طهران في مواجهة المعارضة: إرهاب نفسي وإعلامي ضد من يفضح النظام

فقد النظام الإيراني صوابه من النجاح الذي حققته المقاومة الإيرانية في حشدها المكثف لأكثر من مئة ألف مشارك في مؤتمرها السنوي الذي عقد بباريس في التاسع من شهر يوليو الحالي، بحضور مميز كمّا ونوعا من المدعويين وأبناء الجالية الإيرانية في سائر أنحاء العالم. فما كان منه غير اللجوء لنفس أساليبه المكشوفة في التزوير والفبركة وقلب الحقائق رأسا على عقب لتشويه هذا الحدث، حتى انقلبت الآية على رأسه فحقق من الفشل والسخرية أضعاف ما حققته المقاومة من نجاح.
السبت 2016/07/30
أصوات تزعج نظام طهران

يخطئ من يظنّ أن عمليات القتل والتعذيب الجسدي التي يمارسها النظام الإيراني ضد شعبه هي وحدها التي تميّز مسلسل ممارساته، ذلك لأن من يدقّق في مجمل هذه الممارسات سيتأكد أن أساليب الحرب النفسية التي يعتمدها، كعمليات التشويه والتشكيك وفبركة الاتهامات وبثّ الإشاعات لا تقلّ شراسة عن أساليبه الإجرامية الأخرى. والأنكى من ذلك، أنه يوفرّ لها فتاوى وتغطيات فقهية.

طبعا تتعدّد الأمثلة على هذه النماذج من الحرب التي مورست ضد المعارضة الإيرانية، ومجاهدي خلق على وجه الخصوص، منها ما حصل في يوم عاشوراء من العام 1994، الذي صادف وقتها ذكرى انطلاقة المقاومة ضد النظام الإيراني الديني في العام 1981، عند ما تمّ تفجير ضريح الإمام الرضا في مدينة مشهد.

لم يمض على تلك العملية الإرهابية سوى ساعة واحدة حتى سارع خامنئي شخصيا إلى الإعلان أن «هذه عملية المنافقين»؛ ثم قامت أجهزة النظام بجلب عدد من الأشخاص إلى مبنى التلفزيون لكي يشهدوا على صحّة الاتهام. وهكذا استهدفوا من وراء تنفيذ العملية الإرهابية ضرب عصفورين بحجر واحد: الإساءة للمقاومة ومحاولة تشويه صورتها من جهة، وزرع الشقاق بين السنّة والشيعة من جهة أخرى.

من النماذج الأخرى التي سعت إلى تحقيق نفس هذا الهدف، ما حصل في نفس العام 1994 حين أُعلن عن مقتل ثلاثة من القساوسة الإيرانيين، وقد وُجدت رؤوسهم في أحد الأديرة. وسرعان ما وُجهت أصابع الاتهام إلى المعارضة الإيرانية بارتكاب الجريمة، وجاؤوا بسيدة إلى التلفزيون تُدعى فرح ناز أنامي للشهادة بأنها هي التي قامت بتنفيذها نزولا عند أوامر المنظمة، وقد نشر مضمون ما قالته في العديد من الصحف، وأذكر أنه نُشر في صحيفة الحياة اللندنية.

لكن ثمة مفاجأة حصلت بعد ذلك بسنتين كشفت عن الحقيقة، وقد أتت على لسان أحد أطراف الصراع الداخلي بين أجنحة السلطة حيث قال “المخابرات الإيرانية هي التي قامت بالتخلّص من رجال الدين الثلاثة، لأنهم كانوا مرتدّين عن الإسلام ومن الأقلية الدينية”.

أعداد العملاء بالأسماء والأرقام

علينا ألا ننسى هنا كيف تمّ تركيز النظام في طهران على الأهمية القصوى للحرب النفسية بعد حرب الكويت تحديدا، وكيف قامت وزارة المخابرات «اطلاعات» بتجنيد كافة إمكانياتها في هذا السياق. وقد جاء في تقرير للبنتاغون أن الموقع الإلكتروني المسمّى «إيران ديدبان» هو الذي يقوم بمهة ترويج ما يريد النظام تعميمه من ادعاءات وفبركات بثلاث لغات، إلى جانب العديد من المواقع الأخرى المشابهة التي تعمل تحت إشراف المخابرات الإيرانية.

