طهران عازمة على تخريب جنيف 2.. لا تسمحوا لها

الجمعة 2014/01/17

في آخر زياراته الدورية إلى بيروت هدّد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف واشنطن بأنها ستندم إذا لم تتم دعوة إيران إلى مؤتمر جنيف 2 المقرر بعد أيام (22 يناير الجاري) في تورنتو السويسرية. ظريف يُعتبر من الفريق “المعتدل” في الإدارة الإيرانية، وتصريحه التهديدي دلل على الكيفية التي يكون فيها مسؤول إيراني معتدلاً، فكيف بغير المعتدلين؟

ترفض واشنطن حتى تاريخه مشاركة إيران لسببين: الأول رفض طهران لوثيقة جنيف1 التي تمخض عنها مؤتمر أصدقاء سوريا في جنيف ( يونيو 2012)، والسبب الثاني يعود لدعم طهران لمشاركة حزب الله وتنظيمات عراقية (عشر تنظيمات على الأقل منها على الخصوص لواء أبي الفضل العباس وعصائب أهل الحق)، بينما ترفض طهران مجرد الرد على فحوى هذا الاعتراض، وتتمسك برغبتها في المشاركة أسوة بباقي دول الإقليم ودول أخرى (نحو 30 دولة مدعوة للمؤتمر).

وبهذا فإنها تقرن رغبتها العلنية بالمشاركة في المؤتمر العتيد، برفضها محور المؤتمر ووثيقته الأساسية، وذلك ينمّ عن نية معقودة لتخريبه وحرفه عن أهدافه المتمثلة في تأمين انتقال سياسي جدي وذي مغزى في سوريا.

وكما تفصل وثيقة جنيف- التي يكاد الايرانيون ينكرون وجودها- للالتفاف على هذا الموقف شديد السلبية، تتذرع طهران بما تسميه المشاركة بدون شروط مسبقة. وهذه عبارة دبلوماسية تكاد تكون جذابة ويسهل استخدامها للتفلت من أية التزامات، ويستخدمها على سبيل المثال الاسرائيليون حين يدعون الجانب الفلسطيني لاستئناف التفاوض، فيما تكون المفاوضات متوقفة بسبب الاجتياح الاستيطاني للأراضي المحتلة.ما يريده الإيرانيون هنا- هو بالضبط- إلغاء وثيقة جنيف كمرجعية، والبدء من الصفر.

ما توافقت عليه الجامعة العربية والأمم المتحدة وروسيا وأميركا والاتحاد الأوروبي في جنيف الأول، تطلب طهران عملياً شطبه والقفز عليه، لأنه لا يتوافق مع رؤاها للحل السياسي في سوريا.

إنها تخالف ما يشبه الإجماع الذي ينعقد تحت لوائه جنيف 2 بعد أيام، ومن الطبيعي في ضوء ذلك أن تكون خارج المؤتمر. لو كان لدى الدبلوماسية الإيرانية الحد الأدنى من الصدقية لرفضت الدعوة للمشاركة في حال وجهت إليها نظراً لرفضها وثيقة المؤتمر الأساسية، لكنها- ويا للغرابة- تفعل شيئا معاكسا: ترفض مرجعية المؤتمر وتصر في الوقت نفسه على حضوره، بل لا يتوانى الدبلوماسي الإيراني على التهديد بأن من يرفض المشاركة الإيرانية (أميركا ودول أوروبية وعربية) سوف يندم.

وليس هناك ما يمكن نعت هذا الموقف به سوى أنه محاولة مكشوفة لتخريب هذه الفرصة المتاحة للتقدم على طريق حل سياسي، ولإطالة المحنة السورية بإدامة أسبابها.تقضي وثيقة جنيف بتشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات بما في ذلك الإشراف على الأجهزة العسكرية والأمنية، ووضع دستور جديد والتحضير لانتخابات برلمانية ورئاسية.

بينما يتحدث مسؤولون إيرانيون منهم ظريف عما يسمّونه حلاً سياسياً، وهذا الحل يقتصر على قيام النظام في دمشق بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، فيما يضيف مسؤولون في النظام (فيصل المقداد نائب وزير الخارجية، وعمران الزعبي وزير الإعلام) وفي سياق التساوق التام بين طهران ودمشق إلى ما تقدم: تشكيل حكومة موسعة أو حكومة وحدة وطنية. والمقصود ضم بعض وجوه المعارضة (من الداخل بالذات) إلى الحكومة.

