طهران ملتزمة بالاتفاق النووي.. ولكن!

تحتاج دول الشرق الأوسط والقوى الدولية الراغبة في إعادة ترتيب أوراق المنطقة في مرحلة ما بعد الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، إلى تركيز جهودها لتطوير إستراتيجية مضادة ومتعددة الأوجه تستطيع من خلالها أن تستهدف مختلف مصادر الفوضى ومسبباتها في المنطقة، والتي تأتي على رأسها إيران والجماعات المسلحة التي تدعمها. وينبه الخبراء عند هذه النقطة إلى أن لا مجال للفصل بين ميليشيات مسلحة مثل جماعة الحوثيين في اليمن وبين إيران التي تقوم إستراتيجيتها على الدفع بجماعات الضغط التي تدعمها للواجهة، فمثلا إذا ضرب الحوثيون هدفا أميركيا أو استهدفت صواريخهم حليفا لواشنطن، فإن الإيرانيين واثقون من أن الحوثيين هم من سيدفعون الثمن وليست طهران، وبالتالي سيبقى نفس التهديد والخطر، لأنه لم يتم اقتلاع التهديد من جذوره.
الأربعاء 2017/12/13
صورة لم ترها عين الأمم المتحدة

لندن – أقر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في تقرير إلى مجلس الأمن الدولي بأن “إيران تحترم الاتفاق الدولي الذي أبرمته في 2015 حول برنامجها النووي”، لكن ومن خلال استقراء النبرات الدولية المتصاعدة تجاه إيران يتبيّن أن هذا الإقرار لا يعني أن الوضع مطمئن بالنسبة إلى الإيرانيين.

لم يعد الاتفاق النووي ومدى احترامه مقياسا رئيسيا في تقييم سلوك إيران وسياستها الخارجية، سواء في الشرق الأوسط أو في أماكن أخرى من العالم حيث تبين أنها متورطة في أعمال إرهابية أو في دعم جماعات مثيرة للفوضى.

ويؤكد خبراء أن الحديث الأممي عن احترام إيران للاتفاق تقابله قضايا كثيرة تلاحق طهران واتهامات ثبت فيها تورطها في تهديد الأمن والسلم الدوليين، ما يعني خرقا غير مباشر لبنود الاتفاق، وتعريض مجتمعات ودول إلى خطر الفوضى من خلال إثارة الانقسامات الداخلية واستغلال ذلك لصالح أجندة إيرانية.

أشد من الصواريخ

تملك إيران أحد أكبر برامج الصواريخ في الشرق الأوسط، لكن الخبراء يؤكدون أن الخطر الأكبر هو في الصواريخ الأخرى، أي في ميليشياتها وأذرعها وخلاياها، والتي يتم تمويلها من خلال الصفقات الموقعة مع إيران بعد الاتفاق النووي وأموال العقوبات المرفوعة.

وفيما الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية تضع أوزارها، تطرح اليوم قضية الميليشيات الشيعية التي قاتلت في العراق وسوريا تحت راية إيران السياسية والطائفية وأي دور ستلعبه بعد انتفاء سبب تواجدها.

لدى النظام الإيراني نقاط ضعف أساسية يجب أن تستخدمها الإستراتيجية المضادة لا سيما في منطقة الشرق الأوسط

ويشير الباحث في معهد هوفر، صموئيل تادروس، إلى أنه مع اضطراب الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، تمكنت إيران من استغلال مجتمعات الأقليات وخلقت نسخا مماثلة من حزب الله. وتأتي قضية مقتل الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، على يد الحوثيين، كأحدث دليل على ذلك.

وكان كبار المشرعين بالحزب الجمهوري الأميركي شددوا على ضرورة فرض عقوبات على إيران على إثر دورها في نشر الفوضى والصراعات في اليمن وفي عموم الشرق الأوسط.

يأتي ذلك بالتزامن مع تشريع يعمل على مراجعته مجلس الشيوخ للقضاء على تمويل أميركا للإرهاب، حيث قدم كل من إيلينا روس وايد بو، وهما عضوان رفيعا المستوى بلجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ، وفقا لما ذكره موقع ذي هيل الأميركي، مشروع قانون لتطبيق العقوبات على إيران بسبب دعمها للحوثيين ولغيرهم من الميليشيات المسلحة بالمال والخبرات وبرامج تطوير السلاح المحلي وتصنيعه.

ويأتي مشروع القرار الأميركي متسقا مع تصريحات مسؤولين أوروبيين أكدوا على أن لا مجال لسياسة إيران الابتزازية وأن الاتفاق النووي ورغبة مجموعة 5+1 في الحفاظ عليه لا يعني السكوت على المزيد من التهديدات للسلم والأمن الدوليين.

