قبل نحو ثلاثة أعوام، وباتت متوافرة في 147 منصة للاستئجار في طهران، بحسب موقعها الإلكتروني.

ويطمح حناجي إلى تنقل سكان طهران بالدراجة الهوائية إلى أقرب محطة لقطار الأنفاق، ومن خلاله إلى مقر عملهم، ما سيساهم في خفض التلوث. لكن مستخدمي الدراجات الهوائية يرون أن نقص الممرات الخاصة أو البنية التحتية الملائمة، يصعّب القيام بذلك.

كورونا يلتقي مع التلوث
كورونا يلتقي مع التلوث

ويقول فرشاد رضائي الذي يستخدم الدراجة الهوائية بانتظام، “العديد من البنى التحتية الإضافية مطلوبة ليصبح ركوبها بشكل منتظم واقعا”.

ويؤكد الطاهي البالغ 32 عاما، أنه يقطع على متن دراجته يوميا نحو 30 كلم بين عمله في شمال طهران ومنزله في شمالها الغربي، في رحلة يعبر خلالها طرقا رئيسية وشوارع تندر فيها المسارات المناسبة.

وهو يشكو من استيلاء راكبي الدراجات النارية على المسارات المخصصة للهوائية.

وتستخدم الدراجات النارية بشكل مكثّف في شوارع طهران، وتشكّل وسيلة عملية لتفادي الازدحام. لكن مستخدميها غالبا ما يخالفون قوانين السير، ويمكن مشاهدتهم بشكل دائم وهم يعبرون على الأرصفة بين المشاة.

ويرى رضائي أن ثمة حاجة لتطوير “ذهنية” السائقين والمشاة الذين ما زالوا يعتبرون راكبي الدراجات الهوائية “متطفلين” على مسارهم.

ويضيف “في بعض الأحيان يضايقك السائقون، أو ينزعج المشاة منك”، ويقومون بردّ فعل يراوح “بين تعليقات سلبية، وصولا إلى تصرفات بدنية أو تحركات مؤذية قد تعرض حياتك للخطر”.

وأظهرت التجربة أن أمورا كهذه ليست مستبعدة. ففي يونيو الماضي، لقيت الدراجة المحترفة ونوس زرين خاك حتفها بعدما صدمتها سيارة.

لا يمكن أن يكون استخدام الدراجات في طهران مثل أمستردام، لكن يمكن أن يشكل ذلك تجربة جديدة
لا يمكن أن يكون استخدام الدراجات في طهران مثل أمستردام، لكن يمكن أن يشكل ذلك تجربة جديدة

وإحياء لذكراها، أطلقت مجموعة من محبي الدراجات الهوائية في طهران حملة “رِكاب سفيد” (دواسة بيضاء) للتوعية بشأن هذه الممارسة، من خلال نشر مقالات عبر موقع إلكتروني.

ويحلم غلام حسين قاسمي، أحد مؤسسي “بيدود”، بأن تصبح إيران بلاد “نقل نظيف” عماده وسائل تعمل بالطاقة الكهربائية، وفق ما يقول لفرانس برس.

لكن هذا الحلم يبقى بعيد المنال، إذ إن تجربة “بيدود” نفسها لا تزال ناشئة ومحدودة لجهة الخيارات التي توفرها، لاسيما غياب علبة تغيير السرعة عن دراجاتها الثقيلة الوزن.

وتتوافر الدراجات البرتقالية اللون عبر منصات خاصة في أماكن عامة، وتستخدم بتفعيل تطبيق إلكتروني، قبل إعادتها إلى أماكن مخصصة لها. وتبلغ كلفة استئجار الدراجة لنصف ساعة ما يوازي عشر سنتات، أي كلفة سيارة أجرة مشتركة لمسافة قصيرة.

ويقول الشاب سرفراز، وهو يهم بركوب دراجة “بيدود” من ساحة وليعصر “أستخدم هذه الخدمة منذ عام وسبعة أشهر، وأنا راضٍ جدا عنها”. ويوضح ابن الثلاثين عاما وهو يقوم بتعقيم مقبض الدراجة، أنه آثر في الآونة الأخيرة استخدام الدراجات على سيارات الأجرة، في ظل أزمة كورونا.

لكن سرفراز يستخدم الدراجة لمسافات قصيرة، وخصوصا للعودة إلى منزله، لأنه يعتبرها غير ملائمة للمسافات الطويلة أو الطرق المنحدرة في المدينة التي يصل فارق الارتفاع فيها إلى 800 متر.

بالنسبة لآخرين مثل نسترن جبارنيا، كانت “بيدود” حافزا لاستخدام الدراجة الشخصية، على الرغم من أن استخدام الإناث لها يفرض تحديات إضافية.

وتوضح الشابة البالغة 29، أنها تواجه ممارسات شتى مثل “التصفير أو الهتافات الناقدة أو الملاحقة من سيارات تتجاوزني بسرعة فائقة”. ويثير استخدام الإناث الدراجات الهوائية جدلا في إيران، لاسيما في الأوساط المحافظة أو رجال الدين الذين يرون فيها ممارسة غير لائقة.

ورغم المعوقات، يتشبث مزاولو ركوب الدراجات الهوائية بها. ويقول رضائي “منذ أعوام، أرتدي عدة الأمان الخاصة بركوب الدراجة أو مئزر الطاهي، وأعتزم الاستمرار في ذلك”.

طرقات مكتظة في مدينة تختنق
طرقات مكتظة في مدينة تختنق

 

20