إلى جانب الحرب النفسية، قال ذات التقرير إن هناك فرقا تتخصّص في تنفيذ عمليات الاغتيال والتفجيرات الإرهابية، فضلا عن الحرب الإلكترونية. وتقوم بتنفيذ هذه العمليات جماعات إسلامية تابعة للنظام، نُشر الكثير عن نشاطاتها. من ذلك ما كشفه تقرير للبنتاغون حول «امتلاك» إيران لأكثر من 30 ألف عنصر مخابراتي في سائر أنحاء العالم، ومن بينهم أعضاء البعثات الدبلوماسية ومنظمات حقوقية وإنسانية، وصحافيون ورجال أعمال… إلخ.

الباحث الكندي جون تامبسون قال إن (السفارة الإيرانية في بلاده طلبت منه نشر تقرير ضد مجاهدي خلق لقاء حصوله على ثمانين ألف دولار)

وبالعودة إلى ما أعلنته المعارضة في هذا الصدد، يطالعنا قولها إن الرقم الحقيقي لهؤلاء العملاء أكبر بكثير مما كشفه البنتاغون، ومما تضمّنته قائمتها أنه من بين هؤلاء العملاء 32 ألفا عراقيا، ومعظمهم من الذين كانوا يقيمون في إيران قبل احتلال العراق وتمّ تنظيمهم يومها كمعارضة. ولما عادوا إليه بعد ذلك بقوا يتلقّون رواتبهم من طهران لقاء ممارسة عملهم المخابراتي.

لكن حركة مجاهدي خلق تؤكّد أن الرقم الحقيقي لهؤلاء العملاء أكبر بكثير مما كشفه البنتاغون، الأمر الذي فتح باب التساؤل حول الكيفية التي تُصرف بها رواتب عناصر المخابرات المتواجدين في الخارج، فضلا عن نفقات نشاطاتهم، وهل هناك إمكانات مالية ضخمة مرصودة في الخارج لهذه المهمات. وقد أدى هذا الجانب الجوهري والأساسي حول قضية العملاء والجواسيس إلى تسليط الضوء على جانب آخر يتعلق باكتشاف وجود ما يعادل 95 مليار دولار يمتلكها مرشد الثورة خامنئي في البنوك الأجنبية.

إذا ما توقّفنا أمام ما يمكن استنتاجه مما سبق، وما تعنيه أعداد عملاء النظام داخل العراق، وأخذنا بعين الاعتبار إمكانية قيام كل واحد منهم بتنظيم ثلاثة من المواطنين العراقيين في ظل الضائقة المالية التي يعيشونها، فإننا سنرى أنه قد أصبح عدد هؤلاء العملاء يفوق المئة ألف في العراق وحده.

وإذا أضفنا إليهم عملاء المخابرات الأميركية والإسرائيلية وغيرهما الكثير ممن لا تتوفّر لدينا قائمة مشابهة بأسمائهم أو أعدادهم الدقيقة، فستصبح أمامنا قائمة لا تُعدّ ولا تُحصى بدقّة، فضلا عن أعداد الجواسيس الرسميين.

وهنا يتوجّب التساؤل: ماذا تبقّى من سيادة العراق التي تلاشت نهائيا أمام أعين العالم؟ وبماذا يُفسّر استمرار صمت الأميركان الفاضح على مسلسل الجرائم التي يرتكبها حكام طهران بحق الإنسان في كل من العراق وسوريا، غير أنهم لا يريدون الديمقراطية الحقيقية ولا الحرية للشعوب. ولهذا فضّلوا التناغم مع نظام إيران بدل الاهتمام بقضية ما يواجهه الشعب الإيراني ومقاومته من جرائم وحرب إبادة على أيديه.

واستمرارا لتركيزها على الحرب النفسية، استغلت إيران هذا النهج بعد جريمة 11 سبتمبر، وحديث العالم ولا سيما الغرب عن الإرهاب، فكان أول ما أقدمت عليه تلفيق تهمة إخفاء حركة مجاهدي خلق أسلحة الدمار الشامل العراقية في معسكراتها، بهدف تحريض الولايات المتحدة على ضربها. والعمل على إدراج منظمتها في قائمة الإرهاب الأوروبية. وهذا ما حصل في شهر مايو من العام 2002.

