طهران لا تشبه المدن الكبرى في العالم إلا في صعوبة إيجاد مسكن

احتفال الإيرانيين بالاتفاق النووي المبرم بين بلادهم والدول الغربية، الذي عكس أملهم في أن تتحسن أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية على خلفية الأزمة الخانقة التي تردى فيها الاقتصاد الإيراني مند عقود، تلاشى بعد أن تبين لهم أن الاتفاق النووي والوعود التي صاحبته، لم تنعكس على حياتهم اليومية، بل إن التردي ازداد تفاقما وظلت المشاكل المزمنة قائمة ولم تشهد تحسنا يذكر. أزمة السكن في طهران من المشاكل العويصة التي ازدادت ترديا مع نقص العرض وارتفاع أسعار العقارات المخصصة للإيجار.
الأربعاء 2015/11/25
الأثرياء فقط هم من ينعمون بالرفاهية في أحياء شمال طهران

طهران - الحصول على شقة للإيجار في العاصمة الإيرانية، طهران، هو أحد أكبر الصعوبات التي تواجه المواطن الإيراني. صعوبة تنبع من تضافر عوامل عديدة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعمرانية وغيرها. وهو ما يجعل أزمة السكن والإيجار في إيران ذات خصوصيات مختلفة عن غيرها من الأقطار.

فعملية إيجار شقة في مدينة طهران، تتطلب دفع مقابل للكراء بشكل شهري إلى جانب دفع مبلغ للتأمين وهذه ميزة إيرانية. ويفضل بعض أصحاب العقارات الحصول على معظم مبلغ الإيجار بشكل مسبق. وفي العاصمة طهران، يدفع المؤجر 1 مليون تومان كتأمين شهري مقابل كل 30 ألف تومان كإيجار شهري، ولا يمكن البتة الحديث عن تأجير من دون ضمان.

ويعد تأجير شقة قديمة لا تزيد مساحتها عن 55 مترا مربعا في طهران أمرا صعب المنال، والراغب في اكتراء شقة يجد نفسه أمام عملية بحث شاقة عن سكن في حي مقبول خاصة في العاصمة طهران حيث يسود الاعتقاد بأن هناك اختلافات جوهرية بين أولئك الذين يعيشون في الشمال والآخرين الموجودين في الجنوب.

ويرى العديد أن هذا التصور يرجع لأسباب تاريخية. فعندما تم تحديث إيران في أوائل منتصف القرن العشرين تحت حكم شاه إيران محمد رضا بهلوي، انتقلت الطبقات الأرستقراطية الثرية إلى العيش في الأجزاء الشمالية من المدينة، في حين بقيت الطبقات الفقيرة والعاملة في جنوب طهران.

ويمثل شارع فلييسر، أطول شوارع المدينة إذ يمتد من شمالها إلى جنوبها لذلك هو النقطة الأكثر شيوعا للدلالة على الأماكن التي يقطنها السكان الجدد في طهران. وعندما يطرح السؤال حول النظرة إلى بعض الأماكن يُحجم كثيرون عن الإجابة حيث يمكن أن تكون لها آثار سلبية بين الأصدقاء والأحباء. أما أبناء طهران فيمتنعون عن تقديم إجابة صحيحة على هذا السؤال، خاصة إذا كان يهم الغرباء المقيمين في أطراف المدينة، التي تنمو على نطاق واسع اعتمادا على طرق التوطين في أقصى الشمال. وهذا السؤال لا يعد من غير المألوف، حيث يستخدمه الناس كمعيار للحكم على الآخرين، ويعتمدونه كمؤشر على كيفية المعاملة.

أزمة السكن في إيران قضية مزمنة تنبع من تضافر عوامل عديدة، تؤدي جميعها إلى طبيعة النظام الإيراني المنغلق

وبعد التوصل إلى اتفاق بين إيران والغرب حول البرنامج النووي الإيراني استبشر الإيرانيون وأملوا أن تفرج أزماتهم الاقتصادية والاجتماعية وخرج أبناء طهران إلى الشوارع للاحتفال لكن هذا الانفراج المنتظر لم يكن كما توقعوه ولم يؤثر على سوق السكن، بل إن أسعار الإيجار في طهران ما فتئت ترتفع خاصة في الشمال رغم أن أبناء العاصمة يشتركون في القناعة بأن المسكن هو كل شيء، لذلك يخصص أغلبهم الجزء الأكبر من دخلهم الشهري للإيجار خاصة إذا كان المسكن عصريا.