وكانت إيران ردت دعوة باريس إلى إجراء حوار “حازم” بشأن برنامجها للصواريخ الباليستية وبشكل منفصل عن الاتفاق النووي بأن هددت باستهداف أوروبا بالصواريخ.

ونقلت وسائل الإعلام الإيرانية عن نائب قائد الحرس الثوري الإيراني حسين سلامي قوله “حتى الآن نشعر بأن أوروبا لا تمثل تهديدا ولذلك لم نزد مدى صواريخنا، ولكن إذا كانت أوروبا تريد أن تتحول إلى تهديد فسنزيد مدى صواريخنا”.

تهديد عابر للقارات

بالتزامن مع القلق من إرهاب إيران الصاعد عبر الميليشيات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط، تطفو على السطح ملفات قضايا إرهاب قديمة، لكن لم يتم إقفالها، منها قضية تفجيرات الأرجنتين 1994 التي صعدت على سطح الاهتمام مؤخرا وقد أخذت أبعادا جديدة بعد اتهام رئيسة البلاد السابقة كريستينا فرنانديز دي كيرشنر بالتغطية على دور إيران في أحد أكثر الهجمات الإرهابية دموية في الأميركتين قبل هجوم 11 سبتمبر.

الحوثيون يضيقون الخناق على سكان صنعاء
صمت أممي تجاه جرائم الحوثيين
صنعاء – استنكرت الحكومة اليمنية الشرعية ما وصفته بـ”الصمت المريب” لمنسق الشؤون الإنسانية في اليمن جيمي ماكغولدريك، حول ما تقوم به الميليشيا الانقلابية (الحوثيون) من أعمال وممارسات لاإنسانية تجاه السكان في المحافظات المسيطرة عليها.

ونقلت وكالة الأنباء الرسمية “سبأ” عن عبدالرقيب فتح، وزير الإدارة المحلية رئيس اللجنة العليا للإغاثة قوله إن “الممارسات اللاإنسانية التي تقوم بها ميليشيات الحوثي تجاه السكان ومنعها لإيصال المساعدات الإنسانية وتهديدها للعاملين في المنظمات الإغاثية الدولية اضطرت تلك المنظمات لسحب ممثليها ومغادرتهم اليمن”.

واستنكر فتح عدم إصدار الممثل الأممي أي بيانات إدانة لتلك التصرفات. وطالبه “بإلزام كافة المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني بالتواجد في المناطق التي تقوم فيها الميليشيات الانقلابية بمعارك ظالمة وعبثية بحق أبناء الشعب اليمني، وممارسة الضغوط على الميليشيا المسلحة بإتاحة الوصول الآمن للمتطلبات الإغاثية المختلفة وعدم إعاقتها وفقا لما حددته اتفاقية جنيف الرابعة وملحقاتها”.

وأكد فتح أن استخدام مصطلح “أطراف النزاع” في البيان الأممي للسماح بمرور المساعدات الإنسانية مرفوض وغير مقبول، مشيرا إلى أن “القيادة السياسية والحكومة اليمنية حريصتان على الوصول الإنساني السريع للمحتاجين في كافة المحافظات وتعملان بالتنسيق مع المانحين لتكثيف الجهود الإغاثية”. ولفت إلى أن “بقاء الموانئ بيد الميليشيات يشكل تهديدا حقيقيا للأمن والسلم الدوليين”.

ودعا وزير الإدارة المحلية الممثل المقيم للأمم المتحدة في اليمن إلى تحمل مسؤولياته الإنسانية وإدانة تلك التصرفات غير المتسقة مع القانون والأعراف الدولية المنظمة لعمل الأمم المتحدة.

ورصد مارك دوبويتز، رئيس مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات والخبير في العقوبات ضد إيران وتوبي دوشويتز، نائبة رئيس مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، في مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز، مؤخرا، حيثيات القضية التي فجرها مجددا اتهام قاض للرئيسة السابقة وعضو مجلس الشيوخ كريستينا دي كيرشنر بـ’خيانة الوطن’، وذلك من خلال التغطية على دور إيران وحزب الله في الهجوم الأكثر دموية في تاريخ الأرجنتين والذي أسفر عن 85 قتيلا و300 مصاب.