شيطنة الخصوم عبر قلب الحقائق وتلفيق التهم لـ"المزعجين"

وفي تأكيد منها على موضوع إخفاء أسلحة الدمار ادعى نوروز رضواني، الذي يوصف بأنه عميل للمخابرات يقيم في ألمانيا، أن العراق قد أخفى أسلحته الجرثومية والكيميائية وكذلك الذريّة في كهوف تحت أرض خمسة معسكرات للمعارضة وأقام عليها حراسة مشدّدة. أما الأكثر غرابة على هامش هذا الادعاء فهو تبنّي ممثلة «منظمة حقوق الإنسان» كل ادعاءاته والإعراب عن حرصها الشديد على متابعتها، غير أن العراق لم يسمح لها بذلك.

وذهب النظام إلى ما هو أسوأ، فعمد إلى إقامة مؤسسات ومنشآت ومشاريع متعدّدة، تبدو في ظاهرها مؤسسات ثقافية وإعلامية وحتى مهنية، إلا أن تخصصها الحقيقي والأساس كان القيام بأعمال التجسّس تحت هذا الغطاء. وسمح لهذه المؤسسات بنشر بعض الانتقادات والأخبار غير التي تنتقد النظام الإيراني للتغطية على مهماته المستترة.

إلى جانب هذه الفعاليات يمكن القول إن عملية إلصاق الاتهامات بالمعارضة تجاوزت كل الحدود إثر سقوط النظام العراقي، ووصلت إلى حد ترويج صحيفة “خراسان” أن منظمة «المنافقين» تقوم بتلقّي تدريبات عسكرية في محافظة ديالى، يشرف عليها خبراء من الولايات المتحدة كي تقوم بعمليات عسكرية وتجسّسية داخل إيران دون الانتباه إلى أنه إذا كان مجاهدو خلق كذلك فلماذا تصمت الولايات المتحدة، ولا تحرّك ساكنا أمام عمليات تقتيلهم بالجملة بين حين وآخر.

هذا السؤال المنطقي لم يعره نظام طهران اهتماما بل على العكس واصل ألاعيبه بكل إصرار، فبعد شطب اسم مجاهدي خلق من قائمة الإرهاب البريطانية والأوروبية، خشي هذا النظام أن يؤدي ذلك إلى شطبهم من القائمة الأميركية أيضا، فعمل قصارى جهده ليثبت للأميركان أنهم مازالوا يمارسون الإرهاب. وهكذا قام بتلفيق خبر “سري” يدّعي فيه أن المجاهدين يقومون بتدريب النساء في معسكر أشرف لأجل القيام بعمليات انتحارية في مدينة كربلاء. وعمد إلى تمريره إلى أجهزة الأمن العراقية أولا، باعتبارها صديقة للأميركان، كي تعمل بدورها على إيصاله إليهم. وهذا ما حصل بالفعل حيث تم تحويله بعد ذلك كخبر وارد من تابع موثوق إلى المحكمة التي كانت تنظر في دعوى أقامها المجاهدون لشطبهم من قائمة الإرهاب. وهكذا تم اعتماد هذا الخبر كأحدث “دليل” على استمرار ممارستهم للإرهاب، ولم يتم شطبهم وقتها من القائمة.

وعلى نفس نهج التلفيق قام النظام في العام 1993 بتزوير أحد أعداد صحيفة المجاهد، وهو ما جرى كشفه خلال لقاء تمّ بين المسؤولين الأردنيين ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، عندما قدّموا له نسخة من الصحيفة كانت قد وصلتهم من قبل السلطات الإيرانية تتضمّن مواضيع ضد الحكومة الأردنية. وعند مقارنة هذه النسخة مع النسخة الأصلية لنفس العدد تبيّن أن كل المواد موجودة فعلا في النسختين، باستثناء موضوع واحد وهو المتعلّق بالأردن الذي جرى إنزاله في النسخة المزوّرة بدل موضوع آخر، مع إبقاء موادها الأصلية كاملة كما هي، في محاولة منه لتأليب الأردن ضدّ المعارضة الإيرانية.