وهناك مناطق معينة في العاصمة تحظى بإقبال المكترين مثل شوارع الملا صدرا، وغاندي، وفوزارا، وميرزا يي- شيرازي، وكريم خان، والأرجنتين، أو في مكان ما بالقرب من منطلق شارع أفريقيا.

وإجمالا، هناك ثلاث إيجابيات للعيش في هذه الشوارع؛ أولها، سهولة الوصول إلى المناطق الأخرى في طهران، وإلى الميادين الرئيسية، وإلى محطة موقف للحافلة السريعة والمترو. وثانيها، أن هذه الشوارع رغم أنها لا تحظى بهيبة مثل شوارع ميرداماد والأردن، إلا أنها ما تزال تعتبر مناطق محترمة وفي الغالب يقطنها المتعلمون، والطبقة الوسطى. وثالثها، أن الإيجار فيها أقل بكثير مما هو عليه في بعض المناطق المتاخمة.

ويعد قسم الإعلانات المبوبة من “همشهري”، وهي الصحيفة الحكومية الأكثر تداولا في البلاد، أهم مصدر للمعلومات حول المنازل المتاحة في طهران حيث توجد قوائم الشقق المصنفة حسب الحجم: فنجد فئة الـ50 مترا مربعا، والفئة من 50 إلى 70 مترا مربعا، والفئة لأكثر من 70 مترا مربعا، تليها فئة أكثر من 90 مترا مربعا، وأكثر من 100 متر مربع. والملاحظ أن الفئة المتوسطة والمطلوبة أكثر بين 50 و70 مترا مربعا غير متوفرة بكثرة كما أن معظم قائمات الإعلانات توجد في أماكن بعيدة إلى الغرب، مثل جنات آباد، أو بعيدة جدا في الجنوب، مثل بيروزي.

أسعار الإيجار ما فتئت ترتفع خاصة في الشمال رغم أن أبناء العاصمة يشتركون في القناعة بأن المسكن هو كل شيء

كما لا تنشر العديد من إعلانات الأسعار ويتجه معظم الأشخاص للاستفسار عن السعر للاتصال بوكالات التأجير ولا يتصلون مباشرة بمالكي العقارات الذين ينشرون إعلاناتهم على صفحات همشهري أملا في تأجيرها بشكل أسرع رغم أنهم لا يسارعون في الإجابة على العديد من الأسئلة الأساسية عبر الهاتف مثل عمر المبنى، والطابق الذي توجد فيه، والشقة، والمصاعد ومواقف السيارات، ومساحة التخزين بل يطلبون من المتصل الاتجاه مباشرة للعنوان لمعاينة المسكن المعلن عليه.

ويعتبر مأوى السيارات من بين الشروط الهامة لاختيار مكان السكن والإيجار خاصة في طهران حيث لا تجد حوالي 3.5 مليون سيارة مأوى لها. ورغم أن الناس يركنون سياراتهم الآن في أضيق شوارع طهران، فإن العديد من الشوارع الأخرى حولتها البلدية إلى مناطق حرة أو مدفوعة الأجر لوقوف السيارات، وبالتالي يصعب على المرء أن يجد مكانا ليركن فيه سيارته.

وفي حال الوصول إلى الشقة المطلوبة للإيجار بعد رحلة طويلة من البحث المضني، تأتي المرحلة النهائية وهي التوقيع على العقد في إحدى وكالات التأجير، ومن أجل وضع اللمسات الأخيرة على العقد، يجد المكتري نفسه مطالبا بدفع مبالغ طائلة منها إمضاء اثني عشر صكا، واحد عن كل شهر من السنة، ودفع ما يعادل مبلغ إيجار الشهر الأول كعمولة لوكيل الإيجار بالإضافة إلى إيداع مبلغ الضمان في حساب صاحب الوكالة.

أزمة السكن في إيران قضية مزمنة لا تتصل فقط بالمعطى الاقتصادي بل تنبع من تضافر عوامل عديدة، تؤدي جميعها إلى طبيعة النظام الإيراني المنغلق الذي لا يسمح بخلق ديناميكية اقتصادية ومرونة سياسية تنعكس على أوضاع المجتمع والبلاد، لذلك فإن فكرة عدم انعكاس الاتفاق النووي على الأوضاع المعيشية والاجتماعية هي فكرة تكتسب وجاهة كبرى، والدليل أن المشاكل القائمة ازدادت تفاقما فضلا عن غياب إرادة لحلها أو التعاطي معها.

12