هذه هي “الجائزة” الموعودة للشعب المعذب المكافح، الذي دفع ما لا يطيق بشر على تحمّله في سبيل حريته وكرامته، بحيث يبقى كل شيء على حاله، ويواصل الحكم إجراء “انتخابات” بالطريقة التي تجري بها منذ 42 عاما والتي تضمن عزل الشعب عزلاً كليا عن تقرير مصيره وعن المشاركة في صنع القرار السياسي. من الغريب خلال ذلك أن ينبري الأخضر الابراهيمي لتأييد فكرة مشاركة إيران في هذه الظروف التي تخالف فيها طهران الهدف من عقد المؤتمر.

الإبراهيمي في الأساس ممثل للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، الذي أرفق نص وثيقة جنيف بكتب الدعوة إلى الدول المدعوة. كيف للإبراهيمي أن يقفز عن ذلك، ويخالف هدف عقد المؤتمر بتأييده مشاركة طهران الرافضة للوثيقة، وهو يعرف أن الهدف ليس تجميع أكبر عدد من دول الإقليم ودول العالم، بل بلوغ هدف سياسي متفق عليه سابقا. وإذا كان الرجل يتصور أن وجود طهران صاحبة الكلمة المسموعة في دمشق، يمنح أملاَ في ضغط يمارسه الصديق الإيراني على الصديق السوري، فواقع الحال يفيد أنها دعمت على مدى 34 شهراً وبكل ما تملك يمينها النزعة الدموية المفرطة للنظام في دمشق، وأنها باركت حرب هذا النظام على شعبه منذ 15 مارس 2011 حتى أيام الناس هذه، وأنها أردفت ذلك بتقديم خدمات وخبرات عسكرية من الحرس الثوري، ثم شجعت توافد تنظيمات عراقية ذات لون طائفي إلى سوريا، ودفعت بحزب الله لاستباحتها وخوض حرب على السوريين.

على الأطراف العربية المدعوة (مصر وقطر والسعودية والإمارات والأردن) وفي غمار التحضيرات الأخيرة الجارية لعقد المؤتمر أن تدعو طهران لتأييد وثيقة جنيف، كضمانة للمشاركة وعدم التعلل بالحضور بغير شروط مسبقة.

واقع الأمر أن طهران هي التي تضع شرطاً مسبقاً على فكرة مشاركتها في المؤتمر بالإصرار على رفض الوثيقة، وعلى تجنيب النظام في دمشق تقديم أي “تنازل” لشعبه، وهو ما يسهم في تعميق الأزمة، وتكبيد السوريين المزيد من الخسائر والأضرار وإلقاء أعباءٍ على دول الجوار. مع ملاحظة أن لبنان بين الدول العربية المدعوة للمشاركة، لكن من المعلوم أن رئيس دبلوماسيتها الوزير عدنان منصور يتبنى على الدوام- حيال الأزمة السورية- مواقف طهران ودمشق، وخلافاً لموقف الدولة اللبنانية نفسها (رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة) وهذه إحدى أعاجيب الحياة السياسية في بلاد الأرز.

إن فرص نجاح المؤتمر ليست كبيرة، وتكفي الإشارة إلى مواقف روسيا الابتزازية التي يعبر عنها الوزير سيرجي لافروف، الذي لا يبالي بمحنة ملايين السوريين، وبتهديم المدن السورية الرئيسية بأسلحة روسية، والتي تشكل عائقا كبيرا أمام فرص توجيه ضغوط على النظام في دمشق، وإذ تحرص موسكو على مشاركة طهران، فالغرض هو تشكيل قوة ضغط روسية إيرانية و”لبنانية” داخل المؤتمر من أجل إفشاله، أو دفعه للخروج بقرارات باهتة تطيل عمر الأزمة، وتصرف أنظار المجتمع الدولي عن متابعة الوضع السوري. ألم تفعل الأمم المتحدة شيئا من ذلك حين توقفت قبل نهاية العام الماضي، عن إحصاء أعداد الشهداء والضحايا السوريين؟


كاتب أردني

9