رشاوى لمن يقبل ترويج ما يريدون

من الأردن إلى كندا، لم يتوقف الأمر عند حدّ التزوير المفضوح، بل وصل إلى حدّ دفع مبالغ كبيرة لنشر مواضيع يودّ تعميمها. وهذا ما كشف عنه الباحث الكندي جون تامبسون في يوليو 2010 بقوله إن “السفارة الإيرانية في بلاده طلبت منه نشر تقرير ضد مجاهدي خلق لقاء حصوله على ثمانين ألف دولار”، إلّا أنه رفض هذا العرض وأكّد في تصريح له إلى صحيفة «تورنتو» أن إيران تستهدف وصف المجاهدين كمنظمة إرهابية.

ورد في تقرير للبنتاغون أن الموقع الإلكتروني «إيران ديدبان» هو الذي يقوم بمهة ترويج ما يريد النظام تعميمه من ادعاءات وفبركات بثلاث لغات

لم يتوقف الأمر عند هذه الحدود، بل وصل إلى محاولة إلصاق تهم القتل الجماعي والفردي بالمعارضة، لعل أبرزها اتهامها بمحاولة اغتيال السفير السعودي في الولايات المتحدة، وهو ما اضطر المسؤولين في الإدارة الأميركية إلى نفي هذا الاتهام، والإعلان عن أن العميل الضالع في هذه المحاولة يدعى غلام شكوري وهو ضابط في فيلق القدس، التابع للحرس الثوري في إيران.

لم تكتف سلطات النظام الإيراني بممارسة أغرب وأبشع صنوف الحرب النفسية ضد أبناء شعبها، بل وصلت إلى حدّ منع وصول الحقائق إليهم من الخارج بأسلوب لم تجرؤ على اتباعه أي دولة أخرى في العالم؛ حيث قامت بمصادرة الأطباق اللاقطة للفضائيات من بيوتهم وتحطيمها وسط الشوارع العامة باستخدام المدرعات والدبابات وعلى مرأى من أعين الناس.

وكانت آخر “إنجازاتها” المعلنة رسميا على هذا الصعيد، قيامها يوم الأحد 24 يوليو الجاري بتدمير مئة ألف طبق لاقط للبث التلفزيوني بنفس الطريقة في غرب طهران.

بالعودة إلى محاولات النظام إلصاق التهم بالآخرين نستذكر حيثيات مجزرة حلبجة، كإحدى القضايا المثيرة للجدل، وما اكتنفها من تبادل الاتهامات مع العراق، وكيف تلاعب طهران للتخلص من ثبوت التهمة عليها بفعل الأدلة العديدة التي أوردها العراق، منها استخدام غاز السيانيد الذي لا تملكه دولة في الشرق الأوسط إلا إيران. وهذا ما تحدثت عنه حتى بعض وسائل الإعلام الأميركية بالأدلة المؤيدة لهذا الاتهام.

إزاء وقوف العالم أمام هذه الحقيقة، فاجأنا حكام إيران بميلهم نحو رمي الكرة باتجاه طرف ثالث لأجل تبرئة أنفسهم، عن طريق محاولة إقناع لجنة الدفاع عن الرئيس العراقي السابق صدام حسين أثناء محاكمته بأن هذه المجزرة ليست من فعلهم ولا من فعل العراق أيضا، وإنما من فعل مجاهدي خلق.

وهذا ما كشفه لاحقا أحد أعضاء هذه اللجنة وهو المحامي إيمانويل لودوو، في مقابلة له مع قناة «آر تي» الفرنسية بتاريخ 27 سبتمبر 2005 بقوله نصا « لقد دعيتُ من قبل السفير الإيراني إلى دار السفارة وقال لي دعنا نتفق على هذا الموضوع: نحن سنقول إن صدام لم يقصف الأكراد كيماويا، وأنتم تؤكدون أن الإيرانيين لم يقصفوهم أيضا. ولدينا وثيقة نريد أن نزوّدكم بها تُثبت أن مجاهدي خلق هم الذين فعلوها. وهكذا سوف نتفق على مذنب مشترك واحد… وبهذا نكون قد حافظنا على ماء وجه الطرفين (العراق وإيران)، فما رأيكم؟»

ومن كل ما سبق يمكن أن نتساءل، هل ثمة نظام في العالم، ماضيا وحاضرا، يسخّر، إلى جانب مختلف مؤسساته الرسمية القائمة، كل هذه الطاقات والإمكانات الهائلة لضرب المعارضين إذا لم تكن جدية المعارضة تزعجه؟

رئيس وزراء الجزائر الأسبق

6