ومنذ 2004 وحتى 2015، سعى المدعي العام السابق ألبيرتو نيسمان، الذي عثر عليه ميتا داخل شقته في ملابسات غامضة، لكشف الحقيقة وراء الهجوم ليجد خلال تحقيقه أن الاعتداء كان عملية خططت لها إيران، ما قاده إلى قرار بأن كيرشنر كانت وراء تستر يهدف إلى تبرئة إيران من الجريمة.

وكانت الأرجنتين تواجه آنذاك أزمات اقتصادية جمة، ويبدو أن الفوائد المالية من توطيد العلاقة مع إيران قد تكون أغرت الرئيسة الأرجنتينية، كما أن حكومتها كانت لديها علاقات شعبوية مع إيران وتكتل الدول البوليفاري الذي تقوده فنزويلا، لكن أيا كان السبب لم يتم اتهام كيرشنر رسميا على الإطلاق حتى قبل الخميس الماضي.

وقدم القاضي الفيدرالي كلاوديو بوناديو لائحة اتهامات مؤلفة من 491 صفحة ضد كيرشنر ووزير خارجيتها هيكتور تيمرمان ورئيس المخابرات ومستشارها القانوني، واثنين من الناشطين المؤيدين لإيران و10 آخرين.

وتمسّك بوناديو، وفق ما نقله دوبويتز ودوشويتز، باتهام كيرشنر بالتغطية على دور زعماء إيرانيين وحزب الله مقابل عقد اتفاق تجاري مع طهران، وسط تأكيدات بوجود تسجيل بين رئيسة الأرجنتين السابقة ووزير خارجيتها هيكتور تيمرمان يعترف فيه بمسؤولية إيران في التفجير الذي هز الأرجنتين والعالم.

وكان المدعي العام السابق نيسمان وفريقه خلصا بعد تحقيق مطول إلى أن مسؤولين سابقين في إيران وحزب الله خططوا للهجوم الإرهابي، وتمكنا من التأكيد بشكل قاطع أن الخطة كانت تتضمن ما لا يقل عن الرئيس الإيراني الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، ووزير المخابرات في حكومته، ووزير خارجيته، ورئيس الحرس الثوري الإيراني آنذاك، ورئيس كتائب القدس، والملحق الثقافي الإيراني بالأرجنتين، والسكرتير الثالث بالسفارة الإيرانية في بيونس آيرس، وكذلك الرئيس السابق للأمن الخارجي بحزب الله.

ودفع تحقيق نيسمان الشرطة الدولية لإصدار إخطارات حمراء، التي تماثل مذكرات اعتقال دولية، ضد 6 من المنفذين، كما أصدرت الأرجنتين نفسها مذكرات اعتقال ضد رفسنجاني ووزير خارجيته علي أكبر ولايتي، وهو ما تجاهلته طهران.

ولم يتوقف نيسمان عند ذلك، حيث أطلق في مايو 2013 لائحة اتهام من 500 صفحة تسلط الضوء على كيفية اختراق إيران للأرجنتين والبرازيل وأوروغواي وتشيلي وجويانا وباراغواي وترينيداد وتوباجو وسورينام، وكيف استخدمت المساجد ومنظمات الخدمات الاجتماعية وسفاراتها لتجنيد الإرهابيين ونشر التطرف.

وساعد نيسمان السلطات الأميركية على اكتشاف أن محسن رباني، الملحق الثقافي الإيراني في الأرجنتين، بالتعاون مع أحد مدبري هجوم بيونس آيرس الإرهابي، ساعدا 4 رجال بينهم أحد مؤيدي رباني وهو مسؤول جوياني يدعى عبدالقادر، في التخطيط لتفجير أنابيب الوقود بمطار كينيدي الدولي في نيويورك.

وشهد رامون آلان بوغادو، ضابط المخابرات الأرجنتينية الذي اتهم مؤخرا بالتواطؤ مع إيران، خلال جلسة استماع بالمحكمة أن قناة الاتصال الخلفية تضمنت اتخاذ تدابير تزويد الأرجنتين لإيران بتقنيات نووية من خلال شركات أمامية تعمل في الأرجنتين وأوروغواي تنفذ عمليات نقل المعلومات.

صموئيل تادروس: النموذج الإيراني لا يقدم شيئا حقيقيا وملموسا للملايين في الشرق الأوسط

واعترف بوغادو أيضا أن مسؤولين في أعلى المستويات بالحكومة الأرجنتينية كانوا على دراية بهذه الخطة، وهو ما إذا تم إثباته سيكون أسوأ مما اعتقد المدعي العام السابق نيسمان أن تحقيقه سيكشفه،

وقد يكون توضيحا لماذا أراد بعض الأشخاص مقتله، وفق مارك دوبويتز وتوبي دوشويتز.

وبغض النظر عما سيحدث لرئيسة الأرجنتين السابقة في ما يخص التهم الموجهة لها بالخيانة، فإنه وكما وثق نيسمان في تحقيقه فإن إيران وحزب الله اخترقا أميركا اللاتينية، ومازالا يشكلان تهديدا خطيرا على الأمن في الأرجنتين والمنطقة وفي مختلف أنحاء العالم، حيث تستثمر إيران في الفوضى من الشرق الأوسط إلى العمق الأفريقي.

مواجهة إيران

لمواجهة إستراتيجية الهيمنة التي تتبعها إيران من أجل فرض السيطرة على منطقة الشرق الأوسط، يرى صموئيل تادروس أن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، من أوروبا إلى الشرق الأوسط إلى أميركا اللاتينية، في حاجة إلى تطوير إستراتيجية مضادة ومتعددة الأوجه تستهدف المصادر التي تستمد إيران القوة من خلالها، وتستغل نقاط ضعفها وتدعم وسائل دفاع منافسيها.

ويؤكد تادروس أن النظام الإيراني لديه نقاط ضعف أساسية يجب أن تستخدمها الإستراتيجية المضادة الفعالة، لا سيما في المنطقة الرئيسية للمشروع الإيراني، أي منطقة الشرق الأوسط. في هذه المنطقة تكمن قوة إيران وضعفها في آن واحد.

ولا يقدم النموذج الإيراني شيئا حقيقيا وملموسا للملايين في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومع ذلك نجح في التغلغل في عمق هذه المجتمعات. فخلافا لصانعي السياسات الأميركيين الذين ينظرون فقط لقومية المنطقة، فإن صناع السياسة الإيرانيين رسموا خارطة للانقسامات العرقية والسياسية والطائفية.

ويشير صموئيل تادروس إلى أنه على الولايات المتحدة من أجل تطوير إستراتيجية تستطيع من خلالها السيطرة على توسع إيران أن تتخلى عن فكرة قومية منطقة الشرق الأوسط وأن تتعامل مع المنطقة كما هي الآن، من خلال تطوير العلاقات الدولية وليس فقط العلاقات الداخلية بين الأنظمة والأقاليم والمكونات المحلية.

وتتطلب هذه العقلية الجديدة من الولايات المتحدة وضع إستراتيجية تعترف فيها بحكومة إقليم كردستان كحليف مهم له تأثير محتمل بين جميع الأكراد، بما في ذلك هؤلاء الذين يعيشون في إيران. ومن شأن هذه الفكرة أن تتخلى عن محاولات دعم الحكومة اللبنانية والجيش الذي يسيطر عليه حزب الله، وأن تركز بدلا من ذلك على بناء قوى متنافسة بديلة داخل البلاد.

ويتمثل المصدر الثاني للقوة الإيرانية في قدرتها على احتكار سلطة التشيع السياسي، لذلك يجب على الولايات المتحدة وحكومات المنطقة أن تساعد في دعم العناصر الدينية والعلمانية الشيعية من العرب والتي تعارض النموذج الشيعي الإيراني وتفخر بهوياتها العربية أو المحلية.

وتحظى إيران بثالث مركز قوة من خلال قدرتها على إتقان لعبة الدعاية في الشرق الأوسط. فمن خلال قناتها التلفزيونية الناطقة بالعربية “العالم” تستطيع إيران الترويج للدعاية الإيرانية، وتقويض النفوذ الأميركي، وتوسيع نشر نظريات المؤامرة التي يمارسها الغرب وإسرائيل. وفي وجود ستة ملايين متابع على فيسبوك، تعتبر القناة الإيرانية الناطقة بالعربية أداة قوية، وينبغي أن تسعى الولايات المتحدة إلى تقويض رسالتها والتصدي لها.

كما أنه وعلى الرغم من أقليات الشيعة في منطقة شمال أفريقيا، إلا أن إيران استطاعت أن تحظى بشعبية واسعة وأنصار نشرت من خلالهم رسالتها عبر المنطقة من خلال تنظيم الزيارات العلمية لطهران ومعارض الكتب والمحاضرات والصفقات التجارية.

ولا تعتبر إيران قوة لا يمكن هزيمتها، والنظام الإيراني لديه نقاط ضعف أساسية يمكن استخدامها، لكن قبل ذلك، وكما يؤكد الخبراء لن تنجح أي إستراتيجية في مواجهة التهديدات الإيرانية في الشرق الأوسط، ومنه إلى العالم، إذا لم تتغير العقليات السياسية في المنطقة.

6